نحن ببساطة لا نعلم بشكل قاطع ما إذا كانت الأتمتة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي ستولّد في نهاية المطاف المزيد من الوظائف أكثر مما ستعمل على تدميرها، وجميع الآراء تجدها هنا في هذا المخطط. وقد تنبأت إحدى الدراسات التي كثُر الإشارة إليها أنّ 47% من الوظائف سوف تتم أتمتتها، وأنّ التحول التكنولوجي قد أسهم في الواقع بانحسار عمليات التوظيف خلال السنوات الأخيرة. والجدير بالذكر أنّ البعض يستعد بالفعل لاستقبال عالم دون وظائف متاحة.

لكن الأتمتة بدأت منذ قرون من الزمن ولا تزال الوظائف متوفرة، ويعود ذلك إلى أنّ الأتمتة تحل محل بعض أشكال الأعمال التي يقوم بها البشر بينما تعزز الطلب على الأخرى. وعلاوة على ذلك، فإنّ الاضطراب في سوق العمل اليوم يُعتبر متواضعاً نسبياً، حيث تتغير تركيبة الوظائف في الاقتصاد بصورة أبطأ في العقود الأخيرة عنها في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي على سبيل المثال (انظر الرسم البياني أدناه). إلى جانب ذلك يشعر الاقتصاديون اليوم بالقلق حول سوق العمل الذي لا يُعتبر ديناميكياً بما يكفي، فقد انخفضت العديد من مقاييس المرونة والديناميكية منذ عقود من الزمن مثل تلك المتعلقة بالهجرة ودوران الموظفين.

 

ولكن هذا الغموض الذي يحيط بنا في هذا الصدد لا ينبغي أن يعمينا أو يصرف انتباهنا عن المسائل الملحة الأخرى المتعلقة بالأتمتة، والتي نحن على يقين من أنها ستواجهنا بغض النظر عما إذا كانت الأتمتة تضيف إلى العدد الإجمالي للوظائف أو تطرح منها. وإليك فيما يلي خمسة أسئلة مهمة تم إهمالها والتي تدور حول الأتمتة والوظائف:

هل سيكون العمال الذين خضعت وظائفهم للأتمتة قادرين على الانتقال إلى وظائف جديدة؟ إنّ الشكوى من الأتمتة لا تتمحور فقط حول عدد الوظائف التي يتم استبعادها، ولكن أيضاً حول ما إذا كان العمال الذين كانوا يشغلون الوظائف التي خضعت إلى الأتمتة يمكن أن ينتقلوا إلى وظائف أخرى. وتظهر البيانات التي نملكها على محرك البحث عن الوظائف "إنديد" كيف يسعى بعض العاملين الذين يشغلون إحدى الوظائف المهددة إلى البحث عن فرص جديدة، مثل أولئك العاملين في مجال تجارة التجزئة الذين يبحثون عن وظائف في مجال خدمة العملاء والمبيعات. لكن عمليات الانتقال بين الوظائف قد تكون أصعب مما كانت عليه في الماضي، إذ تباطأت تلك العمليات في العقود الأخيرة، حيث إنّ الشركات اليوم تعمل على توظيف وتسريح الموظفين أقل مما فعلت في السابق، وأصبح الموظفون ينتقلون من وظائفهم أقل من ذي قبل. وربما يخضع سوق العمل اليوم إلى التغير أقل مما كان عليه في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، ولكن نمو التوظيف البطيء اليوم وانخفاض معدل الانتقال قد يجعل تلك العمليات أطول ويرافقها المزيد من الشعور بالألم.

من سيتحمل وطأة الأتمتة؟ بغض النظر عن عدد الوظائف التي استبعدت نتيجة الأتمتة، إلا أنّ شدتها ستكون متفاوتة. فالأشخاص الحاصلون على درجات علمية أقل هم أكثر احتمالاً بكثير لأن يشغلوا وظائف "روتينية"، والتي تُعتبر الأكثر عرضة للأتمتة، مقارنة بالعاملين الحاصلين على شهادات جامعية وشهادات عليا. كما أنّ الرجال أكثر احتمالاً لأن يشغلوا وظائف روتينية من النساء. أما من ناحية الانقسام الجغرافي فالأمر قاس جداً، إذ إنّ ثلث الوظائف في المناطق الحضرية الكبرى مثل واشنطن العاصمة وسان خوسيه كاليفورنيا هي وظائف روتينية، مقابل النصف أو أكثر في أنحاء كثيرة من المناطق الداخلية من كاليفورنيا والعديد من المناطق الصغيرة الجنوبية والتي تقع في وسط غرب البلاد. وتتسق هذه الاختلافات المناطقية مع الانقسام الحزبي، فالمقاطعات التي صوتت بزخم أكبر للرئيس ترامب في عام 2016 ترتفع نسبة الوظائف الروتينية فيها وبالتالي هي الأكثر عرضة للتأثر.

