تابعنا على لينكد إن

يُعد أحد أكثر الأسئلة شيوعاً من التي يطرحها عليّ كبار المدراء: “كيف نجد  أشخاصاً أكثر ابتكاراً؟”. أنني أعرف نوع الأشخاص الذي يفكرون فيه، والذي يتمثل في فرد نشيط وديناميكي ومليء بالأفكار، يستطيع تقديمها بقوة. يبدو أنّ الجميع هذه الأيام يبحثون عن النسخة القادمة لستيف جوبز.

ما وجدته أثناء بحثي لإعداد كتابي “رسم خرائط الابتكار” (Mapping Innovation)، أنّ أعظم المبتكرين كانوا أبعد الناس عن الصورة النمطية للإنسان النشيط. بل كان جميعهم تقريباً طيبين وكرماء ومهتمين حقاً بما أفعله. والكثير منهم كانوا متواضعين ومتحدثين لطفاء. لكنك لن تجد الكثير منهم في حشد كبير من الناس.

وهكذا، فإنّ الإجابة الأبسط على السؤال هي أنه عليك أن تبدأ بتمكين الأشخاص الموجودين حالياً في مؤسستك. ولكي تنجح في القيام بذلك، يتوجب عليك أن تتولى مسؤولية إنشاء بيئة يستطيع موظفوك الازدهار فيها. وهذه ليس مهمة سهلة، فمعظم المدراء يواجهون صعوبات في القيام بهذه المهمة. إلا أنني سأستعرض في ما يلي بضعة مبادئ بسيطة تمكّنك من تحقيق النتائج الكبيرة.

وظّف بغية تحقيق رسالة

في شركتي السابقة، كان هنالك مديرة قسم لم يكن أداؤها بالشكل الذي نريد. وهذا لا يعني أنّ أداءها كان سيئاً. بل كانت في الحقيقة محبوبة جداً من قبل موظفيها وزملائها في العمل والإدارة العليا للشركة. لكنها لم تمتلك الإبداع المطلوب لنقل الشركة للمستوى التالي، وهكذا قررنا إعفاءها من منصبها.

بعد ذلك، حدث شيء طريف! إذ أنها وبعد مغادرتها شركتنا، أصبحت مصممة ديكورات منزلية ناجحة. كان عملاؤها معجبين بالطريقة التي تحوّل بها المكان بلمسات إبداعية ذات طراز جمالي عالي. كما أنها وظفّت الكثير من القدرات التي جعلتها محبوبة للغاية كمديرة سابقاً، وذلك في عملها الجديد هذا. لقد كانت مستمعة جيدة، وإنسانة متعاونة للغاية ومديرة عملية تركز على النتائج.

إذاً، ما السبب الذي يجعل شخصاً ما قادراً على الإبداع في أحد السياقات، وخاملاً في سياق آخر؟ ببساطة لأنها كانت مهتمة أكثر بتصميم الديكور المنزلي أكثر من اهتمامها بأعمال شركتنا. ولطالما أكّد الباحثون منذ زمن طويل أنّ التحفيز الداخلي أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الأشخاص مبتكرين.

يعتقد الكثيرون خطأً أنّ الابتكار يتعلق بالأفكار. لكن الأمر ليس كذلك. بل إنه يتعلق بكيفية حل المشاكل. لذلك تتمثل الخطوة الأولى لبناء فريق مبتكر في توظيف الأشخاص المهتمين بالمشاكل التي تود حلها. فإذا توفر التزام حقيقي برسالة الشركة مشتركة، ستأتي الأفكار لا محالة.

تعزيز الأمان النفسي

شرعت شركة جوجل في العام 2012 في مشروع بحثي هائل. سميّ هذا المشروع بمشروع أرسطو، والذي يهدف إلى اكتشاف ما الذي يجعل الفرق الناجحة متفوقة. وقامت جوجل بمسح كل جانب من الجوانب التي يمكن تصورها لكيفية عمل أعضاء الفريق مع بعضه البعض (كيف يُدارون؟ كم مرة يلتقون خارج العمل؟ أنماط الشخصيات لكل عضو في الفريق؟)، ولم تترك جوجل شيئاً لم تبحثه في هذا الموضوع.

ومع أنّ شركة جوجل تتمتع بقدرة لا نظير لها في إيجاد الأنماط ضمن البيانات المعقدة، إلا أنّ أياً من المقاييس التقليدية لم يفلح في توقع الأداء الناجح. أما ما وجده بحث جوجل المذكور، فهو أنّ الأمر المهم في أداء الفريق كان الأمان النفسي، أو قدرة كل عضو من أعضاء الفريق على التعبير عن أفكاره دون الخوف من الانتقام أو التوبيخ.

وبطبيعة الحال، لا ينطبق هذا على شركة جوجل فحسب. فقد برهنت أستاذة جامعة هارفارد أيمي إدموندسن على أهمية الأمان النفسي في مجموعة كبيرة من بيئات العمل، من الفرق الطبية وحتى صانعي أثاث المكاتب. ووجدت أيمي إلى كون الأمان النفسي لا يرسخ جواً أفضل في بيئة العمل وحسب، بل ويزيد القدرة على التعلم ويقلص إمكانية الدخول في حلقات مفرغة والمضي في طرق ذات نهايات مسدودة.

في حين وجدت دراسات أخرى، أنجزها باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة كارنيجي ميلون أنّ الفرق التي يتحدث فيها الأشخاص بنفس القدر تتفوق من ناحية الأداء على تلك الفرق التي يهيمن على محادثاتها شخص أو اثنين فقط. لذلك، فإنّ وجود تلك النوعية النشطة من الشخصيات المنتجة للأفكار بكثافة وعلى الدوام بحيث لا تترك للآخرين مجالاً لقول كلمة، هي في الحقيقة قاتلة للابتكار لا منشئة له.

