كيف تحقق الأداء العالي في مؤسستك دون استنزاف موظفيك؟

7 دقيقة
الاستدامة الإنسانية
app.envato.iLixe48

يتفق معظم القادة اليوم على مركزية الإنسان في معادلة النجاح المؤسسي، إلا أن مفهوم الاستدامة الإنسانية لم يترسخ بعد في البنية التصميمية لأنظمة العمل ذاتها. إذا تظهر المؤشرات الحديثة أن مستويات التوتر لا تزال مرتفعة، ويشعر كثير من الموظفين بأنهم يتحملون مسؤوليات تتجاوز صلا…

يتفق معظم القادة على أهمية الإنسان، ومع ذلك لا يزال العمل في مختلف المؤسسات يستنزف البشر ويصيبهم بالإعياء. ولا يعكس هذا تناقضاً في القيم، بل تناقضاً في التصميم؛ إذ دخل مفهوم الاستدامة الإنسانية إلى لغة القيادة والاستراتيجيات الوطنية وأطر الحوكمة في مختلف دول الخليج، دون أن يدخل بعد إلى البنية التصميمية للعمل ذاته. ونتيجة لذلك يحظى هذا المفهوم بتأييد واسع من حيث المبدأ، في حين يظل تطبيقه الفعلي متفاوتاً من تجربة إلى أخرى.

لقد أصبحت الاستدامة الإنسانية موضع اتفاق نظري تؤيده مؤسسات كثيرة، لكنها تواجه صعوبة حقيقية في تحويله إلى ممارسة ملموسة على أرض الواقع.

وهم التقدم

على مدى السنوات القليلة الماضية، استثمرت مؤسسات كثيرة في كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة بكثافة في خطاب يركز على البعد الإنساني. وقد رفعت أجندات التحول الوطني من شأن القدرات البشرية والمهارات والرفاه بوصفها أولويات استراتيجية. كما عكس انتقال دولة الإمارات إلى أسبوع العمل المكون من 4.5 أيام في القطاع الحكومي الاتحادي اعترافاً على مستوى السياسات بأن الإنتاجية لا تتطلب بالضرورة حضوراً دائماً. وفي السياق نفسه، تضع رؤية 2030 في المملكة العربية السعودية تنمية القدرات البشرية في صميم النمو الاقتصادي الطويل الأجل.

نظرياً، يبدو هذا تقدماً ملموساً. أما في الواقع، فتبدو الإشارات أكثر تبايناً.

إذ يظهر تقرير حالة بيئة العمل العالمية الصادر عن مؤسسة غالوب للعامين 2024–2025 أن مستويات التوتر لا تزال مرتفعة في مختلف دول الشرق الأوسط، حتى في البيئات التي تظهر فيها جيوب محدودة من التفاعل الوظيفي، لا سيما في الاقتصادات السريعة النمو التي تشهد تحولات كبرى.

وفي الوقت نفسه، يسلط تقرير اتجاهات رأس المال البشري العالمية الصادر عن شركة ديلويت لعام 2024 الضوء على فجوة مستمرة بين طموحات القيادة وواقع تجربة الموظف، خصوصاً فيما يتعلق باستدامة أعباء العمل وسرعة الإيقاع والشعور بالقدرة على التحكم في العمل.

ولو كانت الاستدامة الإنسانية تترسخ بوصفها تجربة متسقة ومستقرة، لكانت هذه المؤشرات تتحرك بوضوح أكبر في الاتجاه المعاكس.

غير أن نمطاً أكثر هدوءاً بدأ بالظهور. فالناس لا يصلون إلى الإنهاك الحاد فجأة، بل تستنزف طاقتهم تدريجياً، واستنزاف القدرة البشرية هذا يكون بوتيرة أسرع من إعادة بنائها، إذ يتولى الأفراد إدارة طاقتهم بأنفسهم بينما تواصل متطلبات المؤسسة التصاعد.

لا يعكس ذلك خللاً في النيات، بل خللاً في التصميم.

اختلال توزيع مسؤولية الاستدامة الإنسانية

لا تتعثر الاستدامة الإنسانية لأن القادة لا يبالون باحتياجات الإنسان، بل حين توضع مسؤوليتها في غير موضعها الصحيح.

