في بيئة العمل المعاصرة يواجه القادة تحدياً مركباً: كيف يمكنهم الحفاظ على شعبيتهم لدى فرقهم، دون الإفراط في الحزم أو تجنب اتخاذ قرارات صعبة؟ هذا سؤال بالغ الأهمية، لأن القائد الذي يسعى فقط لأن يكون محبوباً قد يضحي بفعالية القيادة. في المقابل، فإن القائد الذي يتخذ قرارات قاسية دون تواصل إنساني يخسر ولاء فريقه على المدى الطويل. يلخص المؤسس الشريك لشركة خوارزمي القابضة، الدكتور إبراهيم المعجل، هذا الأمر بقوله: "سهل جداً أن تكون ممكناً ومحبوباً، لكن المسؤولية الأساسية للقائد هي أن القرار الأخير بيدك، وببساطة إذا أخذت قراراً خاطئاً، فأنت فشلت في مهمتك".
الحزم لا يعني القسوة
الخطوة الأولى لفهم هذا التوازن تكمن في إدراك أن الحزم لا يتعارض مع التعاطف. تؤكد أستاذة القيادة في جامعة هيوستن، برينيه براون، ضرورة أن "تكون واضحاً، فذلك أعظم أنواع اللطف"، فالوضوح بشأن التوقعات والقرارات، حتى إن بدت صارمة، يظهر احتراماً للفريق، بينما تجنب المواجهة بدافع اللطف الزائف قد يؤدي إلى الفوضى وسوء الفهم والإحباط الجماعي.
القادة المحبوبون يتخذون قرارات صعبة، لكن بذكاء
القيادة الفعالة لا تعني تجنب المواجهات أو القرارات غير الشعبية، بل تعني خوضها بأسلوب يحافظ على احترام الفريق وثقته. فالقائد الناجح لا يتهرب من الحسم، لكنه لا يغفل أثر كلماته وقراراته على من حوله. في دراسة معمقة شملت أكثر من 50 ألف قائد، أجراها مجموعة من الخبراء، تبين أن القادة الأعلى تقييماً ليسوا أولئك الذين تجنبوا القرارات الصعبة، بل أولئك الذين اتسموا بمزيج من الصلابة والتعاطف، وأظهرت الدراسة أن:
- %57 من الموظفين فضلوا قائداً "عادلاً وحاسماً" على قائد "متساهل وودود".
- ولكن في الوقت نفسه، القادة الذين وصفوا بأنهم "قساة" فشلوا في بناء فرق مستدامة، فقد انخفضت معدلات الاحتفاظ بالمواهب لديهم بنسبة 20%.
3 ركائز للتوازن بين اللطف والحزم
- الوضوح قبل التعاطف: لا يمكن للفرق احترام القرارات التي لا تفهمها. القائد الجيد يشرح خلفية قراراته ويضعها في سياق أهداف الفريق أو المؤسسة.
على سبيل المثال، إذا تطلب الوضع تقليص الميزانية أو إلغاء مشروع، فبدلاً من الاكتفاء بالإعلان، يمكن للقائد أن يشارك المعايير المستخدمة في اتخاذ القرار والأثر المحتمل على المدى البعيد. - المصداقية على المدى الطويل أهم من الإعجاب اللحظي: تقول الرئيسة التنفيذية السابقة لفيسبوك، شيريل ساندبرغ: "بصفتك قائداً ليس دورك أن تكون محبوباً دائماً، بل أن تكون محترماً ومؤتمناً". قد 'يبغضك' بعض الموظفين بعد قرار 'غير محبوب' فور صدوره وعلى المدى القصير، لكن إذا شعروا بأنك عادل ومتسق في قراراتك، فستكسب احترامهم وثقتهم على المدى الطويل".
- الاستماع دون تراجع عن المبادئ: القادة الأقوياء يصغون، لكنهم لا يتخلون عن المبادئ الجوهرية من أجل إرضاء الجميع. أظهر استطلاع أجرته مؤسسة غالوب عام 2023 أن الموظفين الذين شعروا بأن آراءهم مسموعة كانوا أكثر التزاماً بأهداف مؤسساتهم بـ 4.6 مرات؛ ومع ذلك، لم يكن من الضروري تلبية مطالبهم بالكامل. المهم هو أنهم شعروا بأن صوتهم مسموع، حتى إن لم تتغير النتيجة.
