لا أعرف العنوان الذي سيختارونه لهذه المقالة، لكنني متأكد من أنه سيتعلق بالفن، وقد يكون رد فعلك الأول بصفتك شخصاً يبحث عن محتوى جاد للأعمال هو تجاوز هذا العنوان؛ ولكن رجاء، واصل القراءة. إذا وصلت إلى هذه الجملة، فأنا أعلم أن لديك ذرة فضول على الأقل، لذا سأكافئك الآن بسر لا يعرفه أصحاب الفكر المتصلب الذين يسخرون من المواضيع الوجدانية: إن فهم طرق صنع الفن وأسبابه هو سبيل الإنجاز والإتقان؛ حتى في عالم الشركات.
تبنيت هذه الفكرة في عملي بالكتابة والتحرير وتقديم المشورة بشأن تصميم المعلومات وتصوير البيانات، لكن بضعة كتب جديدة وبرنامجاً تلفزيونياً -لأجل الصدفة- ساعدتني على تفسير حاجتنا في مجال الأعمال إلى التعلم من الفنون، بدلاً من النفور منها. أبدأ من النقطة الأخيرة، ينبع النفور من سوء فهم العملية الفنية، فمعظمنا ينظر إلى الفن من منظور الأساطير والمعجزات، لذلك لا نرى فيه أي فائدة تعليمية؛ لطالما سمعنا أن الفنان ينتظر إلهامه ليفجر إبداعه الكامن.
في كتاب "تحفة فنية: كيف يولد الفن من اللاشيء"، يقر رئيس تحرير مجلة نيويورك السابق آدم موس بقوة تلك الفكرة، ولكنه يحذفها بعد ذلك. فكتابه يمزج مقابلات مع أكثر من 35 فناناً من الكتاب والرسامين والملحنين والكوميديين والمصممين مع صور لأعمالهم، والأهم من ذلك، أعمالهم قيد التنفيذ. نرى رسومات أولية تكشف ملامح أسلوب فرانك غيري المعماري القائم على الأشكال الملتوية، وصفحات من كلمات أغاني ستيفن سوندهايم بعد تنقيح مكثف، وحتى سلسلة رسائل نصية يطلب فيها المنتج الموسيقي توماس بارتليت من آخرين التعاون معه؛ هذا عمل شاق وفوضوي وتكراري تماماً مثل بناء دراسة جدوى.
يتحدث المبدعون أيضاً عن حل المشكلات والتواصل والتعاون، وهي مهارات قيل لي إنها مفيدة جداً في أماكن العمل أيضاً. إذاً، ألا ترى أنه يمكنك التعلم من الفن والفنانين؟ فما يفعلونه لا يختلف كثيراً عما تحاول أنت فعله. حتى كارا ووكر تشارك جزءاً من عرضها التقديمي الذي ألقته على المجموعة التي كلفتها بنحت تمثال. الفن هو في الأساس تطوير منتج، أو، كما يقول أحد الملحنين، "الفن أشبه بعمل النجار، ولا علاقة له بالمعجزات؛ فما هو إلا حرفة". قد يبدو المنتج معجزة، سواء كان لوحة جدارية أم أغنية أم رقصة أم نكتة، لكنه ليس كذلك؛ فقد ولد نتيجة للجهد نفسه الذي قد تبذله لإتقان عملك في الشركة.
يبدي الكاتب في مجلة نيويوركر، آدم غوبنيك، هوساً بالإتقان في كتابه "العمل الحقيقي" (The Real Work)؛ فهو ينقب عن سبع سمات تحدد أعلى الإنجازات، تشمل الأداء والنية واتخاذ الخطوات وغيرها، ويروي قصصاً مؤثرة من مجالات متنوعة مثل الخبز والرقص والملاكمة والقيادة. في مشهد جذاب، يشرح غوبنيك ما يعنيه لاعبو الخفة عندما يتحدثون عن عملهم الحقيقي: "المهارة المتراكمة، والذكاء، والإتقان التقني الذي يجعل الخدعة السحرية رائعة". لا تنحصر الخدع السحرية الرائعة بمن ينفذها أولاً أو بأفضل طريقة، بل بمن بذل جهداً لإتقانها.
يتعمق غوبنيك في صعوبات العمل الحقيقي بتنفيذ أي مهمة أو مهنة ليكشف أسباب صعوبة الإتقان؛ حين يصف مثلاً التعقيد المذهل لإنتاج مسرحية موسيقية لتعرض على مسرح برودواي، وليس من الصعب تطبيق وصفه على أي سياق تجاري: "إن عمل فريق إبداعي مكون من سبعة أشخاص متساوين يسمى حرباً". ومع ذلك، هذا ما يحتاجه إنتاج مسرحية، وينتج الفنانون المسرحيات لأنهم حين يتقنونها يشعرون بحماس لا مثيل له، ويرون أن ما صنعوه له أهمية في العالم. يقول غوبنيك: "كلنا نعرف العمل الحقيقي الذي ينطوي عليه أي مجال أتقناه، إنه اختصار للفرق بين الإنجاز الحقيقي وتحقيق هدف وحسب".
