استثمرت الحكومات في جميع أنحاء العالم العربي بكثافة في إصلاح القطاع العام. فبدءاً من أنظمة إدارة الأداء وأطر التميز في الخدمات وصولاً إلى التحول الرقمي ومبادرات الحكومة الذكية، أصبح الإصلاح سمة مميزة للحوكمة الحديثة. مثال آخر على ذلك هو إصلاح الإدارة العامة الجديد، الذي يسعى إلى إدخال الكفاءة ومقاييس الأداء ونماذج الخدمات الموجهة للعملاء المتبعة في القطاع الخاص إلى المؤسسات الحكومية. وفي بلدان مثل الإمارات العربية المتحدة، ترتبط هذه الجهود ارتباطاً وثيقاً بالرؤى الوطنية التي تضع الابتكار والتنافسية والاستعداد للمستقبل في صلب عملية خلق القيمة العامة.
ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا التقدم، يطرح العديد من كبار القادة في مجالسهم الخاصة سؤالاً صعباً: إذا كانت أنظمتنا أكثر كفاءة وعملياتنا أكثر تطوراً، فلماذا لا يزال مستوى الابتكار متفاوتاً بين مؤسسات القطاع العام؟ بعض المؤسسات تبدو ديناميكية ومبدعة وقادرة على التكيف، في حين تبقى مؤسسات أخرى في حدود الامتثال والتنفيذ الروتيني، على الرغم من أنها تعمل بموجب تفويضات إصلاحية مماثلة.
لا تكمن الإجابة في تصميم أطر الإصلاح في حد ذاتها، بل فيما يحدث داخل المؤسسات بعد تنفيذها، فالتغيير الهيكلي يسمح بالابتكار لكنه لا يولده تلقائياً؛ فالابتكار يعتمد على الأفراد، والأفراد لا يبتكرون إلا عندما تحفزهم البيئة التنظيمية على ذلك.
حدود الإصلاح الهيكلي
ركز إصلاح القطاع العام في المنطقة إلى حد كبير على تحسين الكفاءة والمساءلة وجودة الخدمات. هذه الأهداف ضرورية، وقد أدى وضوح العمليات ومؤشرات الأداء والأنظمة الرقمية إلى تحسين أسلوب الحكومات في العمل وتقديم الخدمات بشكل كبير.
ولكن لا يمكن للإصلاح الهيكلي وحده أن يخلق الإبداع. في الواقع، عندما تنفذ الإصلاحات بطريقة صارمة للغاية أو تركز على الامتثال، فمن الممكن أن تخنق الابتكار عن غير قصد. فقد يركز الموظفون على تحقيق الأهداف بدلاً من استكشاف أفكار جديدة. وقد يعطي المدراء الأولوية لتجنب المخاطر على حساب التجريب. وبمرور الوقت، تصبح المؤسسات فعّالة ولكنها تفتقر إلى الإبداع.
هذا ما يفسر احتمال أن يؤدي إطار الإصلاح نفسه إلى نتائج شديدة التباين من مؤسسة إلى أخرى، فالاختلاف لا يكمن في إجراءات الإصلاح بل في السياق التنظيمي الذي تتخذ فيه.
ما الذي يحفز الابتكار في المؤسسات العامة؟
لا ينبثق الابتكار في القطاع العام من السياسات أو الأنظمة وحدها، إذ يجب أن يتمتع الموظفون بالحافز والدعم والثقة للتفكير بطريقة مغايرة، ففي المؤسسات التي تقدر أفكار الموظفين الجديدة وتشجعهم على التجريب وتكافئهم على التعلم، تصبح أطر الإصلاح عوامل تمكين قوية للابتكار.
