تعلم وضع معايير واقعية لفريق العمل لديك

5 دقيقة
العوائق الخفية
خافيير زاياس للتصوير الفوتوغرافي/غيتي إميدجيز

يحمل كل شخص أفكاراً تساعده على اتخاذ القرارات والتفاعل مع الآخرين، وفي حين أن بعضها يمكن أن يكون مفيداً، فإن أخرى قد تعوق القائد، وهي الأفكار المعروفة باسم "العوائق الخفية"؛ ومنها إسقاط المعايير الذاتية على الآخرين، إذ يفترض القائد أن الموظفين أو أعضاء الفريق يمكنهم أدا…

يعمل كل قائد انطلاقاً من مجموعة من الافتراضات الضمنية التي تصوغ دون وعي قراراته وتفاعلاته. بعض هذه الأفكار الداخلية تساعدنا على النمو، لكن بعضها الآخر، وهو ما أسميه العوائق الخفية، يقوض أفضل نوايانا دون أن ندرك ذلك. عندما تكون في منصب قيادي، فإن الأفكار المقيدة لا تعوق النمو الفردي فحسب، بل يمتد أثرها فتطال أعضاء فريقك وتقيدهم أيضاً.

أحد أخطر هذه الأفكار بالنسبة لكبار القادة هو العائق الخفي المتمثل في إسقاط معاييرك على الآخرين، إذ تفترض أن المرؤوسين المباشرين أو أعضاء الفريق لديهم المعرفة والخبرة لتولي المهام كما تفعل أنت، وتتوقع منهم التزام المعايير العالية التي تضعها لنفسك. يبدو الأمر ظاهرياً تحفيزاً وتعبيراً عن الإيمان بقدرة الشخص، ولكن غالباً ما يصبح ذلك في الواقع مصدراً للإحباط وتعطيل إمكانات الفريق.

لننظر إلى واحدة من كبار المسؤولين التنفيذيين الذين دربتهم وسأطلق عليها اسم سميرة (غيرت الاسم وبعض التفاصيل لحماية هوية عميلتي). كانت سميرة رئيسة تنفيذية للإيرادات موهوبة في عملها ومرشحة لتصبح الرئيسة التنفيذية القادمة للمؤسسة. كانت تحظى بتقدير كبير لقدرتها على إيجاد التمويل وتوضيح رسالة شركتها وتوسيع نطاق أثرها، ومن ثم كان من البديهي اختيارها لهذا المنصب. لكن ملاحظات أصحاب المصلحة في المؤسسة كشفت عن قلق بالغ: كانت سميرة تضع معايير عالية جداً لنفسها وتتوقع مستوى الإنجاز نفسه من الآخرين، وكانت تبدي نفاد الصبر وتوجه الانتقاد عندما يقصر أي شخص، ما أوهن عزيمة أعضاء الفريق وأصابهم بالإحباط والاستياء.

كانت هذه الملاحظات مفاجئة لسميرة، التي اعتقدت أن توقعها من فريقها الذي لا يقل عن توقعها من نفسها سيشجعهم ويحفزهم على تقديم أفضل ما لديهم من أداء. لكن عندما تفكرت أكثر، أدركت أن المعايير التي وضعتها للآخرين لم تستند إلى أي مقياس موضوعي، بل إلى قدراتها الخاصة ومعاييرها العالية جداً التي كانت تضعها لنفسها. وعندما لم يكن أعضاء الفريق ينجزون المهام بذات الدرجة من السرعة والدقة، كان رد فعلها هو توجيه النقد القاسي بدلاً من الدعم والتوجيه. لم يعرقل هذا الأمر فريقها فحسب، بل كان يحد أيضاً من فرصها في النمو والترقية.

