في الحياة المهنية، يأتي وقت على كل منا تقريباً يتلاشى فيه الحافز والاهتمام، وتبدو المهام المعتادة مملة، ويصعب حشد الطاقة للمشاريع الجديدة. وعلى الرغم من أننا نتابع أداء مهامنا بصفتنا موظفين أو مدراء فعالين، فنحن لسنا حاضرين بكامل وعينا واهتمامنا وتركيزنا، بل بتنا أشبه بآلات أو أشياء تعمل من دون روح.
شخص الأستاذ في جامعة بوسطن، ويليام كان، هذه المشكلة أول مرة في التسعينيات، وهي ما زالت متفشية بعد 3 عقود. فوفقاً لأحدث استطلاع رأي أجرته مؤسسة غالوب، تبين أن 23% فقط من الموظفين حول العالم مندمجون في العمل (على الرغم من أن هذا رقم قياسي، فهو متدن على نحو محزن). 59% من الموظفين غير مندمجين في العمل؛ أي يبذلون الحد الأدنى من الجهد المطلوب ومنفصلون عن المؤسسة نفسياً، في حين أن 18% منهم غير مندمجين إلى حد كبير ويتصرفون عمداً ضد مصالح مؤسساتهم. وبالمثل، وجد استطلاع حديث لجمعية علم النفس الأميركية مواقف سلبية جداً بين الموظفين: فقد شعر 31% منهم بالإرهاق العاطفي، وشعر 26% منهم بانعدام الحافز لبذل قصارى جهدهم، وشعر 25% منهم بالرغبة في الانطواء على أنفسهم، وأفاد 19% منهم بأنهم يشعرون بالانفعال أو الغضب تجاه الزملاء والعملاء.
لقد شهد كل منا هذه الظاهرة، إما بصفته عميلاً يتعامل مع بائع القهوة أو مندوب المتجر الذي يتقاعس عن تقديم الخدمة، وإما موظفاً أو مديراً يتعامل مع عضو ضعيف الأداء ولا مبال في الفريق. ولكن ماذا يحدث عندما تشعر أنت نفسك بأنك فاقد للحيوية في العمل؟
طرحنا هذا السؤال على قراء هارفارد بزنس ريفيو والمشاركين في برنامج التعليم التنفيذي في كلية هارفارد للأعمال، وتلقينا ردوداً من نحو 90 منهم من مختلف أنحاء العالم وصفوا شعورهم بالعجز والقلق والاكتئاب، ومعاناتهم من الأرق وصعوبة الأداء، وإصابتهم بمتلازمة المحتال بشدة، وكبتهم لشخصياتهم الأصيلة في العمل. لكن الانفصال النفسي عن العمل ليس مجرد تجربة مزعجة، بل يمكن أن يؤدي إلى سلوكيات مدمرة للذات، مثل الإحباط والانسحاب الاجتماعي والعجز المكتسب، وهي تمنع الفرد من إحداث تغييرات إيجابية في حياته.
غالبية النصائح لمعالجة هذه المشكلة تستهدف المدراء وقادة الشركات القادرين على التأثير في العوامل التي تعزز اندماج الموظفين ومشاركتهم، ولكن يمكن لكل فرد اتخاذ خطوات للحفاظ على حافزه أو استعادته حتى بعد فترة من انفصاله النفسي الشديد عن العمل وحتى في أكثر الوظائف تثبيطاً. قال أحد قراء هارفارد بزنس ريفيو، وهو مازن، الرئيس التنفيذي لإحدى وكالات المواهب، إن فترات فتور الحافز جزء طبيعي من الرحلة المهنية ويمكن أن تستمر من بضع ساعات إلى بضعة أشهر، وهي تؤثر في الفرد بغض النظر عن رتبته في الهيكل التنظيمي. لكن ثمة طرائق للخروج من هذا الروتين.
