متلازمة البطة العائمة: الوجه الخفي للضغط النفسي في أماكن العمل

5 دقيقة
متلازمة البطة العائمة
shutterstock.com/VIS Fine Art

سارة، 28 عاماً، مديرة تسويق في شركة تقنية كبيرة، تصل إلى المكتب كل صباح بابتسامة واثقة، وتقدم عروضاً متقنة للإدارة التنفيذية، وتحافظ على تواجد نشط على لينكد إن للاحتفاء بإنجازات الفريق. ينظر إليها زملاؤها على أنها نموذج للنجاح المهني؛ شخص ينتقل بسلاسة عبر الحملات المعقدة ويوازن بين المشاريع المختلفة ببراعة. ومع ذلك، يكمن تحت هذا المظهر الهادئ واقع مختلف جذرياً.

أصبحت أيام عمل سارة، التي تستمر أربعة عشر ساعة، وضع طبيعي، وتمتد غالباً إلى عطلات نهاية الأسبوع بينما تحاول جاهدة الحفاظ على صورتها المتمثلة في الكفاءة. تخفي صراعاتها مع القلق وضغط الأداء المتزايد، خوفاً من أن يفسر أي انكشاف للضعف باعتباره علامة ضعف في بيئة عمل تنافسية. مثل العديد من المحترفين المحاصرين في هذا المأزق، تجسد سارة ما يسميه الباحثون "متلازمة البطة العائمة"، وهي ظاهرة يظهر فيها الأفراد هادئين ومتحكمين على السطح بينما يكافحون بشراسة تحت الماء.

يمتد تأثير هذه المشكلة إلى ما هو أبعد من الحالات الفردية. تشير أبحاث حديثة إلى أن 82% من العاملين في المهن المعرفية يعانون من مستويات من الإرهاق المهني، مع أعلى معدلات بين الأجيال الشابة التي تشعر بأنها مضطرة لعرض صورة النجاح السلس. أصبحت هذه الظاهرة وباءً عالمياً في أماكن العمل، تتسبب في خسائر تقدر بـ 190 مليار دولار سنوياً في النفقات الصحية للشركات الأميركية وحدها.

في الدول العربية، حيث تزداد الضغوط في بعض المجالات المهنية (مثل القطاع العام، الشركات الكبيرة، أو الوظائف المزدحمة)، تعكس الدراسات ارتفاعاً ملحوظاً في مستويات القلق والإجهاد في بيئة العمل. حيث أشار تقرير لشركة ماكنزي إلى أن ثلثي المشاركين في دول الخليج أبلغوا عن أعراض ضعف الصحة النفسية أو شخصوا بها. علاوة على ذلك، أفاد واحد من كل ثلاثة مشاركين بمعاناته من الإرهاق النفسي.

في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يظهر كل شخص أنه يعيش حياة مثالية، يبدو تحقيق النجاح سهلاً، حيث نرى أفراداً قادرين على التوفيق بسهولة بين أنشطة متعددة، مع الحفاظ على الاسترخاء والرضا. لكن الواقع مختلف تماماً، فالحياة مزيج من العمل والفشل وعدم اليقين والتوتر. يسمى هذا التناقض بين المظهر والواقع بـ "متلازمة البطة العائمة"، فما هو أصل هذه المتلازمة؟ ولماذا يميل الناس إلى إخفاء جهودهم؟ وما هي العواقب؟ وكيف يمكننا حماية أنفسنا من هذه المتلازمة؟

الرغبة الشديدة في التميز: أساس متلازمة البطة العائمة

تعبر "متلازمة البطة العائمة" عن الظاهرة النفسية التي يحافظ فيها الأفراد على مظهر خارجي من الهدوء والكفاءة بينما يواجهون صراعاً داخلياً شديداً مع الضغط والإجهاد. نشأت التسمية من التشبيه البليغ للبطة التي تنساب بسلاسة على سطح الماء بينما تجدف بأرجلها بجهد تحت الماء، مجسدة بذلك تجربة المحترف المعاصر.

