4 طرق لبناء علاقات راسخة مع عملائك

6 دقيقة
إدارة الحسابات الاستراتيجية
أندري أونوفريينكو/غيتي إميدجيز

تواجه شركات كثيرة صعوبات في إدارة أكبر حساباتها، لا بسبب ضعف فرقها، بل لأن القيادات العليا فيها تفتقر إلى فهم متكامل لكيفية تمكين مختلف الأعمال والموارد المطلوبة لخدمة هذه الحسابات على الوجه الأمثل. أما المؤسسات الأكثر فعالية، فتتعامل مع هذا التحدي بمنهجية مؤسسية تشمل م…

تجني الشركات التي تولي عملاءها الاستراتيجيين اهتماماً حقيقياً نتائج ملموسة؛ إذ يدرك معظم الرؤساء التنفيذيين أن إدارة الحسابات الاستراتيجية تسخر الاستراتيجية والفرق والموارد لخدمة شراكات مع عملاء رئيسيين، وتتسم هذه الشراكات بدرجة عالية من التعقيد، ما يجعلها عنصراً حاسماً في نمو شركاتهم.

غير أن أدلة حديثة تشير إلى أن مؤسسات كثيرة بدأت تفقد زخمها في هذا المجال؛ إذ تفيد دراسة داخلية أجرتها الجمعية الدولية لإدارة الحسابات الاستراتيجية، استراتيجيك أكاونت مانجمنت أسوسييشن (ساما)، بأن غياب دعم القيادات التنفيذية بات اليوم السبب الرئيسي لإيقاف برامج إدارة الحسابات الاستراتيجية أو تعثرها. وبالمثل، تكشف أبحاث مشتركة بين الجمعية وشركة زد إس حدة هذا التراجع؛ فقد انخفضت نسبة الشركات التي تنظر إلى إدارة الحسابات الاستراتيجية بوصفها أولوية استراتيجية واضحة من 65% في عام 2020 إلى 33% في عام 2025. ويفيد ما يقرب من ثلثي المشاركين الآن بأن إدارة الحسابات الاستراتيجية فقدت أهميتها أو أنها مهددة بتراجع أولويتها أو أنها لم تكن أولوية من الأساس.

وتؤكد خبرتنا العملية مع عشرات القيادات التنفيذية وفرق الحسابات الاستراتيجية هذا النمط ذاته، إذ تكشف 4 تحولات تميز الالتزام القيادي الفعلي بإدارة الحسابات الاستراتيجية عن الدعم الرمزي أو السطحي:

  • الإيمان بإدارة الحسابات الاستراتيجية بوصفها استراتيجية نمو، لا مجرد فريق مبيعات.
  • اعتماد أفق زمني يقاس بالسنوات لا بأرباع السنوات المالية.
  • الالتزام بتمكين الأداء وبناء القدرات، لا الاكتفاء باستقطاب أصحاب المواهب الفردية البارزة.
  • بقاء القيادات التنفيذية منخرطة فعلياً مع الحسابات الاستراتيجية، لا معزولة في القمة.

ويتناول هذا المقال السبل التي تمكن الشركات من تحسين أسلوب تفاعلها مع عملائها من الحسابات الاستراتيجية.

الإيمان بإدارة الحسابات الاستراتيجية بوصفها استراتيجية نمو، لا مجرد فريق مبيعات

تنظر شركات كثيرة إلى إدارة الحسابات الاستراتيجية بوصفها امتداداً للعمل البيعي التقليدي، لا تحولاً استراتيجياً في طريقة بناء العلاقة مع العميل، بل مجرد تغيير في المسمى لكبار مندوبي المبيعات. وعندما يحدث ذلك، يضيع الهدف الحقيقي لإدارة الحسابات الاستراتيجية. فحين تتعامل معها الشركة بوصفها نشاطاً بيعياً، ينصب تركيزها على إتمام الصفقات وإدارة النشاط البيعي وفق التقسيمات الجغرافية وقنوات البيع والحصص البيعية والحوافز القصيرة الأجل المرتبطة بالنتائج. أما حين تنظر إليها بوصفها استراتيجية، فيتسع نطاق التركيز ليشمل تحديد كيفية بناء الشركة لميزة تنافسية قائمة على العميل والحفاظ عليها، وتحقيق نمو مؤسسي مستدام. وعندئذ تتحول المراجعات من سؤال: "كم صفقة أبرمنا هذا الربع؟" إلى سؤال أعمق: "كيف نعزز الشراكة والقيمة المتبادلة مع هذا العميل على مدى الأعوام الثلاثة المقبلة؟".