بعد تجميع الأبحاث حول الحافز في العمل وتجربة استراتيجيات مختلفة، طورنا عملية من 4 خطوات تساعدك على استعادة نشاطك. ليس المقصود خلق صورة وردية ومفرطة التفاؤل عن العمل؛ فالعديد من الموظفين ينفصلون عن العمل لأسباب مفهومة، بما فيها المشاكل الكامنة في فرقهم أو مؤسساتهم التي يضطرون إلى التعامل معها في مرحلة ما. تهدف عمليتنا، التي تتناول الانفصال والتعاطف والعمل وإعادة الصياغة، إلى قطع دورة الجمود والشلل واستعادة إحساسك بامتلاك القدرة على التصرف، كي تواجه مثل هذه التحديات بفعالية.
الانفصال
الخطوة الأولى هي أن تأخذ وقتاً لتحليل موقفك ومشاعرك بموضوعية، على الرغم من أنها قد تبدو خطوة غير بديهية للتغلب على الانفصال. عندما يكون الإنسان غير سعيد، عموماً أو في العمل، فإنه يفسر الأحداث والمعلومات على نحو سلبي، وتبدو الأمور السيئة أسوأ مما هي عليه في الواقع وأنها ستستمر إلى الأبد، وأنها تتكرر بغض النظر عما تفعله.
لذلك أنت بحاجة إلى أخذ بعض الوقت للابتعاد وإلقاء نظرة أشمل لاتخاذ خيارات حكيمة؛ وإلا فستنحصر ردود فعلك باستجابة الكر والفر الارتجالية. أحد أكبر الأخطاء المهنية التي يرتكبها الناس، على سبيل المثال، هو الهروب من الوظيفة وليس إليها؛ أي قبول وظيفة جديدة لمجرد الهروب من الوظيفة القديمة. يمكن أن تساعدك ممارسات الانفصال التالية على تحريرك من التشوهات الإدراكية التي تشوش على عملية اتخاذ القرار.
التأمل ثم الانفصال:
في نهاية يوم عملك، راجع ما سار على ما يرام وشعرت بأنه ذو مغزى بالنسبة لك. ثبت أن هذه الممارسة تحسن الحالة المزاجية للموظف واندماجه في العمل. ثم انفصل ذهنياً عن العمل، ربما من خلال طقوس جسدية مثل ترتيب مكتبك أو وضع الكمبيوتر المحمول في خزانة أو تسجيل الخروج من حساب بريدك الإلكتروني في المكتب. حاول ألا تفكر في العمل على الإطلاق فيما تبقى من ليلتك كي تتيح لنفسك الوقت لاستعادة طاقتك الذهنية. تكشف الأبحاث أن ذلك يعزز الرفاهة ويقلل الإرهاق، ما يحسن مرونتك في اليوم التالي.
التأمل:
تظهر الأبحاث التي أجراها مؤسس معهد بنسون-هنري في مستشفى ماساتشوستس العام، هربرت بنسون، أن 10 إلى 20 دقيقة من التأمل البسيط جداً مرتين في اليوم ينتج عنه استجابة استرخاء تحسن الصحة البدنية والعقلية وتقلل استجابة الكر والفر. ليس عليك اتباع أي تقنيات معقدة؛ خصص وقتاً للتركيز على صورة أو عبارة متكررة وأنت تجلس أو تتحرك وفق حركة إيقاعية. وبذلك تعزز تركيزك عندما تتطفل الأفكار المشتتة للانتباه.
حرك جسمك:
تظهر مجموعة كبيرة من الأبحاث أن التمارين الرياضية -حتى لو كانت جلسة واحدة- تقلل التوتر وتحسن المزاج والوظائف الإدراكية. تعمل الحركة البدنية على تجديد طاقتك النفسية، ما يساعدك على الاندماج في العمل من جديد. حتى التمارين القصيرة للتمدد أو المشي حول المكتب، والأفضل خارجه، مفيدة. يمكن لبعض الأنشطة أن تخدم أغراضاً متعددة؛ يمكن الجمع بين ممارسات مثل اليوغا أو التاي تشي مع التأمل، ويمكن أن تكون الرياضة والأنشطة الخارجية والجماعية فرصاً للتواصل الاجتماعي.