تقر المؤسسات بالضغوط التي يفرضها النمو والتحول ومتطلبات الإنجاز، ثم تطلب من الأفراد أن يصبحوا أكثر صلابة داخل أنظمة مرهقة بطبيعتها. وتدفعهم إلى إدارة التوتر والتكيف، بينما تتصاعد أعباء العمل وتتسارع وتيرة اتخاذ القرار وتشتد هياكل المساءلة صرامة.

وفي البيئات الهرمية الشائعة في دول الخليج، حيث تعزز الثقافة التنظيمية سرعة الاستجابة والتنفيذ، يتكرس هذا النمط التنظيمي على نحو أوضح. فغالباً ما يبدو التشكيك في وتيرة العمل أو نطاقه محفوفاً بالمخاطر. وغالباً ما تنظر المؤسسات إلى التحمل بوصفه دليلاً على الالتزام، وتفترض أن التعافي مسؤولية فردية تقع خارج نظام العمل نفسه.

وهكذا ينتقل العبء على نحو خفي لكنه حاسم؛ فتنقل المؤسسات مسؤولية الاستدامة إلى الأفراد، بدلاً من أن تدمجها في تصميم العمل ذاته.

وعندما تطلب المؤسسات من الموظفين امتصاص الضغوط من دون أن تمنحهم سلطة التأثير في مصادرها، تفقد الاستدامة قدرتها على الاستمرار.

الاستدامة ليست ميزة إضافية، بل هي خيار تصميمي.

غالباً ما تقدم المؤسسات مفهوم الاستدامة الإنسانية بوصفه امتداداً لرعايتها لموظفيها: مزايا أفضل، وسياسات محسنة، وسلوكيات قيادية أكثر دعماً.

ذلك كله مهم، لكنه لا يلامس جوهر المشكلة.

فالاستدامة الإنسانية لا تتعلق أساساً بكيفية معاملة المؤسسات لموظفيها، بقدر ما تتعلق بكيفية تصميم العمل نفسه.

يحافظ النظام المستدام على القدرة البشرية عبر الزمن. ولا يعتمد على التعافي المتكرر من الإرهاق المزمن الناجم عن عبء العمل الزائد، ولا يتعامل مع الاستنزاف على أنه ثمن طبيعي للأداء، ولا يصور الإعياء على أنه قصور شخصي.

وفي البيئات العالية الطموح، مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، يكتسب هذا التمييز أهمية حاسمة. فعندما يراعي تصميم أنظمة العمل تحقيق السرعة والتصعيد والحضور المستمر، لا تكفي مبادرات الرفاه وحدها للتعويض، ولا تنجح الثقافة المؤسسية في تصحيح سلوك تحكمه الحوافز، ولا يمكن للتعاطف أن يحيد الضغوط الهيكلية.

تبدأ الاستدامة الإنسانية حين تتغير قرارات التصميم، لا حين تتسع دائرة المزايا.

4 تصدعات هيكلية تقوض الاستدامة الإنسانية

تواصل 4 تصدعات متكررة تقويض الجهود الرامية إلى جعل العمل أكثر استدامة في مختلف القطاعات.

1. معاملة القدرة البشرية كما لو كانت مورداً غير محدود

تبني مؤسسات كثيرة خططها على أن القدرة البشرية يمكن أن تتمدد بلا نهاية. فتتوسع أعباء العمل استجابة للفرص والاستعجال، بينما يظل التعافي غير رسمي أو اختيارياً.

وأثبتت أبحاث مؤسسة غالوب أن مؤشرات أساسية لتجربة الموظف لم تعد بعد إلى مستويات ما قبل الجائحة، ما يشير إلى أن الضغط المستمر أصبح سمة دائمة لا استثناء عابراً. ولا يمكن للاستدامة أن تقوم في بيئات لا تعترف بالحدود إلا بعد أن يتعثر الأفراد.

2. المساءلة تسبق الاستقلالية

تحمل المؤسسات الموظفين، على نحو متزايد، مسؤولية نتائج تنشأ عن قرارات مركزية وجداول زمنية مضغوطة وتشابكات تنظيمية معقدة لا يمتلكون القدرة على التأثير فيها.

وتشير أبحاث مجلة إم آي تي سلون مانجمنت ريفيو إلى أن القادة كثيراً ما يقيدون حافز الموظف بسبب الإفراط في القواعد والمراقبة والتحكم، في حين تحقق المؤسسات التي تمنح استقلالية أوضح، مقرونة بتوجيه استراتيجي وحوار مستمر، مستويات أعلى من التفاعل والالتزام.