تتعامل الشركات الأكثر فعالية مع إدارة الحسابات الاستراتيجية لا بوصفها فريق مبيعات، بل باعتبارها منصة استراتيجية للنمو؛ إذ تضع مسوغات واضحة لاعتماد هذا النهج وتبين أسباب إبراز أهميته في الوقت الراهن، وتحدد الحسابات التي تستحق تفاعلاً استراتيجياً استناداً إلى معايير مثل تركز الإيرادات ومستوى التأثير وإمكانات الابتكار المشترك والاستعداد للشراكة والقيمة على مدى عمر العلاقة والمخاطر. كما تنسق الموارد والبيانات والاستثمارات عبر مختلف الأقسام بما يتوافق مع هذه الأولويات. ويؤدي ذلك إلى تحويل التركيز من المعاملات إلى التحول، ومن السعي وراء أرقام الأرباع المالية إلى بناء قيمة استراتيجية طويلة الأمد.

تبنت إحدى شركات الصناعات الدوائية الحيوية الناشئة إدارة الحسابات الاستراتيجية بوصفها ركيزة أساسية إلى حد أنها أعادت هيكلة نموذجها لدخول السوق بما يضع حساباتها الاستراتيجية في صميم هذا النموذج، علماً بأن هذه الحسابات كانت تولد 80% من مبيعاتها. ولم تعد إدارة الحسابات الاستراتيجية "مشكلة" تخص قسماً بعينه؛ بل أعادت المؤسسة مواءمة حوافزها وتوجيهها بالكامل لخدمة نمو الحسابات الاستراتيجية. وأنشأت الشركة مجلس حوكمة لإدارة الحسابات، يضم قيادات من العلامات التجارية والموارد البشرية والمالية والتحليلات والتعلم والتطوير والاستراتيجية والعمليات، وتولى هذا المجلس إقرار ميزانيات مخصصة للعملاء (منفصلة عن ميزانيات العلامات التجارية)، ووضع مؤشرات أداء مشتركة واعتماد أساليب عمل موحدة. وأصبحت إدارة الحسابات الاستراتيجية بنداً دائماً على جدول أعمال الإدارة العليا، ثم غدت في نهاية المطاف ركيزة أساسية في استراتيجية الشركة لدخول السوق. وكان الأثر لافتاً؛ إذ نمت الحسابات الاستراتيجية بوتيرة أسرع بنسبة 50% مقارنة بالحسابات غير المشمولة بهذا النهج خلال عامين، وحقق منتج جديد نمواً بنسبة 60% داخل الحسابات الاستراتيجية مقابل 30% في بقية الحسابات خلال 18 شهراً من طرحه. علاوة على ذلك، اختار 50% من العملاء الشركة بوصفها الجهة المصنعة المفضلة لديهم، في حين لم تتجاوز حصة أقرب منافسيها 30%.

أفق زمني يقاس بالسنوات، لا بالأرباع المالية

ربما كان التحول الأصعب هنا هو التحول الزمني. فالأسواق تكافئ الأداء ربع السنوي، ومتوسط فترات بقاء الرؤساء التنفيذيين في مناصبهم يتراجع، بينما تسرع الزعزعة الرقمية دورات الأعمال. والنتيجة واضحة: تراجع صبر المؤسسات. يؤثر هذا الضغط لتحقيق نتائج قصيرة الأجل تأثيراً مباشراً في برامج إدارة الحسابات الاستراتيجية. فكثيراً ما تحتفي الشركات بـ"التركيز على العميل" عبر حملات عالية الظهور على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها توجه استثمارات محدودة في البنية التحتية اللازمة لاستدامة هذا التوجه. ويغلب الرمز على النظام، والشعار على البناء المؤسسي.

