يواجه الموظفون تحديات جسيمة تؤثر سلباً على رفاهتهم؛ إذ يقول نحو 60% من العاملين إنهم يعانون صعوبة في الاندماج في بيئة العمل، بينما يشير 20% منهم إلى شعورهم بالوحدة، وفقاً لتقرير مؤسسة غالوب. تعكس هذه الإحصاءات أزمة يجب ألا يستهين بها المدراء؛ فالموظفون الذين لا يشعرون بالازدهار في بيئة العمل تتراجع إنتاجيتهم ويقل إحساسهم بالالتزام وغالباً ما يمتد تأثيرهم السلبي إلى أرباح الشركة.
لذلك يجب أن تكون على دراية بحالة فريقك ومستعداً للتدخل عند ظهور أي مشكلة. ويعتمد نجاح هذه العملية على الالتزام ببناء الثقة والحفاظ على استمرارية التواصل، وفقاً لما أشارت إليه عضو هيئة التدريس في كلية الإدارة بجامعة ييل، إيما سيبالا، مؤلفة كتاب "السيطرة: استعد حريتك وطاقتك وقوتك في زمن التشتت وعدم اليقين والفوضى" (Sovereign: Reclaim Your Freedom, Energy, and Power in a Time of Distraction, Uncertainty, and Chaos).
تقول سيبالا: "احرص على خلق بيئة يشعر فيها الموظفون بالراحة والأمان عند التعامل معك؛ لأنهم إن لم يثقوا بك أو لم يشعروا باهتمامك، فلن يكونوا مستعدين للتواصل معك بصراحة".
من الصعب فهم مشاعر زملائك الحقيقية تجاه أدوارهم الوظيفية ومهامهم وعلاقاتهم، خاصة بالنسبة للموظفين الذين يعملون عن بُعد، مهما كانت قوة العلاقة التي تربطك بهم. يكمن السر في طرح الأسئلة المناسبة خلال اجتماعات ثنائية مركَّزة، على حد قول الأستاذ الاستشاري بجامعة نورث كارولينا في مدينة شارلوت، ستيفن روغلبرغ، مؤلف كتاب "سعيد بلقائنا: فن وعلم الاجتماعات الثنائية" (Glad We Met: The Art and Science of 1:1 Meetings).
يضيف روغلبرغ موضحاً: "افتقرنا خلال جائحة كوفيد-19 إلى القدرة على التواصل المباشر وشعرنا بأن رؤساءنا، الذين لهم دور مهم في نجاحنا وتطورنا المهني، لم يعودوا يلاحظون جهودنا. لقد افتقرنا إلى القدرة على إجراء المحادثات المهمة".
ولكي تضمن درايتك التامة بحالة موظفيك واحتياجاتهم، إليك 6 أسئلة يقترحها خبراؤنا لكسر الحواجز وتجاوز التفاعلات السطحية:
1. كيف تقيّم حالتك اليوم على مقياس من 1 إلى 10؟
مشكلة الأسئلة الروتينية، مثل: "كيف حالك؟"، أنها تؤدي في أغلب الأحيان إلى إجابات سطحية، مثل: "بخير" أو "على ما يرام"، لكن مطالبة أعضاء الفريق بتقييم حالتهم الحالية على مقياس عددي يشجع على إجراء تقييم ذاتي مدروس بعناية، على حد قوله روغلبرغ، خاصة بالنسبة للموظفين عن بُعد الذين قد يشعرون بالعزلة وضعف الروابط الشخصية مع الفريق. على سبيل المثال، إذا قيّم أحدهم حالته بإعطائها 4 درجات من 10، يمكنك طرح السؤال الاستيضاحي التالي: "ما هي العوامل التي أسهمت في هذا التقييم؟" لفتح المجال أمامه للتفكير ومشاركة تفاصيل تساعد على فهم وضعه بصورة أعمق.
يقول روغلبرغ: "ربما يجد صعوبة في التعامل مع مشروع معقد أو يواجه مشكلات شخصية أو أسرية. ويساعدك طرح الأسئلة الاستيضاحية على اكتشاف أمور لم يكن من الممكن معرفتها بمجرد الاكتفاء بالسؤال الأولي."
لكن ثمة نصيحة مهمة هنا، وهي ضرورة تبنّي نبرة تعكس الاهتمام والتعاطف الحقيقي قبل البدء في هذه المحادثة، على حد قول سيبالا التي تنصح باستخدام التواصل البصري ونبرة صوت ودودة وإصدار إيماءات وإشارات تدل على حضورك الذهني، موضحة: "عليك إعلام الموظف بأن هدف هذه المحادثة هو مصلحته الشخصية في المقام الأول، وأنك تهتم به باعتباره إنساناً قبل النظر إلى دوره الوظيفي أو أدائه في العمل".