ومن المثير للاهتمام إيجاد بعض الفرق المبتكرة آمنة نفسياً في ما يتعلق ببعض الأفكار، لكنها ليست كذلك في ما يتعلق بأفكار أخرى. على سبيل المثال، قام عالمان من شركة بارك (PARC)، وهما دك شوب وألفي سميث بتطوير تقنية غرافيك ثورية تدعى “سوبر باينت” (SuperPaint) لكن لسوء الحظ لم تكن هذه التقنية تتفق ورؤية شركة بارك للحوسبة الشخصية، وهكذا نُبذ هذان العالمان، وفي نهاية المطاف غادرا الشركة.

بعد ذلك تعاون سميث مع رائد آخر في مجال الغرافيك، ويدعى إد كاتمول، من معهد نيويورك للتكنولوجيا. ثم انضموا لاحقاً إلى جورج لوكاس، الذي آمن بإمكانيات غرافيك الحاسوب في إنشاء نموذج جديد للتأثيرات الخاصة. وفي نهاية المطاف، نجحت الفكرة واشتراها ستيف جوبز. أما الشركة التي بنيت عليها هذه الفكرة، (شركة بيكسار)، فقد اشترتها ديزني في العام 2006 بمبلغ 7.4 مليار دولار.

خلق التنوع

يقوم الكثير من المدراء بتوظيف الأشخاص وفي ذهنهم نوع محدد من الموظفين، وعادة ما يوظفون أشخاصاً يتمتعون بمزايا تشبههم كثيراً. وقد يكون هذا رائعاً لخلق الألفة والأريحية في العمل، لكنه ليس الأفضل لخلق بيئة لحل المشاكل، حيث أثبتت العديد من الدراسات أنّ الفرق المتنوعة أذكى وأكثر إبداعاً وأكثر دقة في تفحص الحقائق من غيرها.

وتكمن المشكلة عندما تضيّق نطاق خلفيات وخبرات وتطلعات الأشخاص الذين وظفتهم في فريقك، في تقليصك لعدد الحلول التي يمكنهم استكشافها. وفي أحسن الأحوال، لن تحصل إلا على بضع أفكار، وفي أسوأ الأحوال، ستتحمل مخاطرة إنشاء غرفة صدى، حيث تطبّع الأفكار المتحيزة وتعزز بالأدلة والتبريرات.

في الحقيقة، عندما تنشئ فريقاً متجانساً، تضمن تقريباً أنّ أفضل الحلول لن تجدها عند فريقك بل في مكان آخر. لذلك وبدلاً من سعيك وراء الأريحية، عليك أن تُنشئ بيئة يتوقع فيها الأشخاص أن تتعارض وجهات نظرهم مع أشخاص آخرين ذوي مظهر وحديث وتفكير مختلف عنهم.

أما التحدي الذي يواجه المدراء، يتمثل في إنشاء بيئة متنوعة وآمنة نفسياً في ذات الوقت. وتشير الأدلة إلى أنّ التنوع غالباً ما يقلل من التماسك الذي يؤدي إلى عدم الارتياح. ويمكن لأي فريق أن يكون آمناً نفسياً عندما لا يعرّض للتحديات. لكن الفرق المبتكرة العظيمة تعلّمت العمل بشكل بناء من خلال هذه التحديات.

امنح العمل الجماعي قيمة أكبر

إنّ أكثر الأمور دهشة (وتشجيعاً كذلك) التي وجدتها أثناء بحثي لإعداد كتابي، هو مدى اللطافة والطيبة التي لمستها في الأشخاص الذين تحدثت معهم بصدد موضوع الكتاب. وكان الكثير من الأشخاص الذين تحدثت إليهم من فئة العلماء والمدراء التنفيذيين ورواد الأعمال المشهورين عالمياً، لذلك توقعت أن أجد الكثير منهم عصبيين ومغرورين، لكني وجدت العكس تماماً.

ووجدت، في معظم الحالات تقريباً، أنّ هؤلاء المبتكرين المتفوقين كانوا ودودين وكرماء وأظهروا اهتماماً ورغبة حقيقية لمساعدتي. أما سلوكهم فكان متسقاً للغاية لدرجة أنه لا يمكن أن يكون مجرد مصادفة. وهكذا قمت ببعض البحوث الإضافية ووجدت ما يلي، أنه عندما يتعلق الأمر بالابتكار، فالكرم ميزة تنافسية حقاً.

والحقيقة أنك لست بحاجة إلى أفضل الأشخاص، بل إلى أفضل الفرق. إنّ المشاكل التي نواجهها اليوم معقدة للغاية بحيث لا يمكن لعبقري يعمل منعزلاً أن يحلها بمفرده. وهذا هو السبب الذي يجعل أفضل المبتكرين يميلون إلى أن يكونوا وسطاء معارف، حيث يدخلون أنفسهم في شبكات تمكنهم من إيجاد حلول للمشاكل الصعبة.

لذلك آخر شيء تريده كمدير هو موظف يتمتع بشخصية “ابتكارية” نمطية تنتج مليون فكرة وتتصرف بلا مبالاة. أما ما ينبغي عليك السعي ورائه حقاً فهو أشخاص يمكنهم التعاون، والاستماع وبناء شبكات قوية. والخبر السعيد هو أنه  هؤلاء الأشخاص موجودون فعلياً في مؤسستك. لذلك لا تتخلى عنهم واستثمر فيهم.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!