فكر من منظور شخص آخر:
قد يستغرب المرء الإشارة إلى نفسه بضمير الغائب وكأنه شخص آخر؛ إلا أن ذلك، ولو فكرت فيه بصمت، قد يعود بفوائد مذهلة. تشير الدراسات إلى أنه عندما يشير الإنسان في أفكاره إلى نفسه باسمه أو لقبه أو بضمير الغائب بدلاً من أن يقول "أنا"، تزداد قدرته على التحكم في أفكاره ومشاعره وسلوكه تحت الضغط. تساعد هذه التقنية على خداع الدماغ في رؤية مشاكلك كما لو كانت مشاكل شخص آخر، وبذلك لن تكون مقلقة مثل المشاكل الخاصة.
كتب العديد من المشاركين في استطلاعاتنا عن قوة الانفصال؛ قالت قائدة فريق في المكتب البولندي في شركة أميركية لتكنولوجيا المعلومات: "لقد منحني تقليل العمل مساحة لأكتشف أن ضعف الحافز لدي كان ناتجاً عن مشكلات أخرى؛ قضيت الكثير من الوقت في العمل مع نفسي، فاكتشفت ما يحفزني واستعدت قدرتي على الاستمتاع بعملي".
مساعدة الآخرين هي واحدة من أفضل الطرق للشعور بالقوة الذاتية وإضفاء معنى أعمق على العمل، ومن المثير للاهتمام ثبوت أن أثره في تقليل الإرهاق أكبر من أثر تلقي المساعدة.
كانت مديرة مكتب إدارة المشاريع في شركة للتكنولوجيا الحيوية، جنا، قد تركت وظيفتين سابقتين بسبب انفصالها النفسي عن العمل، وعندما لاحظت علامات تضاؤل الحافز في عملها الحالي، لجأت إلى التفكير بدلاً من البحث عن وظيفة جديدة، ورتبت لأخذ إجازة مرضية قصيرة مدفوعة الأجر مدة ثلاثة أسابيع. قالت: "أدركت أن علي كسر هذه الدوامة وضبط المسار من جديد، فخضعت للعلاج النفسي وفكرت كثيراً ودونت يومياتي كي أتمكن من تحديد سبب المشكلة".
وبالمثل، أخبرنا مازن أن التأمل العميق ووضع حدود واضحة بين العمل والحياة الشخصية ساعداه على استعادة طاقته المهنية، قال: "من السهل الوقوع في فخ الإفراط في العمل عند محاولة الاندماج من جديد". لكنه وجد أن وضع جدول عمل محدد والالتزام به، وتجنب تفقد البريد الإلكتروني خلال الإجازة، والحصول على قسط جيد من النوم، وقضاء بعض الوقت في ممارسة الأنشطة الترفيهية والرياضية، وأخذ فترات راحة أو حتى مجرد استراحات قصيرة، كانت طرقاً أكثر فعالية لتعزيز حافزه في العمل.
التعاطف
عندما ينعدم حافزك في العمل، قد تلوم نفسك على قلة اهتمامك وطموحك؛ لكن التعاطف مع نفسك أمر بالغ الأهمية للاندماج في العمل من جديد. من المهم أيضاً مقاومة الرغبة في الانسحاب والابتعاد عن مديرك وزملائك؛ فجميعنا نحتاج للتفاعل الاجتماعي والإشباع الفكري والاحترام الإيجابي من الآخرين والشعور بالإنجاز، وإحدى أكثر الطرق فعالية لتلبية هذه الاحتياجات هي مساعدة الآخرين على تلبية احتياجاتهم.
العناية بالنفس:
هل تشعر بأنك مجرد جزء من آلة في العمل، أو أنك مورد بشري قابل للتبديل يوظف فقط لتحقيق أهداف المؤسسة؟ إذا كان الأمر كذلك، ذكر نفسك بأن أفكارك ومشاعرك وقيمك مهمة، واحترمها من خلال معاملة نفسك بلطف. كان المشاركون في استطلاعاتنا عبر الرسائل الإلكترونية ومكالمتنا على وسائل التواصل الاجتماعي يفعلون ذلك من خلال مجموعة من العادات، مثل بدء اليوم بفنجان قهوة لذيذ، وتشغيل موسيقى منشطة والاستعانة بمعالج نفسي بانتظام.