هل تتشابه قصة سميرة مع قصتك؟ قد تشير العلامات التالية إلى أن العائق الخفي المتمثل في إسقاط معاييرك على الآخرين يقوض فعاليتك حالياً:

  1. لديك معايير عالية وتصاب بالإحباط ونفاد الصبر عندما لا يلبيها الآخرون.
  2. قيل لك إن ملاحظاتك مفصلة جداً أو تتضمن نقداً أكثر من اللازم.
  3. تبحث عن أخطاء الآخرين وتشعر بأنك مسؤول عن الإشارة إلى أوجه القصور لديهم.
  4. تعتقد أن لديك أفضل الحلول والإجراءات، وتتوقع من الآخرين العمل بطريقتك نفسها.
  5. أنت تلزم الآخرين بمعايير عالية لأنك تريد مصلحتهم حقاً، وتعتقد أن هذه المعايير تحفزهم على إظهار أفضل إمكاناتهم .

إذا كانت أي من هذه العبارات تنطبق عليك، فلا تقلق، أنت تتصرف على الأرجح بحسن نية، فالقادة الذين لديهم هذا العائق يعتقدون أنهم يدعمون الآخرين ويريدون توجيههم وتحفيزهم بصدق، إذ يريدون لأعضاء الفريق النجاح، لذلك قد يكون من الطبيعي أن تفترض أن ما جعلك تتميز سيجعل الآخرين يتميزون أيضاً. لكن هذه الفكرة المتجذرة بعمق في الذات تتمحور حول معايير الفرد وقدراته ونهجه، وقد تمنع القائد من رؤية إمكانات الآخرين. يتمتع كل شخص بمزيج فريد من المهارات والخبرة وأساليب العمل والقدرات، وما يصلح لشخص ما لا يمكن ببساطة إسقاطه على شخص آخر.

غالباً ما ينبع نمط الإسقاط هذا من ظاهرة نفسية تسمى الواقعية الساذجة: وهي الميل إلى الاعتقاد بأن تصوراتنا تعكس وجهة نظر خام وغير متحيزة للعالم، وافتراض أن الآخرين يشاركوننا وجهة نظرنا. وتطلق شركة ذا ديسجن لاب للأبحاث التطبيقية والابتكار، تسمية مناسبة على الواقعية الساذجة وهي "تشوه إدراكي أناني"؛ وهو تشوه يقودنا إلى تجاهل وجهات النظر التي تتعارض مع وجهات نظرنا، ولهذا تأثير سلبي في مكان العمل، فالقادة الذين يتمسكون بوجهات نظرهم وأساليبهم الخاصة في العمل يرفضون وجهات النظر أو الأفكار أو الحلول الجديدة، وعندما يعرف أعضاء الفريق أن قائدهم سيقلل قيمة آرائهم أو يرفضها، ينعدم لديهم الحافز للمساهمة، ما قد يفقد المؤسسة وجهات النظر المتنوعة والأفكار الإبداعية والحلول المبتكرة.

ومن ناحية أخرى، يحفز القادة الفعالون فرقهم للعمل على هدف أو مهمة مشتركة، ويفهمون إمكانات كل شخص فيقدرون ظروفه ومهاراته وأساليب عمله الفريدة. إذا فشل الفريق على الرغم من الجهد الحقيقي الذي يبذله، فإن دور القائد لا يتمثل في التعبير عن خيبة الأمل أو الانتقاد، بل في مساعدة أفراده على اكتشاف مقدراتهم وتحديد الخطوات التالية التي يتعين عليهم اتخاذها. وقد أظهرت الأبحاث أن التحفيز الأكثر فعالية لا يأتي من النقد أو حتى الوعد بالمكافأة، بل من بيئات العمل الإيجابية؛ إذ يتمتع الأشخاص بالاستقلالية والدعم والتقدير وفرصة الانخراط في عمل هادف.

الإطار العام للتحرر من أي أفكار مقيدة واضح ومباشر: حدد الفكرة وافهم الغرض منها، واعتمد فكرة جديدة تمكنك من تحقيق النتيجة المرجوة. ونتيجة لذلك، يمكنك استقطاب وجهات نظر أفراد فريقك والتفاعل معهم بأساليب تحفزهم أكثر. بعد أن تعيد صياغة فكرتك، إليك الطرق التي تمكنك من معالجة السيناريوهات الشائعة وفقاً لخبرة كل فرد وعقليته واحتياجاته، وليس وفقاً لمنظورك الشخصي.