وتضعف الاستدامة الإنسانية كلما اتسعت مسؤوليات الفرد من دون أن تقابلها صلاحيات واضحة.

3. هيمنة المقاييس على المعنى

يزداد اعتماد المؤسسات على درجات التفاعل ومؤشرات الرفاه وتحليلات المشاعر لتقييم التجربة الإنسانية في العمل. وعلى الرغم من أن القياس قد يكشف أنماطاً مهمة، فهو لا يغني عن الحوار. وعندما تتحول المؤشرات إلى بدائل عن الرعاية الحقيقية، تتعرض تجربة العمل الفعلية لخطر التجريد والاختزال.

تثبت أبحاث حالة بيئة العمل العالمية الصادرة عن مؤسسة غالوب باستمرار أن مستويات التفاعل لا تزال منخفضة على مستوى العالم، وأن القياس وحده لا يفسر ركود التفاعل ولا يوضح الشروط المؤسسية التي تحافظ عليه.

لا تكمن الأهمية الحقيقية في القياس ذاته، بل في الجهة التي تملك صلاحية اتخاذ القرار بناء عليه.

4. فصل الأداء عن التعافي

لا تزال أنظمة عمل كثيرة تفترض أن أصحاب الأداء المرتفع يستعيدون طاقتهم في أوقاتهم الخاصة. وتتعامل مع التعافي بوصفه شأناً شخصياً، لا متطلباً نظامياً.

وتبين أبحاث جمعية علم النفس الأميركية أن الأداء المستدام يعتمد على أعباء العمل القابلة للإدارة والتعافي المنتظم والمتوقع، لا على التحمل الطويل الأمد.

فالعمل الذي يفرض على الإنسان أن يتعافى منه كي يواصل أداءه ليس مستداماً بطبيعته.

ما الذي يتغير عندما يصبح البشر شركاء في التصميم؟

تبدأ الاستدامة الإنسانية بالتحول عندما لا تكتفي المؤسسات بدعم الأفراد داخل الأنظمة القائمة، بل تشركهم في تشكيلها؛ لا يعني ذلك تخفيف المساءلة أو اعتماد إدارة قائمة على الإجماع، بل تقاسم صلاحيات ضبط وتيرة العمل وترتيب الأولويات ورسم الحدود. فالمؤسسات التي تشرك فرقها في كشف أعباء العمل الخفية والتفاوض المبكر حول الجداول الزمنية وتوضيح المفاضلات بين الخيارات تشهد إخفاقات أقل في التنفيذ؛ لا لأن الضغط يختفي، بل لأنه يصبح مرئياً وقابلاً للإدارة.

وفي سياقات العمل العالية الإنجاز في دول الخليج، لا يمثل التصميم التشاركي ترفاً ثقافياً، بل ضرورة تشغيلية.

الاستدامة الإنسانية تتطلب استراتيجيات مختلفة

لا يتطلب تعزيز الاستدامة الإنسانية خفض مستوى الطموح، بل إعادة تصميم كيفية تنفيذ هذا الطموح.

في البيئات العالية النمو، مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، لا تكمن المشكلة في أن القادة يطلبون أكثر مما ينبغي، بل في أن الأنظمة تفترض أن القدرة البشرية ستستوعب كل ما يفرضه الطموح، من دون أن تضع حماية هذه القدرة ضمن تصميمها.

وثمة 4 تحولات تصميمية تغير هذا الافتراض:

1. التعامل مع عبء العمل بوصفه مورداً محكوماً، لا نتيجة غير مرئية

في معظم المؤسسات، لا يتولى أحد مسؤولية عبء العمل على نحو رسمي؛ فهو يتراكم بهدوء عبر تحولات الاستراتيجية ومسارات التصعيد وتزايد التوقعات، من دون آلية مؤسسية مقابلة لإعادة موازنة الطلب.

أما الأنظمة المستدامة فتجعل عبء العمل مرئياً وقابلاً للنقاش وخاضعاً للحوكمة، ولا تتعامل معه بوصفه ناتجاً طبيعياً للطموح.