تظهر المتلازمة عندما يشعر الأفراد بالحاجة إلى التفاخر بنجاحاتهم مع إخفاء الجهد والمحاولات والفشل التي ساهمت فيه، واستخدمت أول مرة في جامعة ستانفورد لوصف طلاب متميزين، ثم انتقلت لاحقاً إلى بيئات الشركات العالمية. في جامعة بنسلفانيا، تُعرف الظاهرة باسم "وجه بن" لإبراز انتشارها بين المؤسسات الأكاديمية الراقية.

يكشف بحث منشور في مجلة العلوم الإنسانية التطورية أن التقليل المتعمد من الإشارة إلى الجهد المبذول يخلق ديناميكية تعلم اجتماعي متحيزة، حيث يستهين الآخرون بصعوبة المهام ويبالغون في تقدير قدراتهم، وأن زيادة الجهد تؤدي إلى عدد أكبر من النجاحات المطلقة، لكن معدل النجاح لكل وحدة جهد ينخفض بسبب تعدد المهام المتزامنة.

كما يبرز تحليل هارفارد بزنس ريفيو للكمالية في بيئات العمل كيف أن السعي لتحقيق أداء مثالي قد يؤدي إلى نتائج عكسية. ويدعم فكرة أن متلازمة البطة العائمة غالباً ما تنبع من ميول الكمال التي تعطي الأولوية للمظهر على ممارسات الأداء المستدامة.

مأزق نفسي يسبب التعاسة

في مواجهة هذا الضغط المزدوج  المتمثل في السعي إلى التميز من جهة وإخفاء الجهود المبذولة والصعوبات من الجهة الأخرى، ينشأ لدى الكثير من الأفراد ما يسميه الباحثان نيكول أوبير وفينسنت دو غولوجاك "الذات المثالية"، حيث يبتكر الفرد نسخة أخرى من نفسه الهدف منها تلبية توقعات المؤسسة، ولكن من الصعب الحفاظ على هذا الجهد البدني والنفسي المكثف على المدى الطويل، فإذا تضاءل تقدير جهود الفرد أو تضاءلت الطاقة اللازمة لبذل الجهد، فقد يحدث انفصال بين طموحاته وواقعه، ما يؤدي إلى إصابته بالتوتر المزمن والإرهاق وحتى الاحتراق الوظيفي.

لا تؤثر متلازمة البطة على الذين يعانونها فحسب؛ بل لها أثر جماعي أيضاً. قد يقع من يراقبون الآخرين في فخ معرفي نطلق عليه "وهم الحياة الجميلة"، فمن خلال الاعتقاد بأن الآخرين ينجحون دون عناء، قد يقلل بعض الموظفين من شأن العمل المطلوب لتحقيق الأهداف ذاتها، ثم قد يصابون بالإحباط عندما يواجهون صعوبات أولية أو لا يبذلون جهداً كافياً، وفي النهاية يفشلون. وتظهر دراسة حديثة أيضًا أن متلازمة البطة تخلق تحيزاً في الرؤية يؤدي إلى اختلال التوازن بين الجهد والمكافأة؛ قد يرى الشخص أنه عمل بجد ويعاني إحباطاً شديداً إذا لم تكن النتائج على مستوى توقعاته، بينما في الواقع يكون قد قلل من شأن الجهد المطلوب لأداء العمل بسبب عدم توفر المعلومات اللازمة.

ولكن كيف يظن الأفراد أن البعض يحقق النجاح بسهولة خاصة في بيئات العمل الصعبة؟ نرى أن هذه الظاهرة اكتسبت مصداقية بسبب فكرة "أسطورة الموهبة" وهي أنه إذا كان البعض يحققون النجاح دون عناء، فذلك لأنهم يمتلكون استعدادات فطرية استثنائية.

أسطورة الموهبة: اعتقاد خاطئ يبرر متلازمة البطة

ثمة اعتقاد متجذر في الفكر الجمعي وهو أن الناس يولدون بمواهب فطرية متفاوتة، لكن الأبحاث الحديثة في علم الاجتماع تثبت أن هذا الاعتقاد خاطئ، إذ ثمة عوامل أساسية تؤثر في النجاح وهي الأحداث الطارئة والبيئة والظروف الأولية والمزايا التراكمية. فالنجاح الذي ينظر إليه في كثير من الأحيان على أنه استعداد فطري هو في الواقع نتيجة للتعلم التدريجي، والذي يتأثر بالأسرة والمدرسة والبيئة الاجتماعية

تولد متلازمة البطة العائمة شعوراً بالنقص لدى الفرد لأنه يظن أنه الوحيد الذي يجب أن يعمل بجد، وقد يرى نفسه أقل ذكاء أو كفاءة من الآخرين، ما قد يصيبه بالتوتر والإحباط لأنه يرى أنه غير قادر على اكتساب بعض المهارات،  وأنه المسؤول الأول عن نجاحه أو فشله بعيداً عن أي تأثيرات خارجية.