عندما يتعلق الأمر بالحسابات الاستراتيجية، تقاوم الشركات الأكثر انضباطاً هذا الميل. فهي تدرك أن قيمة إدارة الحسابات الاستراتيجية تتراكم مع مرور الوقت؛ تتعمق الثقة، ويتوسع الابتكار المشترك، ويتحول تقاسم المخاطر إلى نمو مشترك. وقد ذهب أحد الرؤساء التنفيذيين إلى حد إقرار عدم قياس أثر المبيعات مدة 3 سنوات بعد إطلاق برنامج لإدارة الحسابات الاستراتيجية. واعتمد نهجاً متوازناً في القياس، ركز فيه على المؤشرات الرائدة مثل مقاييس تجربة العميل ونجاح المبادرات المشتركة مع العملاء. وبعد 3 سنوات، وحين راجع أداء الإيرادات أخيراً، كانت الحسابات الاستراتيجية تنمو بوتيرة تعادل ضعف غيرها، كما كانت تتبنى العروض الجديدة بوتيرة أسرع بنسبة 30%.

إن برامج إدارة الحسابات الاستراتيجية القادرة على الصمود تقوم على قادة يصممون أنظمة تتجاوز تعاقب القيادات، وتحقق عوائد مركبة بعد زمن طويل من انحسار الأضواء، وهم يعملون ضمن بيئة تنظيمية تركز على النتائج السريعة وتكافئ الإنجاز القصير الأجل.

الالتزام بتمكين الأداء، لا الاكتفاء باستقطاب أصحاب المواهب الفردية البارزة

على الرغم من أن توافر الكفاءات المتميزة عنصر مهم للنجاح في إدارة الحسابات الاستراتيجية، فهو غير كاف بمفرده. فهؤلاء العملاء لا يريدون المنتج فحسب؛ بل يريدون شراكة حقيقية. وتشير أبحاث أجرتها شركة زد إس حول مؤسسات الرعاية الصحية في الولايات المتحدة (مثل المستشفيات وأنظمة الرعاية الصحية)، وهي دراسات حصرية لا تتاح إلا للشركات المشاركة فيها، إلى أن الجهات المصنعة (مثل شركات الصناعات الدوائية والتقنيات الطبية) التي تقيم علاقات تستند إلى الشراكة مع مقدمي الرعاية تحقق درجات أعلى في مؤشرات تأييد العملاء. وتوضح دراسة حصرية أخرى للشركة نفسها أن العملاء يقدرون "معرفة البائع بمؤسستهم" أكثر من تقديرهم لخبرته بالمنتج بمقدار الضعفين. ولبناء شراكات من هذا النوع، تحتاج فرق الحسابات الاستراتيجية إلى الكفاءات البشرية، لكنها تحتاج أيضاً، وبالقدر نفسه، إلى دعم تنظيمي وبنية تمكينية واضحة، تشمل رعاية تنفيذية وميزانية مخصصة وإتاحة الوصول إلى البيانات والخبرات من تخصصات مثل التسويق والتحليلات والشؤون القانونية والمالية. غير أن فرق الحسابات كثيراً ما تضطر إلى "استعارة" هذه الموارد من فرق المنتجات أو العلامات التجارية، فتجد نفسها تتعامل مع ندرة الموارد داخل أنظمة تركز على العروض والمنتجات، لا على العملاء.

تتعامل الشركات التي تتبنى رؤى استشرافية مع دعم إدارة الحسابات الاستراتيجية وتمكينها بوصفهما من القدرات التنظيمية الأساسية، لا الخدمات المشتركة. فهي تمول هذه القدرات صراحة وتقيس أثرها وترفع مستوى مشاركة القيادات التنفيذية فيها باعتبارها امتيازاً قيادياً لا مهمة إدارية. ففي شركة هيلتون، على سبيل المثال، يمثل تعيين قائد تنفيذي راع لحساب استراتيجي تعبيراً عن مكانة قيادية رفيعة، ويسعى كبار القادة بنشاط إلى شغل هذه الأدوار. يضمن هذا الإحساس بالمكانة أن يتلقى العملاء من الفئة العليا اهتماماً منسقاً على مستوى المؤسسة بأكملها، ما يفضي إلى تأييد أقوى وشراكات أعمق ونمو أسرع.