وهذا يعني أن يحدد القادة صراحة العمل الذي سيزيح عملاً آخر، بدلاً من افتراض أن الأفراد سيواصلون استيعاب متطلبات متزايدة بلا حدود. ويعني كذلك إدراك أن إضافة أولويات من دون إزالة غيرها قرار تصميمي، لا قصور غير مقصود في القيادة.

وتبدأ الاستدامة الإنسانية حين تدير المؤسسات عبء العمل بالانضباط نفسه الذي تدير به الميزانية والمخاطر.

2. ربط المساءلة بالسلطة الحقيقية لا بالأدوار الاسمية

توسع مؤسسات حديثة كثيرة مسؤوليات أفرادها بينما تقيد صلاحياتهم في اتخاذ القرار، فتحملهم نتائج تتشكل بفعل علاقات لا يسيطرون عليها وجداول زمنية لا يملكون التأثير فيها ومفاضلات لا يملكون تفويضاً لاتخاذها.

ويخلق ذلك ضغطاً ذهنياً صامتاً؛ إذ يهدر الأفراد طاقتهم في التعامل مع غموض الأدوار والصلاحيات بدلاً من توجيهها إلى إنجاز العمل.

وتغلق الأنظمة المستدامة هذه الفجوة بصورة مدروسة؛ فهي توضح من يملك السلطة الفعلية، وتقلل الموافقات غير الضرورية، وتوائم بين المسؤولية والقدرة على الفعل، ليس على نحو مثالي دائماً، بل على نحو مقصود.

وعندما تختل المواءمة بين المسؤولية والسلطة، يزداد الجهد بينما تتراجع الفعالية.

3. إدماج التعافي ضمن تصميم العمل، لا تحميله على عاتق الأفراد

لا تزال معظم أنظمة العمل تفترض أن التعافي شيء يفعله الإنسان بعد العمل، وليس شيئاً يجب أن يتيحه العمل نفسه. وهذا الخيار التصميمي يكافئ التحمل بهدوء ويعاقب الاستدامة.

أما المؤسسات التي تأخذ الاستدامة الإنسانية على محمل الجد فلا تعتمد على التعافي غير الرسمي أو على الصلابة الشخصية وحدها. بل تصمم الإيقاع والتسلسل وتوقعات الأداء بحيث تعقب الفترات المكثفة مراحل استعادة طاقة مقصودة، لا مجرد مطالب جديدة.

فالتعافي ليس شأناً من شؤون العناية الشخصية، بل مطلباً هيكلياً لاستدامة جودة التقدير والإبداع والأداء.

4. إبطاء التصعيد قبل أن يتحول إلى نمط التشغيل الافتراضي

في البيئات العالية الضغط، غالباً ما يصبح التصعيد استجابة انعكاسية لعدم اليقين؛ فيبدو كل شيء عاجلاً، وتستعجل المؤسسات اتخاذ القرارات، ويظل الحمل المعرفي مرتفعاً على نحو دائم.

ومع مرور الوقت، يؤدي ذلك إلى إضعاف جودة التقدير وزيادة الأخطاء، حتى مع تسارع وتيرة النشاط.

وتميز الأنظمة المستدامة بين الاستعجال الحقيقي والاستعجال المصطنع. فهي تنشئ مسارات تصعيد مقصودة لا اعتيادية، ويجسد القادة فيها ضبط النفس لا التوافر المستمر، ويرسخون ثقافة الإيقاع المتزن بدلاً من السرعة التفاعلية.

وعندما يصبح التصعيد هو القاعدة، يصبح الاستنزاف حتمياً.

السؤال الحقيقي الذي تطرحه الاستدامة الإنسانية

لن تحل مشكلة الاستدامة الإنسانية عبر تحسين اللغة أو تعزيز السرديات أو توسيع البرامج. فهذه مؤشرات على الوعي، لا أدلة على حدوث تغيير فعلي.

السؤال الحقيقي متعلق باستعداد المؤسسات لإعادة تصميم العمل بحيث لا يعتمد الأداء على الاستنزاف.

وإلى أن نصل إلى إجابة صادقة عن هذا السؤال ستظل الاستدامة الإنسانية موضع تأييد واسع، لكنها بعيدة المنال على نحو خفي؛ لا لأن القادة لا يهتمون، بل لأن الأنظمة ما تزال تطلب من البشر أن يتعافوا من العمل، بدلاً من أن يكون العمل نفسه مصدراً لاستدامتهم.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2025.

المحتوى محمي