خطوات عملية للتخلص من متلازمة البطة

تتطلب معالجة متلازمة البطة العائمة من المؤسسات العمل على 3 محاور:

  • تعزيز الشفافية: يجب على القادة أن يكونوا قدوة للآخرين من خلال التحدث عن المسارات الصعبة التي مروا فيها خلال سعيهم إلى النجاح، وجهودهم وإخفاقاتهم ولحظات الشك؛ بدلاً من إدامة السرديات المختصرة عن الأفراد الناجحين التي لا تتطرق إلى ما واجهوه من صعوبات. وعلى نطاق أوسع، تسمح المبادرات مثل "سجل الاخفاقات الذاتي" بكشف الأخطاء والمحاولات غير الناجحة التي واجهها الكثيرون، ومن ثم تقديم صورة صادقة ومطمئنة لمن يشكك في مؤهلاته وقدراته، وكذلك إعادة هيكلة نظم تقييم الأداء لتركز على تقدير الجهد وعمليات التعلم، وليس النتائج فقط، عبر مقاييس تلتقط صعوبة المهام والابتكار والتعاون.
  • تعزيز ثقافة التعاون: لا يعتمد الأداء على المهارات الفردية فقط. إن ثقافة الشركات التي يشعر فيها الجميع بضرورة إخفاء ما يواجهونه من صعوبات أو جعل الأمور تبدو سهلة هي ثقافة سامة، ومن الضروري تعزيز التعاون من خلال توجيه الملاحظات، أو جلسات التطوير المشترك، أو حتى الإرشاد والتوجيه للقادمين الجدد في أثناء تغيير الوظائف أو العمل على المشاريع الطموحة.
  • جعل طلب المساعدة أمراً طبيعياً: ينبغي ألا ينظر إلى طلب الدعم على أنه اعتراف بالضعف، بل باعتباره مهارة أساسية ودليلاً على النضج المهني. إن تنفيذ التدابير الملموسة، مثل نظام الدعم بين الأقران وتوفير الدعم النفسي السري والمجاني، يساعد على خلق بيئة يشعر فيها الجميع بالقدرة على التعبير عن شكوكهم وطلب الدعم.

وعلى مستوى الأفراد يجب:

  • الاعتراف بصعوبة المهام ومشاركة الدروس المستفادة من الإخفاقات والموارد المطلوبة، لكسر دائرة التوقعات غير الواقعية.
  • وضع أهداف محددة وقابلة للقياس ويمكن تحقيقها وذات صلة ومقيدة بوقت، لتجنب التشتت وتوزيع الجهد على التزامات عديدة.
  • وضع حدود مهنية واضحة من خلال رفض الطلبات التي لا تتوافق مع القيم المهنية أو التي تتطلب التضحية بوقت شخصي أساسي.
    تطبيق تمارين اليقظة اليومية لمراقبة مستويات التوتر والاعتراف المبكر بإشارات المتلازمة وطلب الدعم المناسب.

وهكذا، تشوه متلازمة البطة العائمة تصورنا للنجاح من خلال إخفاء الجهود والإخفاقات والفرص التي تميز كل رحلة، إذ يعتمد الأداء على المثابرة والتعلم والبيئة المناسبة للنمو.  وتتطلب معالجتها تشجيع الشفافية، وخلق مساحات حيث يصبح التعبير عن الصعوبات أمراً طبيعياً، وتقدير المساعدة المتبادلة، لخلق بيئات عمل صحية ومستدامة ينعم فيها الجميع بالنجاح الحقيقي.

يقول المثل: "يد واحدة لا تصفق"، لذا، فلنتوقف عن إخفاء شكوكنا وجهودنا، لأنه بالصدق والتضامن تولد أعظم النجاحات.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2025.

المحتوى محمي