2. "ما الذي يثير حماسك حالياً خارج نطاق العمل؟"
قد لا يكشف هذا السؤال بحد ذاته عن مشاعر زملائك تجاه وظائفهم، لكنه يساعدك على بناء روابط شخصية من خلال اكتشاف الاهتمامات المشتركة وكذلك الاختلافات. يقول روغلبرغ: "لا بد من بناء الثقة المتبادلة أولاً للتعرف إلى كل عضو في فريقك باعتباره إنساناً لديه حياة خارج بيئة العمل، وهو أمرٌ يستغرق وقتاً لا بأس به، لكن إرساء أسس هذه الروابط الشخصية عمل يستحق الجهد المبذول؛ لأنه يسهل الحديث عن المخاوف لاحقاً".
واحرص على احترام الحدود الشخصية لزميلك؛ فإذا أبدى تردده في الإفصاح عن معلومات شخصية أو مشاعره، فلا تضغط عليه. يقول روغلبرغ: "عندما تكتسب ثقة زميلك، قد يصبح أكثر استعداداً لمشاركة أفكاره أو مشاعره أو تجاربه الشخصية".
بالإضافة إلى هذا السؤال، تقترح سيبالا محاولة الربط بين الجوانب الشخصية والمهنية من خلال طرح السؤال التالي: "ما الذي يمنحك الشعور بالنشاط والحيوية في العمل؟ وما هي الأنشطة أو المبادرات التي ننفذها في المؤسسة وتمنحك الشعور بالطاقة والحافز؟" تهدف هذه الأسئلة إلى معرفة القواسم المشتركة في اهتمامات الزملاء وما يستمتعون به، وبمجرد معرفتها، يمكن استثمارها لخلق فرص للنمو المهني وزيادة التفاعل داخل الفريق.
3. هل تجد معنى في عملك؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فما هي التغييرات التي ترى أنها قد تساعد في إضفاء المعنى عليه؟
أثبتت الأبحاث أن الموظف الذي يرى أن عمله يتضمن غاية ويسمح له بالإنجاز يزداد شعوره بالرضا الوظيفي وترتفع احتمالات استمراره بمؤسسته. ولتحقيق ذلك يقترح روغلبرغ التعرف عن قرب إلى دوافع زملائك المهنية. اسأل كلاً منهم: "ما هي الجوانب التي تستمتع بها في عملك؟ وما هي الجوانب التي تسبب لك الشعور بالقلق أو التوتر؟ هل لبّى هذا الدور الوظيفي توقعاتك؟ وهل كانت هناك أي مفاجآت، سواء كانت مفاجآت سارة أو بغيضة؟" هذه الأسئلة ذات أهمية خاصة للموظفين عن بُعد الذين قد يعانون الشعور بالعزلة أو الانفصال عن باقي الفريق.
يقول روغلبرغ: "لا يقتصر الأمر على طرح الأسئلة فقط؛ بل يتعلق بإظهار رغبتك في دعم أعضاء الفريق وإضفاء معنى أعمق على عملهم".
تقول سيبالا: "يؤدي الاستماع الفعّال دوراً مهماً هنا. كُن فضولياً ولا تتحدث كثيراً. وعندما تتحدث، عليك أن تعيد ما قاله الطرف الآخر بصيغتك الخاصة كي يشعر بأنك قد أصغيت إليه وتضمن أنك فهمت رسالته على الوجه الصحيح".
4. ما الذي يجعل هذه الوظيفة أو المؤسسة أكثر جاذبية لك على المدى البعيد؟
يقول روغلبرغ: "من الأهمية بمكان أن تفهم ما يعزز الحافز والالتزام لدى أعضاء فريقك ؛ فالحافز يؤثر مباشرة في شعور الموظف بالاندماج والرضا وفرص استبقائه". يكمن السر في الانفتاح على أفكارهم إلى جانب الشفافية بشأن ما لا يمكنك تغييره أو تنفيذه. على سبيل المثال، إذا أراد أحد أعضاء الفريق أن يعمل من المنزل بدوام كامل ولكن هذا الخيار غير متاح في الوقت الحالي، "فصارحه بما يمكن تغييره أو التفاوض بشأنه". تجنب الإفراط في الوعود؛ واحرص بدلاً من ذلك على "محاولة فهم احتياجاته وأفكاره والتوصل معاً إلى حلول مرضية للجميع".