ساتيا ناديلا مثال بارز على هذا التوازن. عندما تولى ساتيا ناديلا منصب الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت في 2014، واجه تحدياً جوهرياً في إعادة بناء ثقافة الشركة من بيئة تنافسية صارمة إلى بيئة ترتكز على عقلية النمو والتعاطف. أعاد هيكلة المؤسسات داخل الشركة، وحفز على التعاون المفتوح، وتحمل المخاطر لأنها تمثل جزءاً من التعلم والخطأ، وفي الوقت نفسه، اتخذ قرارات صعبة، منها إعادة هيكلة قطاعات واسعة، وخفض آلاف الوظائف في العديد من الجولات منذ 2023 حتى 2025، باعتبارها جزءاً من إعادة التوازن الاستراتيجي نحو تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحسين الأداء، وعلى الرغم من هذه القرارات، ارتفعت نسب رضا الموظفين، وزاد سعر السهم والإنتاجية، وفقاً لتقرير بزنس إنسايدر.
خطوات عملية لتوازن بين أن تكون حازماً ومحبوباً
تحقيق التوازن بين أن تكون محبوباً وقائداً حازماً ليس سحراً، بل هو مهارة يمكن تطويرها عبر ممارسات قيادية واعية. فيما يلي 5 خطوات عملية تساعدك على تحقيق هذا التوازن بذكاء:
- اصغ جيداً لكن لا تساوم على المبادئ
الاستماع هو حجر الأساس للقيادة الفعالة، لكنه لا يعني الموافقة على كل شيء. القادة الناجحون يصغون بصدق لفهم الاحتياجات والمخاوف، ولكن دون أن يفرطوا بالقيم الأساسية أو الأهداف الاستراتيجية.
بحسب تقرير صادر عن مؤسسة ماكنزي، أفاد 89% من الموظفين في الشركات التي توفر مساحة مفتوحة لطرح الأفكار بأنهم يشعرون بولاء أكبر تجاه شركتهم، حتى في حال عدم تلبية طلباتهم. القائد الحقيقي يستمع، يقدر الرأي، ثم يتخذ قراراً مسؤولاً ينسجم مع رؤيته ومبادئه. - كن واضحاً حتى في المواقف الصعبة
يفتح الغموض الباب للتأويلات والمخاوف، في المقابل يضفي الوضوح الطمأنينة حتى في أصعب الأوقات. بحسب دراسة منشورة في هارفارد بزنس ريفيو، فإن الموظفين الذين فهموا بوضوح أهداف قرارات الإدارة، حتى تلك الصعبة مثل تقليص الرواتب أو تغيير الهياكل، كانوا أكثر احتمالاً بـ 3 مرات للاستمرار في العمل والمساهمة الفعالة مقارنة بمن تركوا في الظل دون فهم كامل. - ضع القواعد، وطبقها بعدالة
العدالة التنظيمية لا تعني المعاملة المتطابقة، بل المعاملة المنصفة. يجب أن يشعر الموظفون بأن القواعد تطبق على الجميع، وأن القرارات لا تستند إلى المحاباة أو الانطباعات الشخصية.
بينت دراسة من جامعة كورنيل عام 2021 أن الفرق التي تعمل ضمن أطر عدالة واضحة سجلت مستويات أعلى بنسبة 27% في الأداء الجماعي والثقة المتبادلة. تمنحك العدالة رصيداً معنوياً هائلاً يجعل تقبل قراراتك سهلاً حتى إن لم تكن مريحة. - استخدم "التعاطف الحازم" لا "الطيبة المترددة"
القادة الذين يظهرون التعاطف دون أن يتخلوا عن توقعاتهم هم الأقدر على بناء فرق منتجة ومستقرة. التعاطف الحازم يعني أن تراعي ظروف الفريق، ولكن دون التهاون في الأهداف والمعايير.
في تقرير من مؤسسة ديلويت، أكد 74% من الموظفين أنهم يفضلون قائداً "يفهمهم ويحملهم المسؤولية" على قائد "لطيف لكنه ضعيف في المتابعة". هذا التوازن بين القلب والعقل يصنع قائداً موثوقاً ومحفزاً في آن واحد. - لا تنتظر أن يحبك الجميع، بل أن يثقوا بك
المحبة في القيادة جميلة، لكنها لا تصمد طويلاً إذا لم تدعمها الثقة. القائد الناجح يدرك أن اختياراته لن ترضي الجميع دائماً، لكنه يسعى لأن تكون أفعاله مفهومة ومحترمة.
ليس عليك أن تختار بين أن تكون محبوباً أو أن تكون حازماً. القادة العظماء لا يرضون بهذه الثنائية، بل يبنون نموذجاً متكاملاً يجمع بين الإنسانية والحسم. وكما قال المفكر العربي مالك بن نبي:
"إن أقصر الطرق إلى قلوب الناس هو العدل"، فليس مطلوباً من القائد إرضاء الجميع، بل أن يكون منصفاً معهم. فحين يشعر الناس بأن قراراتك عادلة، وليست مزاجية أو أنانية، سيقفون خلفك حتى إن لم تعجبهم كل تفاصيل قراراتك.