عامل الآخرين من منطلق إنساني:
بغض النظر عما تشعر به، يمكنك دائماً تحسين تفاعلاتك مع زملائك وزبائنك من خلال التواصل بالعينين ومراعاة المجاملات الاجتماعية وتقدير مساهمات كل شخص. إحدى السمات المميزة للانفصال عن العمل هي تجرد الشخص من إحساسه بذاته الإنسانية؛ ويمكنك محاربة هذه الظاهرة من خلال الاعتراف بإنسانية الآخرين. على سبيل المثال، أخبرنا حمدان، وهو مدير مستودع لقطع غيار السيارات ومستشار في بنغالورو الهندية، أن حيلته لاستعادة الحافز هي ببساطة إيلاء المزيد من الاهتمام إلى إتقان مرؤوسيه للعمل بالكامل.
اطرح أسئلة:
يتطلب التعاطف الفضول تجاه الآخرين؛ راقب سلوكهم، واستمع إلى ما يقولونه، واطرح الأسئلة، وانتبه إلى ردودهم. حاول أن تفهم وجهات نظر الأشخاص من حولك ومعارفهم المختلفة، سواء كانوا عملاء أم رؤساء أم أقراناً في الأقسام الأخرى. يساعد البحث الجاد عن وجهات نظر جديدة على تعزيز المشاركة الفكرية، وبناء علاقات في مكان العمل، والتوصل إلى رؤى جديدة حول كيفية تغيير وظيفة غير مجزية أو إعادة تصميمها.
ابحث عن أصدقاء:
حاول العثور على أشخاص تحبهم بالفعل في المكتب. وضعت مؤسسة غالوب 12 عنصراً لاندماج الموظفين في العمل، أحدها هو امتلاك صديق مقرب في العمل، وتشير المؤسسة إلى أن هذا الأمر مؤشر مهم على الأداء الأفضل. لذا، ابحث عن الأشخاص الذين تتواصل معهم شخصياً وحاول بناء صداقات حقيقية. الفكرة هي جعل العمل مكاناً أكثر متعة وإثارة للاهتمام حتى لو كانت الوظيفة نفسها محبطة أو مثقلة بالروتين الممل.
ساعد الآخرين:
هذه واحدة من أفضل الطرق للشعور بالقوة الذاتية وجعل العمل أكثر جدوى. يمكنك مساعدة الآخرين باعتبار ذلك جزءاً من عملك أو بطرق غير منهجية أبسط، مثل ترتيب ثلاجة المكتب، أو شرح نظام البريد الإلكتروني لموظف جديد، أو توجيه زميل أقل خبرة. عادة ما يظهر الموظفون المندمجون تماماً في العمل سلوكيات إيجابية، لكن الاندماج ليس شرطاً لمساعدة الآخرين. ومن المثير للاهتمام ثبوت أن أثر تقديم المساعدة في تقليل الإرهاق أكبر من أثر تلقي المساعدة.

أكد معظم الذين شاركونا قصصهم عن فقدان الحافز واستعادته أهمية العلاقات التعاطفية. فقد أخبرتنا مديرة في إحدى الجامعات في المكسيك، أنها خلال فترات انخفاض المشاركة تحرص على الاعتراف بعمل الآخرين الجيد ومكافأته (وكذلك عملها هي)؛ وقالت لينا، الطبيبة في كندا، إنها تحجز مواعيد لتناول القهوة والغداء والاطمئنان على زملائها في العمل، بمن فيهم الذين لا تعرفهم، وتتواصل موظفة في مجال الصناعات الغذائية مع العملاء وتعقد جلسات إحاطة واجتماعات إضافية معهم، أما رئيس قسم التكنولوجيا في إحدى شركات تكنولوجيا المعلومات في هولندا، فقال إنه يتجول في مكان العمل ما يتيح له التواصل أكثر مع الزملاء والاحتفال بنجاحاتهم والتعبير عن الامتنان، كما وصف مازن كيف يبدأ المحادثات مع زملائه وموجهيه وأقرانه في القطاع ومعالجه النفسي، ما يكشف له رؤى ووجهات نظر جديدة وحلولاً عملية ويمنحه شعوراً بأن لديه أصدقاء مقربين يجمعهم الود والتفاهم، وهو ما يمكن أن يكون في حد ذاته حافزاً كبيراً.