يجسد غوبنيك هذه الفكرة في كتاب مرافق صغير لا يتجاوز الستين صفحة يحمل عنوان "كل ما تعنيه السعادة" (All That Happiness Is)، يشرح فيه أن تحقيق الهدف هو مجرد إكمال مهمة غالباً ما تكون مكافأتها مهمة أخرى، في حين أن الإنجاز الحقيقي هو: "النشاط الشامل الذي اخترناه، ومكافأته هي شعور قوي بالرضا والسعادة لا ينبع إلا من الانغماس في شيء يتجاوز ذواتنا". ويشير أيضاً إلى أن الإنجاز متاح للجميع؛ "في كل مشروع وكل وظيفة وكل وصفة سريعة التحضير، يمكن أن ننهي كل ما نفعله بصورة مرضية بدرجة ما". سواء كان عمل سباكة أم بناء صاروخ أم قيادة فريق، يتضمن العمل الحقيقي شيئاً من البراعة الفنية.
هل يتعلق عملك بالإنجاز الإبداعي؟ ربما لا. يشير غوبنيك إلى أن عالمنا الاجتماعي يتآمر لتقليل أهمية الإنجازات الحقيقية لصالح العمل الروتيني الرامي لتحقيق أهداف محددة". هذا أحد الأسباب التي تجعل كثيراً منا يرون الإتقان والسعادة بعيدي المنال.
فكرت في هذا خلال مشاهدتي المتواصلة للبرنامج التلفزيوني البريطاني الطويل "تصاميم عظيمة" (Grand Designs)، الذي يتابع على مدى عدة سنوات أشخاصاً يعملون على بناء منازل مصممة خصيصاً لهم. مضيف البرنامج، كيفن ماكلاود، الذي درس وتدرب في مجال التصميم والهندسة المعمارية، يدفع أصحاب المنازل لوضع رؤاهم واستراتيجياتهم وميزانياتهم وجداولهم الزمنية في وقت مبكر، وفي بعض الأحيان تغلبه ضحكته حين يرى ثقتهم الشديدة بإمكانية تحقيقها؛ إذ يواجهون كثيراً من المصاعب التي يستمتع المشاهدون بمشاهدتها، بينما يميز فيها أي شخص يرى العالم من منظور إداري كل المشكلات الإدارية النمطية: تصميم العمليات الضعيف والرؤى المتضاربة والمفاضلات الفاشلة والتكاليف الغارقة، وما إلى ذلك. ثم، بعد انتهاء نحو ثلثي العمل، تدرك أن أصحاب هذه المشاريع لا يسعون فقط لإنهاء مهمة بناء المنزل؛ بل يحاولون تحقيق إنجاز معماري. يشيد ماكلاود بنبل المسعى بغض النظر عن نتائجه، في حين أنك بصفتك مشاهداً تقدر المشروع على الرغم من تحفظاتك؛ وقد تتمنى أن تحقق شيئاً مشابهاً.
يمكن القول إن الشركات ورجال الأعمال أشبه بأصحاب المنازل في برنامج "تصاميم عظيمة" أو بالفرق التي تصنع مسرحيات برودواي الموسيقية، أو بفرانك غيري أو حتى بلاعبي الخفة المحترفين. ولكن أولاً، سيتعين عليهم الابتعاد عن تركيزهم المهووس على تحقيق الأهداف المتمثلة بالأرقام؛ زيادة صافي الربح أو الحصول على الترقية. تقوم فكرة رأسمالية أصحاب المصلحة بأكملها على أن الشركات تبنى على تصاميم أسمى، ولا أعتقد أننا جميعاً نعرف ذلك. تتعلق دراسات الحالة المفضلة لدينا بالقادة والمؤسسات التي تحاول تحقيق إنجاز حقيقي فعلاً، وأحياناً قد نقول إن رواد الأعمال فنانون بطرائقهم، خذ ستيف جوبز وأوبرا مثلاً، ولكننا نفكر في أعماقنا أنهم حالات شاذة أو ربما أساطير.
كنت ساذجاً سابقاً إذ شبهت الفن بتطوير المنتجات، فذلك لم يكن عادلاً ولا دقيقاً تماماً؛ قد يتمثل صنع الفن في وضع خططك لتقديم عرض جديد مبتكر، أو صياغة استراتيجية النمو، أو حتى بذل الجهد لبناء نموذج مالي فعال جداً. لكن هذه مجرد مهام تعمل على إنهائها وحسب. يسعى الفنانون والحرفيون لتحقيق إنجاز حقيقي، وأظن أنك تسعى لذلك أيضاً؛ فأنت لم تتخط هذه المقالة، بل قرأتها كلها، ولعلك بهذه الخطوة الصغيرة أنجزت بالفعل جزءاً من العمل الحقيقي.