تحديد التوقعات

أعد النظر في افتراضاتك حول ما تعتبره سهلاً أو صعباً، راجع توقعاتك وفقاً لمستوى مهارة عضو الفريق، ثم عدل نهجك ليتلاءم مع مقدار التوجيه أو الدعم أو الاستقلالية التي يحتاج إليها. اطرح أسئلة مثل: ما هي النتيجة الممتازة بالنسبة إليك؟ أو كيف يمكنني مساعدتك لتشعر بأنك على أتم الاستعداد لتحقيق نتيجة مرضية؟

تيسير التطوير المهني

ركز على إمكانات أعضاء الفريق الحقيقية، لا  على الإمكانات التي تريدهم أن يتمتعوا بها، لا تفترض أنك تعرف الخطوة التالية في مساراتهم المهنية، واطرح أسئلة مثل: ما معنى النمو بالنسبة إليك في الوقت الحالي؟ وهل هناك مهارة أو مجال ترغب في التركيز عليه ولم تتح لك الفرصة لذلك بعد؟

التعامل مع النزاعات

عندما يقع نزاع بين أعضاء الفريق، لا تتسرع في حل المشكلة؛ بل استمع إلى وجهات نظرهم وقدم لهم الدعم الاختياري. اطرح أسئلة مثل: لقد لاحظت بعض التوتر مؤخراً، ما هي قراءتك لما يحدث؟ أو هل تريد مساعدتي في حل هذه المشكلة، أم تفضل أن أبقى بعيداً عن هذا الأمر؟

تفويض المسؤوليات

عندما يحين الوقت لنقل المسؤولية عن المشاريع أو المهام، وضح المطلوب تحقيقه لكن كن مرناً بشأن الأسلوب المتبع في ذلك، فقد لا يكون أسلوبك هو الوحيد أو الأفضل لإنجاز المشروع. اطرح أسئلة من قبيل: كيف ستتعامل مع تسليمات المشروع؟ وماذا ستفعل لتنفيذه بنجاح؟

التصرف عندما يخطئ أحد أعضاء الفريق خلال العمل على مشروع

بدلاً من أن توجه النقد وتقترح حلك على الفور، قدم الدعم، احترم مساهمة الشخص ووتيرته ونهجه وهدفه، واحصل منه على مزيد من المعلومات. اطرح أسئلة مثل: ما هو تقييمك لسبب خروج الأمور عن المسار الصحيح؟ وما هو نوع الدعم الذي سيساعدك أكثر؟

لم تكن رحلة سميرة سهلة، لكنها اتخذت مع مرور الوقت إجراءات لمنح أولوية لوجهات نظر فريقها من خلال التماس آرائهم بشأن القرارات والأهداف، ومن خلال إنشاء جلسات "منتدى مفتوح"؛ حيث شعر الجميع بالأمان اللازم للمساهمة بأفكار جديدة. كما بدأت أيضاً بمشاركة أخطائها، الأمر الذي أعاد بناء الثقة وساعدها على أن تصبح أكثر تقبلاً لتقصير الآخرين. وقد تولت سميرة في نهاية المطاف منصبها الأعلى في مؤسستها، إذ عرفت بتميزها في عقد الصفقات وقيادتها المتعاطفة.

يعتقد العديد من القادة الناجحين أن ما يجدي معهم سيجدي مع الجميع، فإذا اتبع الآخرون طريقهم سيكون النجاح مضموناً. ولكن في حين أن هذا النهج قد يكون محفزاً في بعض الأحيان، لا يمكن اعتباره قاعدة عامة. القائد الماهر هو الذي يعي أهمية فهم إمكانات الأفراد الحالية ولا يسقط عليهم الإمكانات التي امتلكها فيما مضى.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2025.

المحتوى محمي