وتذكّر أن بعض الملاحظات قد يصعب تقبلها. فإذا أشار أحد الموظفين إلى أوجه القصور في سير العمل أو سلَّط الضوء على جوانب مبهمة في أسلوبك المتبع في إدارة العمل، فمن الطبيعي أن تشعر بالتحفظ، على حد قول سيبالا، ولكن "تجنب الاعتراض أو المقاطعة"؛ فالهدف من هذه الاجتماعات فهم وجهة نظر موظفيك، لا تبرير الوضع الراهن. تقول سيبالا: "اغتنم هذه الفرصة للتعلم، وإذا لم تستطع معالجة القضايا أو الموضوعات المطروحة في الاجتماع الأول، فحدّد موعد اجتماع لاحق لمتابعة النقاط التي لم تحسماها بعد".
5. ما الذي يسبّب لك الشعور بالتعب أو الإرهاق في العمل، وما الذي يمكنني فعله لمساعدتك؟
ربما يواجه أعضاء فريقك تحديات متنوعة قد لا تكون على دراية تامة بها، مثل عملهم في مهام صعبة أو وجود صعوبات في التفاعل بينهم أو إشرافهم على موظفين دون المستوى المطلوب. يسهم تحديد هذه العقبات والمخاوف في تمكينك من تقديم الدعم المناسب، على حد قول سيبالا؛ فالهدف من هذا السؤال أن تعرف "العوامل التي تسهل على أعضاء فريقك أداء عملهم بأفضل صورة ممكنة، وتحدد الإجراءات التي يمكنك اتخاذها لتوفير هذه العوامل".
يقترح روغلبرغ أن تسأل عن المهام التي يعتقد الموظف أنها تهدر الوقت أو عمّا إذا كان بحاجة إلى توضيح التوقعات المطلوبة منه؛ لكن عليك أن تتوخى الحذر كي لا تبدو وكأنك تريد التدخُّل في أدق تفاصيل العمل؛ إذ يؤدي ذلك إلى إفساد علاقتك مع الموظف وتراجع إنتاجيته. "يجب ألا يشعر الموظف بعد انتهاء المحادثة بأنك تسعى للسيطرة على مختلف جوانب عمله أو فرض إرادتك عليه".
6. ما هي أهدافك وطموحاتك المهنية؟ وما الذي يمكنني فعله لمساعدتك على تحقيقها؟
لا يهتم الكثير من المدراء بسؤال موظفيهم عن طموحاتهم المهنية على المدى البعيد، وهذه فرصة ضائعة بإمكان المدراء اغتانمها لاكتشاف احتياجات الموظفين وتوقعاتهم. فكلما زاد حرصك على التعامل مع الموظف باعتباره إنساناً لديه أحلام وطموحات، لا مجرد ترس في آلة، ازدادت قدرتك على فهم مشاعره تجاه عمله ورؤيته لمستقبله المهني.
وكي تتجاوز فكرة الاجتماعات أو النقاشات الروتينية، تقترح سيبالا البدء بقول: "أعلم أننا نتحدث عادةً عن الأعمال فقط، ولكنني أود أن أسألك اليوم عن أهدافك المهنية كي أتأكد من دعمي لك ومساعدتك على تحقيقها ومعرفة الوسيلة التي يمكنني مساعدتك بها".
تذكر أنك لا تهدف من هذه العملية إلى جمع المعلومات فحسب؛ بل الاستفادة من المعلومات التي حصلت عليها لتعزيز نمو الموظفين وتطوّرهم المهني. وسواء اقترحت على الموظف تلقي تدريب موجه أو أداء مهام إنمائية أو اغتنام فرص محددة لإبراز مهاراته، فإن هدفك هو إظهار التزامك بنموه.
يؤكد الخبراء عدم وجود طريقة موحَّدة لإجراء هذه المحادثات؛ لكن لا بد من اختيار أسئلة تتناسب معك ومع زملائك، مع مراعاة طبيعة العلاقة المشتركة بينكم. احرص على تجربة أنواع مختلفة من الأسئلة لمعرفة الأسلوب أو النمط الذي يناسبكم ويبدو ملائماً للموقف.
وفي النهاية، لا يرتبط الأمر بنوعية الأسئلة التي تطرحها فحسب؛ بل يتعلق أيضاً بمدى "صدقك واهتمامك الحقيقي بإجابات مرؤوسيك، وهذا يعني الاستماع بانتباه وفهم مشاعرهم واحتياجاتهم بدقة وتقديم الدعم اللازم قدر الإمكان" على حد قول روغلبرغ.