وعلى النقيض من ذلك، عندما ينظر الموظفون إلى الإصلاحات على أنها تفويضات من القمة إلى القاعدة تركز فقط على الامتثال والقياس، يتراجع الإبداع. حتى أن الموظفين ذوي المهارات العالية يضعف التزامهم بالعمل، ويصبح الابتكار رمزياً وليس حقيقياً. هناك ثلاثة شروط داخلية تميز المؤسسات العامة المبتكرة عن المؤسسات العامة الراكدة:
- الاستقلالية الملموسة: يحتاج الموظفون إلى حرية التصرف لاستكشاف الحلول بدلاً من مجرد اتباع الإجراءات. وعندما تكون الاستقلالية مقيدة، يختفي الإبداع.
- القيادة الداعمة: يؤدي القادة دوراً حاسماً في تحديد ما يمثل قيمة فعلاً. عندما يكافئ المدراء المبادرة ويحمون الفرق من اللوم عندما تفشل الأفكار، يزدهر الابتكار.
- الحافز المؤسسي للابتكار: هو ما يجعل الابتكار جزءاً لا يتجزأ من الأولويات اليومية وصنع القرار ومحادثات الأداء، أو مجرد حبر على ورق.
عندما تتوفر هذه الشروط، تترجم جهود الإصلاح إلى ابتكار ملموس، وعندما تغيب، يظل الإصلاح سطحياً.
التحفيز أهم من القدرات
الافتراض الشائع في إصلاح القطاع العام هو أن الابتكار يفشل لأن الموظفين يفتقرون إلى المهارات. ولكن في الواقع، العديد من المؤسسات العامة مزودة بموظفين على درجة عالية من الكفاءة، فالعائق الحقيقي ليس القدرة، بل الحافز.
لن يخاطر الموظفون ما لم يتمتعوا بالأمان النفسي اللازم، بغض النظر عن كفاءتهم. فالفرق التي تخشى العواقب السلبية للفشل ستختار الخيارات الآمنة لاالإبداعية. يتطلب الابتكار الطاقة والثقة والالتزام، وهي موارد تتطلب تعزيز الحافز لا المهارات التقنية.
ولهذا السبب يجب أن تقابل الاستثمارات في الأنظمة والهياكل استثمارات في الثقافة، فدون حافز داخلي للابتكار، ستكون فائدة أدوات الإصلاح محدودة مهما كانت متطورة.
الدور الحاسم لمدراء الإدارة الوسطى
تتجاهل المؤسسات الدور الكبير لمدراء الإدارة الوسطى في تحفيز الابتكار في القطاع العام، فهم يحولون السياسات إلى ممارسات ويشكلون بيئات العمل اليومية. ومع ذلك، فإنهم غالباً ما يكونون مثقلين بالمسؤوليات الإدارية والتوقعات المتضاربة.
عندما يجري تقييم هؤلاء المدراء على أساس الكفاءة والامتثال فقط، فإنهم سيعطون الأولوية للرقابة. أما إذا تلقوا الدعم والتمكين اللازمين لقيادة الابتكار، فسيحفزون التغيير.
تستثمر المؤسسات العامة الناجحة في المنطقة بشكل مدروس في تطوير مدراء الإدارة الوسطى ليصبحوا قادة للابتكار. فعلى سبيل المثال، تديركلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية بالتعاون مع الإدارة العامة للهوية وشؤون الأجانب مبادرة "ندجثون إقامة دبي" كمختبر ابتكار حي يجمع بين تطوير القدرات والتجارب الواقعية، ما يمكن موظفي القطاع العام من تطبيق المهارات التحليلية والسلوكية المتقدمة على التحديات الحكومية العملية، إذ يتلقون المهارات ويمنحون الصلاحية والثقة لتشجيع روح التجريب وإدارة المخاطر ودعم الفرق الإبداعية.
ودون الطبقة القيادية هذه، نادراً ما تصل استراتيجيات الابتكار إلى المستوى التشغيلي.
مواءمة الحوافز مع الابتكار
يكافئ العديد من أنظمة الأداء في القطاع العام الإنتاج والسرعة والامتثال، وقليل منها يكافئ الإبداع أو التعاون أو التعلم. ونتيجة لذلك، سرعان ما يتعلم الموظفون أن الابتكار اختياري، بينما الكفاءة إلزامية.