القيادات التنفيذية التي تبقى منخرطة مع الحسابات الاستراتيجية، ليست معزولة في القمة

مع توسع المؤسسات ونموها، كثيراً ما تبتعد القيادات التنفيذية العليا عن العملاء، فتفقد الإحاطة بكيفية اتخاذ الحسابات الاستراتيجية لقراراتها وبالمواضع التي تتعثر فيها العمليات وبالطريقة التي تؤدي بها الأولويات المتنافسة إلى نشوء احتكاكات. ومع تعدد طبقات الاتصال، لا تصل الحقائق الصعبة كما هي؛ بل تخفف وتعاد صياغتها في صورة تحديثات مطمئنة يسهل قبولها. وتحل مقاييس الأداء التي تنظر إلى الماضي محل الحوارات الجادة التي تستشرف المستقبل. ويطرح المسؤولون التنفيذيون أسئلة غير دقيقة وتتردد الفرق في تصويبها وينشغل الجميع بإدارة الصورة والانطباع بدلاً من التركيز على العميل. ونتيجة لذلك تفقد برامج إدارة الحسابات الاستراتيجية طاقتها وبوصلتها.

وعلى النقيض من ذلك، يحرص الرؤساء التنفيذيون الذين يظلون متمسكين بغاية إدارة الحسابات الاستراتيجية على السعي المتعمد إلى مناطق عدم الارتياح. فهم يكافئون الاختلاف في الرأي ويدعون فرق الحسابات إلى تحدي الافتراضات السائدة ويرحبون بالأخبار السيئة في وقت مبكر. وتقدم إحدى شركات المنتجات الاستهلاكية مثالاً قوياً على ذلك؛ فخلال عملية تحول في إدارة الحسابات الاستراتيجية، خلص قائد البرنامج إلى أن بعض قادة المبيعات أصحاب الخبرة الطويلة يفتقرون إلى القدرات المطلوبة لإدارة الحسابات الاستراتيجية المتقدمة. وأثار قرار إعادة ضبط الأدوار مقاومة وصراعات داخلية، غير أن المدير العام ظل متمسكاً بغاية إدارة الحسابات الاستراتيجية وبمستوى الكفاءات التي تتطلبها وساند قرارات قائد البرنامج. وبعد 3 أعوام، كانت الشركة قد تجاوزت الشركة المتصدرة لفئتها، ما اضطر ذلك المنافس إلى إطلاق عملية شاملة لإعادة هيكلة إدارته للحسابات الاستراتيجية.

ترى القيادات التنفيذية أن الفارق جوهري بين الدعم الرمزي لإدارة الحسابات الاستراتيجية وممارسة الوصاية القيادية عليها؛ فالدعم الرمزي عابر وموسمي، أما الوصاية القيادية فممتدة ومستدامة. فالأول لا يتجاوز الإشارة إلى الاهتمام، في حين يعمل الثاني على بناء الالتزام الضروري للنجاح والحفاظ عليه عبر الزمن. وتنظر القيادات التي تجسد مفهوم الوصاية القيادية إلى إدارة الحسابات الاستراتيجية لا بوصفها دوراً بيعياً، بل باعتبارها استراتيجية للنمو. وتستثمر في مواءمة الوظائف المختلفة وتمكين التنفيذ الفعلي من أجل تنمية علاقات راسخة مع أكثر عملاء الشركة تميزاً، ويفوق أثرهم عددهم أو حجمهم، ما يخلق قيمة متبادلة تتراكم بمرور الوقت. وعندئذ يتحول مركز الثقل داخل المؤسسة من ملاحقة الصفقات والاحتفاء بالمعاملات إلى بناء الثقة وصياغة شراكات طويلة الأمد ودفع النمو المؤسسي المستدام.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2025.

المحتوى محمي