العمل
تظهر الأبحاث أن الموظفين المنفصلين عن العمل يتصرفون بطريقة غير لائقة؛ فهم يحاولون الهروب من خلال سلوكيات سلبية وعادات صحية مضرة، ويقضون وقتاً طويلاً في تصفح الإنترنت أو الاهتمام بالأمور الشخصية في العمل؛ وغالباً ما يتصرفون على نحو غير مهني. (وجدت شركة راندستاد في الولايات المتحدة الأميركية أن 40% من الموظفين المنفصلين عن العمل ينفذون مقالب محرجة لزملائهم في العمل) ولكن يمكن توجيه تلك الطاقة المتمردة بطرق أكثر إنتاجية، سواء كانت على نطاق ضيق أم واسع.
عالج المهام الصغيرة:
تظهر الأبحاث أنك عندما تحرز تقدماً حتى في المهام الصغيرة والروتينية، يتحسن مزاجك وتزداد احتمالات إنجاز مهام أكبر. وتطلق زميلتنا تيريزا أمابيل الأستاذة في جامعة هارفارد على ذلك اسم "قوة المكاسب الصغيرة"، وتظهر دراستها لمذكرات الموظفين اليومية أنها محرك رئيسي للمشاركة. لذا، على الرغم من أن أفضل الممارسات قد تكون معالجة الأعمال الأهم في الصباح حين يكون التركيز والطاقة في أوجهما، قد يرغب من يفتقر إلى الحافز في إنهاء بعض المهام الثانوية السهلة أولاً.
استثمر في الأنشطة الخارجية:
تظهر دراسات متعددة أن الأنشطة المجزية خارج نطاق العمل تحسن حالة الإنسان، فيقل تشتته ويزداد نشاطه في وظيفته غير المرضية. تنتقل حالتا الانفصال عن العمل والاندماج فيه من بيئة إلى أخرى؛ ويمكن أن تمنحك الهوايات والوظائف التطوعية و"الأعمال الجانبية" إحساساً بالتمكين والاندماج يرافقك حين تعود إلى عملك. إذا كانت وظيفتك لا تمنحك الإحساس بالمعنى والرضا، فالعثور عليهما في مكان آخر يمكن أن يساعدك على احتمالها أكثر.
أعد صياغة الوظيفة:
يتمتع العديد من الموظفين ببعض الحرية في إعادة تعريف وظائفهم لتتناسب مع نقاط قوتهم وشغفهم، وهو نشاط يشير إليه علماء النفس التنظيمي باسم "إعادة صياغة الوظيفة". يمكن أن يكون هذا النشاط بإضافة المهام (التنافس على مسؤوليات أكثر إثارة للاهتمام أو موارد أفضل) أو إنقاصها (محاولة تقليل العبء أو الأثر العاطفي أو المعرفي للعمل). فكر على نحو استراتيجي؛ قد يكون تضييق تركيزك على المهام الحرجة ضرورياً للحفاظ على أدائك ضمن النطاق المقبول والمساعدة في تقليل التوتر، لكنه قد يحجب الفضول اللازم وأنشطة بناء العلاقات التي يمكن أن تخرجك من الروتين.
استعن باستراتيجية الألعاب:
حتى المهام التي لا معنى لها يمكن أن تصبح محفزة بدرجة كبيرة إذا حولتها إلى لغز أو منافسة، ويشهد بذلك صانعو تطبيقات التتبع المختلفة، مثل هابيتيفاي وستريكس. لذا، مارس الألعاب الذهنية لإشراك دافعك التنافسي، ضع حدوداً زمنية وكافئ نفسك إذا حققت أهدافك. ليس من الضروري أن تكون الألعاب دائماً حول مكافأة الإنتاجية، فأحياناً تحتاج إلى لعبة تبقيك مستيقظاً خلال اجتماع ممل، ولا بأس في ذلك. إذا كان بإمكانك العثور على زملاء مستعدين للعب معك، فهذا أفضل.