كيف ستؤثر الأتمتة على توفّر العمالة؟ قد تؤثر الأتمتة على توفّر العمالة وليس الطلب عليها فقط. وكما قلصت الابتكارات التكنولوجية السابقة، مثل الغسالات وأجهزة المطبخ، الوقت اللازم لأداء الأعمال المنزلية وأسهمت في دخول المرأة إلى سوق العمل مقابل أجر، فإنّ أوجه التقدم التكنولوجي المستقبلي المرتبط بالأتمتة قد يغير أيضاً مقدار استعداد وقدرة الناس على العمل. على سبيل المثال، قد تحوّل السيارات ذاتية القيادة التنقل إلى وقت يُستغل لأداء عمل مثمر، أو قد تُسخر السيارات ذاتية القيادة في مجال نقل الأطفال إلى المدارس وأماكن أخرى، ما يحرر الوالدين من تلك المهمة ويتاح لهما العمل لساعات أطول. في المقابل، يمكن أن تعزز الأتمتة الإنتاجية وتخفض أسعار الاستهلاك، وقد تقلل من توفّر العمالة لأنّ الناس لن يعودوا بحاجة إلى العمل لفترة أطول من أجل دفع ثمن المواد نفسها. وفي النهاية، من غير الواضح تماماً أي من تلك الأمور سوف تظفر.

كيف ستؤثر الأتمتة على الأجور، وبالعكس؟ يعتمد تسارع الأتمتة على الأسعار، وليس فقط على الجدوى التكنولوجية. أي أنه إذا تمكن الروبوت أو الخوارزمية من تأدية المهام بكفاءة مثل الإنسان، فهذا لا يعني أنهما سيحلّان محل الإنسان. بل تعتمد الأتمتة على تكلفة تطبيق التكنولوجيا مقارنة بتكلفة العمالة البشرية. وفي سوق العمل الضيق اليوم على سبيل المثال، قد يشجع وجود عاملي ارتفاع الأجور ونقص العمالة على الاستعانة بالأتمتة وتعزيز الإنتاجية. وفي الوقت نفسه، يمكن أن تؤدي الأتمتة التي تحل محل العمال في بعض القطاعات إلى توفير العمالة في قطاعات الأخرى، ما قد يؤدي إلى انخفاض الأجور، وإبطاء العملية الإنتاجية، وتفاقم عدم المساواة. مرة أخرى، ليس جلياً أي من تلك القوى ستكون الأقدر.

كيف ستغير الأتمتة من عملية البحث عن الوظائف؟ لدى الذكاء الاصطناعي القدرة على التنبؤ بالتطابق الأفضل بين الباحثين عن عمل والوظائف الشاغرة. وقد تؤدي عمليات الفرز والاختبارات المؤتمتة إلى القضاء على الانحيازات البشرية التي تُلحق الضرر بمرشحين محددين. ومع ذلك، قد تعزز الخوارزميات أيضاً الأحكام المسبقة الخاصة بالبشر إذا تم تغذية الخوارزميات بقاعدة بيانات متحيزة. بالإضافة إلى ذلك، قد تطبق الخوارزميات بصورة تفضيلية على مجموعات معينة، ويحذر أحد الخبراء من مستقبل "تتم فيه معالجة طلبات المرشحين أصحاب الامتيازات من قبل أشخاص، أما باقي المرشحين فتعالج طلباتهم من خلال الآلات". أخيراً، قد يكون الناس شاعرين بالقلق بما يخص التوظيف المؤتمت، حيث أظهر استطلاع حديث للرأي أنّ الناس أقل حماساً بشأن خوارزميات تقييم المرشحين للوظائف مقارنة بحماسهم تجاه السيارات ذاتية القيادة أو الروبوتات التي ترعى المسنين؛ الأمر الذي من شأنه إبطاء تبنيهم لها.

لا يتعين علينا الانتظار حتى نستكشف ما إذا كانت الأتمتة ستخلق المزيد من الوظائف بدلاً من تدميرها لنجيب عن هذه الأسئلة واتخاذ إجراءات استناداً إلى الإجابات. إذ يُعتبر السعي إلى جعل عمليات الانتقال الوظيفية أسهل، والتركيز على أولئك الأكثر عرضة لخطر فقدان وظائفهم، والتفكير بشأن توفّر العمالة والأجور والبحث عن الوظائف؛ أموراً ضرورية للغوص في هذه التقنيات الجديدة، سواء كانت الأتمتة سترفع أو ستخفض من المعدل الإجمالي للتوظيف في نهاية المطاف.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!