كيف تنظم آبل نفسها لتحفيز الابتكار؟

17 دقيقة
ميكائيل يانسون/ترانك أركايف

عندما عاد ستيف جوبز إلى آبل، في عام 1997، كانت مؤسسة وفق هيكل تقليدي لشركة بحجمها ونطاقها. كانت مقسمة إلى وحدات أعمال، تحمل كل وحدة منها مسؤولية أرباحها وخسائرها الخاصة. وبناء على اعتقاده أن الإدارة التقليدية قد خنقت الابتكار.

  • عمد جوبز إلى تسريح المدراء العامين لوحدات ا…

تشتهر آبل بابتكاراتها في مجال الأجهزة والبرامج والخدمات، وبفضلها، نمت الشركة من نحو 8,000 موظف وإيرادات بلغت 7 مليارات دولار في عام 1997، وهو العام الذي عاد فيه ستيف جوبز، إلى 137 ألف موظف وإيرادات بلغت 260 مليار دولار في عام 2019، لكن ما لم يسلط عليه الضوء كما يجب هو التصميم التنظيمي ونموذج القيادة المرتبط به اللذان كان لهما دور حاسم في نجاح الشركة في الابتكار.

عندما عاد ستيف جوبز إلى آبل، في عام 1997، كان لديها هيكل تقليدي لشركة بحجمها ونطاقها. كانت مقسمة إلى وحدات أعمال، تحمل كل وحدة منها مسؤولية أرباحها وخسائرها الخاصة. أدار المدراء العامون مجموعة منتجات ماكنتوش، وقسم الأجهزة المعلوماتية، وقسم منتجات الخوادم، من بين أقسام أخرى. وكما هو الحال غالباً مع وحدات الأعمال اللامركزية، كانت تنشأ نزاعات كثيرة بين المدراء، خاصة حول أسعار التحويل. وبناء على اعتقاده بأن الإدارة التقليدية قد خنقت الابتكار، عمد جوبز إلى تسريح المدراء العامين لوحدات الأعمال جميعها (في يوم واحد)، ووضع الشركة بأكملها تحت ميزانية ربح وخسارة واحدة، ودمج الأقسام الوظيفية المتباينة في وحدات الأعمال وجمعها ضمن قسم واحد.

ربما لم يكن تبني هيكلية وظيفية مفاجئاً لشركة بحجم آبل آنذاك، لكن ما كان مدهشاً ومثيراً للإعجاب هو أن آبل ما زالت متمسكة بها حتى اليوم، على الرغم من أن إيرادات الشركة ازدادت بنحو 40 مرة، وتعقيداتها باتت أكثر بكثير مما كانت عليه في عام 1998. كبار نواب الرئيس المسؤولون عن الأقسام ليسوا مسؤولين عن المنتجات. كما كان الحال مع جوبز قبله، يشغل الرئيس التنفيذي تيم كوك المنصب الوحيد في الهيكل التنظيمي الذي تتقاطع عنده مسارات المنتج الرئيسي جميعها، من التصميم والهندسة إلى العمليات التشغيلية والتسويق ومبيعات التجزئة. في الواقع، بخلاف الرئيس التنفيذي، تعمل الشركة من دون المدراء العامين التقليديين، أي الذين يتحكمون في عملية كاملة بدءاً من تطوير المنتج وصولاً إلى المبيعات ويعتمد تقييمهم على بيان الربح والخسارة.

يثبت تاريخ الأعمال والنظرية التنظيمية أنه مع نمو الشركات الريادية وزيادة تعقيدها، يجب عليها الانتقال من الهيكلية الوظيفية إلى هيكلية قائمة على الأقسام المتعددة المنفصلة من أجل ضمان مواءمة المسؤوليات مع الصلاحيات ومنع نقاط الاختناق التي تنشأ عندما تتدفق قرارات لا حصر لها من أنحاء المؤسسة جميعها نحو القيادة. من خلال منح قادة وحدات الأعمال السيطرة الكاملة على الوظائف الرئيسية، تصبح لديهم القدرة على اتخاذ أفضل الإجراءات لتلبية احتياجات عملاء وحداتهم الفردية وتعظيم نتائجهم، كما يتمكن المسؤولون التنفيذيون المشرفون عليهم من تقييم أدائهم. وثق مؤرخ كلية هارفارد للأعمال ألفريد تشاندلر أن شركات أميركية مثل دوبونت وجنرال موتورز انتقلت من الهيكلية الوظيفية إلى هيكلية متعددة الأقسام في أوائل القرن العشرين. وبحلول النصف الثاني من القرن، اتبعت الغالبية العظمى من الشركات الكبرى النهج نفسه. تثبت آبل أن هذا النهج التقليدي ليس ضرورياً وأن الهيكلية الوظيفية قد تفيد الشركات التي تواجه تغييراً تكنولوجياً هائلاً واضطراباً في القطاع الذي تعمل ضمنه.