تظاهر:
تظهر الأبحاث أن مجرد تخيل أنك شخص آخر يمكن أن يحسن أدائك، على الأقل على المدى القصير. ففي إحدى الدراسات، تمكن الأشخاص الذين طلب منهم أن يتخيلوا أنفسهم "شعراء غريبي الأطوار" من إظهار إبداع أكبر من الذين طلب منهم أن يتخيلوا أنفسهم "أمناء مكتبات جامدين"، وتمكن الأطفال الذين طلب منهم أن يتخيلوا أنفسهم أبطالًا خارقين من المثابرة فترة أطول في مهمة مملة وأظهروا تحسناً في الوظائف التنفيذية (الرجل الوطواط لا يقبل بالهزيمة!). تماماً مثل التفكير من وجهات نظر بديلة أو الإشارة إلى النفس بضمير الغائب، فالتفكير في طريقة تعامل معلمك المفضل أو شخصيتك الخيالية مع موقف ما يمكن أن يوقف الأفكار الداخلية السلبية، ويجدد صلتك بجانبك الأكثر مرحاً والأوسع خيالاً.
ارتد ملابسك:
تشير الدراسات إلى أن الملابس يمكن أن تساعدك على تقمص الشخصية في العمل. على سبيل المثال، كان أداء الأشخاص الذين خضعوا للبحث والذين ارتدوا معاطف الأطباء أفضل في المهام التي تتطلب الانتباه من أداء الأشخاص الذين طلب منهم تخيل أنهم يرتدون معاطف الرسامين أو الذين نظروا إلى معطف طبيب فقط. وفي دراسة الأبطال الخارقين، ارتدى الأطفال معاطف الأبطال الخارقين لمساعدتهم على تقمص أدوارهم. وعندما غيرت شركة يابانية لتنظيف القطارات زي موظفيها من البدلات الرسمية الباهتة التي لا تلفت النظر إلى بدلات ملونة زاهية، شعر الموظفون بأنهم بارزون أكثر وتصوروا أن وظائفهم ذات مكانة أعلى (لقد تحولوا من عمال نظافة إلى مضيفين). ونظراً لظهور العمل عن بعد وارتداء الملابس غير الرسمية على نحو متزايد، قد لا تكون البدلات أو حلي اللؤلؤ والأحذية الرسمية مناسبة. ولكن لا يزال بإمكانك الحصول على ملابس مخصصة للعمل تجعلك تشعر بالاحترافية والثقة بالنفس وتنقل هذا التصور الذاتي للآخرين.
تتخذ محامية مقيمة في لوكسمبورغ إجراءات بسيطة لتحفيز نفسها عندما تشعر بانعدام الحافز. قالت لنا: "أبدأ بمهام صغيرة لا تتطلب تفكيراً أو تحضيراً معقداً، مثل تنظيف مكتبي وإحضار الكتب إلى مكتبة المكتب وطلب مستلزمات المكتب وحجز طاولة لتناول الغداء. يشعرني إنجاز هذه المهام بالرضا، الأمر الذي غالباً ما يثير لدي رغبة في إنجاز مهام أكبر".
ووصف مشاركون آخرون خطوات أكبر لتجديد الاندماج في العمل. على سبيل المثال، التحق الرئيس التنفيذي لوكالة المواهب، مازن، بدورة تدريبية عبر الإنترنت، قادته في النهاية إلى برنامج للحصول على درجة علمية بدوام جزئي. وبعد أن عادت مديرة التكنولوجيا الحيوية، جنا، من إجازتها، تفاوضت على تولي مهام عمل أكثر ومختلفة ونقلها إلى مكتب حيث ستشعر بعزلة أقل. وقال حمدان، مدير المستودع الهندي، إنه بدأ عملاً جانبياً لديه شغف فيه، يتمثل في تعليم المهنيين الطموحين كيفية استخدام برنامجي مايكروسوفت إكسل وجداول بيانات جوجل.
إعادة الصياغة
يمكنك إعادة صياغة تفكيرك في العمل بطريقتين. أولاً، من خلال التمعن في هويتك المهنية، وثانياً، من خلال التفكير في دور وظيفتك في حياتك.