يجب على القادة الذين يريدون الابتكار مواءمة الحوافز المناسبة. وهذا لا يعني التخلي عن المساءلة، بل يعني توسيع نطاق تعريف الأداء.
تعترف المؤسسات التي تركز على الابتكار بالمساهمات مثل توليد الأفكار والتعاون بين الأقسام ومبادرات التطوير، فهي تحتفي بالتعلم وليس فقط بالنجاح، وتوضح أن التجارب المدروسة تحظى بالتقدير حتى عندما تكون النتائج غير مؤكدة.
عندما تتوافق الحوافز مع الابتكار، يتغير السلوك بسرعة.
تصميم اللوائح التنظيمية التي تسمح بإجراء التجارب
غالباً ما تعتبر اللوائح التنظيمية عائقاً أمام الابتكار في القطاع العام، ومع ذلك، يمكن أن تكون عامل تمكين قوياً إذا صممت بعناية.
فالحكومات اليوم تعمل في بيئات معقدة وسريعة التغير تتطلب قدرة على التكيف وطرقاً جديدة لمواجهة التحديات المتطورة. واستجابةً لذلك، يزداد تركيز حكومات المنطقة التي تتطلع إلى المستقبل، مثل حكومة دولة الإمارات العربية، على تبني آليات حوكمة مرنة مثل البرامج التجريبية والحواضن التنظيمية ومختبرات الابتكار. تسمح هذه الأساليب للمؤسسات باختبار الأفكار ضمن بيئات منضبطة، ما يقلل الخوف من الفشل مع الحفاظ على المساءلة.
والهدف ليس إزالة القواعد، بل تطبيقها بذكاء. عندما تدعم اللوائح التنظيمية التعلم والتكيف، يصبح الابتكار ممكناً دون المساس بثقة الجمهور.
دروس للقادة في المنطقة العربية
يواجه قادة القطاع العام في جميع أنحاء المنطقة العربية ضغوطاً متشابهة: التغير المجتمعي السريع، وارتفاع توقعات المواطنين والقيود المالية والرؤى الوطنية الطموحة؛ لذلك فالإصلاح ضروري لكنه ليس كافياً.
تقدم تجربة الحكومات التي يقودها الإصلاح عدة دروس واضحة:
- يعتمد الابتكار على الدافع المؤسسي وليس على الهيكلية فقط.
- الثقافة تعزز دور الإصلاح أو تقوضه.
- سلوك القادة أهم من بياناتهم الرسمية.
- مدراء الإدارة الوسطى هم عناصر تمكين أساسية للابتكار.
- الحوافز هي التي تحدد سلوك الأفراد على أرض الواقع.
- يمكن أن تدعم اللوائح التنظيمية الابتكار إذا كانت مصممة لتحقيق المرونة.
تكتسب هذه الدروس أهمية خاصة في السياقات التي تؤدي فيها المؤسسات العامة دوراً محورياً في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
السؤال الأهم الذي يجب أن يطرحه القادة على أنفسهم
بسبب إصلاح القطاع العام، صارت الحكومات في جميع أنحاء المنطقة أكثر كفاءة من حيث الأداء وأشد التزاماً بالمساءلة وحققت تحولاً رقمياً واسعاً، ويتمثل التحدي التالي في تعزيز قدرتها على الابتكار.
يتطلب هذا من القادة طرح سؤال مختلف، فهو ليس: كيف نعيد تصميم النظام؟ بل ما الذي يحفز موظفينا على الابتكار فيه ؟
عندما يركز القادة على التحفيز والثقة والدعم، يصبح الإصلاح تحويلياً وليس رمزياً. ويتحول الابتكار من هدف استراتيجي مكتوب إلى ممارسة يومية.
في النهاية، لن يتحدد مستقبل الابتكار في القطاع العام العربي بالأطر والهياكل التنظيمية فقط، بل بمدى نجاح المؤسسات في خلق بيئة تشجع الأفراد وتمكنهم من التفكير الإبداعي لخدمة المجتمع.