تمعن في هويتك المهنية:
لدى الكثير منا أدوار غير رسمية في العمل، مثل المدرس وصاحب الرؤية والمسؤول عن الخدمات اللوجستية. ما هي الأدوار التي تؤديها؟ أي منها تحبها وتشعر بالأصالة والراحة فيها؟ حاول ابتكار عنوان يصف دورك أو أسلوب عملك الفريد، وهو تدخل بسيط ثبت أنه يساعد الموظفين على تحديد العناصر الأكثر فائدة وجدوى في وظائفهم.
انظر إلى الصورة الكبيرة:
ركز على الهدف الأسمى من عملك. هذا هو التحول العقلي التقليدي "رجل يضع الطوب، والآخر يبني صرحاً عظيماً"، وهو فعال حقاً. وقد أظهرت دراسات متعددة أن الإنسان قادر على أداء المهام غير الممتعة أو المملة على نحو أفضل وفترة أطول عندما يفهم ارتباط هذه المهام بهدف أكبر. فبدلاً من الكيفية والماهية -أي عملية أداء المهمة- ركز على الهدف منها. لا يبدو ملء النماذج عملاً مجزياً، لكن الفوز بمنحة لمؤسستك مجز.
فكر في الفائدة التي يجنيها الآخرون من عملك:
هذه واحدة من أكثر الطرق فعالية لإعادة صياغة وظيفتك. قد تساعد الآخرين بطبيعتك من خلال عملك أو ربما من خلال إعالة أسرتك مثلاً، وقد أظهرت مجموعة كبيرة من الأبحاث أن هذا التركيز يمكن أن يساعد على تحفيز الناس لأداء المهام غير المرغوب فيها. ففي إحدى الدراسات، أظهر طلاب المدارس الثانوية بعد تذكيرهم بأسباب تعليمهم التي تتجاوز ذواتهم (مثل منحهم القدرة على جعل العالم مكاناً أفضل) تحسناً مستداماً في المواد الصعبة. كما وجد الموظفون في وظائف صعبة، مثل مندوبي التسويق وعمال النظافة والممرضين، معنى أكبر لوظائفهم ومارسوها بكفاءة أكبر عندما فكروا في الفائدة التي يجنيها الآخرون من عملهم. قال مؤلفو الدراسة: "لا يجد عمال النظافة الذين يبدون سلوكاً اجتماعياً إيجابياً جاذبية في عملهم، لكنهم يؤدونه بفعالية أكبر".
وأخبرنا خالد، الذي يعمل في وكالة توظيف في كندا، أنه مر مؤخراً بفترة انفصال نفسي عن العمل، فحرص على اعتبار التجارب السلبية فرصاً، قال: "على سبيل المثال، عندما كانت القيادة تضع توقعات مستحيلة، كنت أتساءل عن قدرتي على أداء هذا العمل على نحو أفضل لو كنت مديراً؟ وعما إذا كان عملي سيرضي شخصاً منطقياً؟ فأدركت أن حبي لمسؤولياتي ومجال عملي ومساهماتي كان حاضراً دائماً".
يحاول مازن إعادة صياغة المهام الروتينية المملة لجعلها نقاط انطلاق نحو أهدافه الأكبر وأهدافه المهنية. أما الطبيبة لينا فتسأل نفسها: "كيف أكون مهمة؟" وتقول: "من المفيد أن تفهم نقاط قوتك الفريدة وكيف تضيف القيمة". تركز مسؤولة الرعاية الاجتماعية في إحدى جامعات المملكة المتحدة، نورا، على الطلاب الذين تقدم لهم المشورة، قالت: "أسألهم عن أكثر ما كان مفيداً في جلساتنا أو الفائدة التي سيجنونها من المحادثات التي أجريناها. ثم أفكر أن عملي مفيد؛ فأنا أساعد الشباب في رحلة حياتهم. وهذا ما ساعدني على استعادة حافزي".
حتى لو لم تكن وظيفتك كما تريدها أن تكون، يمكن أن تساعدك الخطوات التي وصفناها في هذا المقال على الاندماج من جديد في العمل، فمن خلال أخذ فرصة للتفكر، والتعاطف مع نفسك، وتوجيه طاقتك على نحو منتج، وإعادة صياغة أفكارك حول العمل، ستحسن صحتك النفسية وتعزز أداءك، وتزيد احتمالات تقدمك نحو مستقبل مهني أفضل.