التزام آبل بهيكلية وظيفية لا يعني أن هيكلها الإداري ظل ثابتاً، بل تغير مع تزايد أهمية الذكاء الاصطناعي والمجالات الجديدة الأخرى. نناقش في هذا المقال فوائد الابتكار والتحديات التي يفرضها النموذج التنظيمي المميز والمتطور باستمرار في شركة آبل على قادتها، ما قد يكون مفيداً للأفراد والشركات التي ترغب في تعميق فهمها لطرق النجاح في البيئات السريعة التغير.

لماذا نختار الهيكلية الوظيفية؟

الغاية الرئيسية لشركة آبل هي إنشاء منتجات تثري حياة الناس اليومية، لا ينحصر ذلك في تطوير فئات منتجات جديدة بالكامل، مثل الآيفون وساعة آبل، بل يشمل أيضاً الابتكار المستمر داخل تلك الفئات. خير مثال على الميزة التي تعكس التزام آبل بالابتكار المستمر هو كاميرا الآيفون؛ فعندما طرح جهاز الآيفون في عام 2007، خصص ستيف جوبز 6 ثوان فقط لكاميرته في الكلمة الرئيسية السنوية للكشف عن المنتجات الجديدة. منذئذ، أسهمت تقنية كاميرا الآيفون بسيل من الابتكارات في قطاع التصوير الفوتوغرافي: التصوير العالي النطاق الديناميكي (2010)، والصور البانورامية (2012)، وتكنولوجيا الإضاءة "ترو تون" (2013)، وتثبيت الصورة البصري (2015)، والكاميرا المزدوجة العدسة (2016)، ووضع البورتريه (2016)، وإضاءة البورتريه (2017)، والوضع الليلي (2019) هي مجرد أمثلة قليلة على التحسينات.

يحتاج قادة آبل إلى الخبرة العميقة والانغماس في التفاصيل والنقاش التعاوني

ولإنشاء مثل هذه الابتكارات، تعتمد آبل على هيكلية تتمحور حول الخبرة الوظيفية، فاعتقادها الأساسي هو أن من يملكون أكبر قدر من الخبرة والمعرفة في مجال ما يجب أن تكون لهم حقوق اتخاذ القرار فيه. يعتمد هذا على وجهتي نظر: أولاً، تتنافس آبل في أسواق تشهد مستوى عالياً من الزعزعة والتغير التكنولوجي، لذا يجب أن تعتمد على حكمة وبصيرة الأشخاص الذين لديهم معرفة عميقة بالتكنولوجيات المسؤولة عن هذه الزعزعة. قبل وقت طويل من الحصول على ملاحظات السوق وتوقعاتها الدقيقة، يجب على الشركة أن تجازف وتعتمد التكنولوجيات والتصاميم التي يرجح أن تنجح في الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر وما إلى ذلك، والاعتماد على الخبراء التقنيين بدلاً من المدراء العامين يزيد احتمالات نجاحها في هذه المجازفات.

ثانياً، إذا كانت أهداف الربح والتكلفة القصيرة الأجل هي معايير شركة آبل الأساسية للحكم على الاستثمارات والقادة، فذلك سيقوض التزامها بتقديم أفضل المنتجات على الإطلاق. ولذا تستند مكافآت كبار المسؤولين التنفيذيين في البحث والتطوير إلى أرقام الأداء على مستوى الشركة بدلاً من تكاليف منتجات معينة أو إيراداتها، وبالتالي تبقى قرارات المنتج معزولة إلى حد ما عن الضغوط المالية القصيرة الأجل. فريق المالية لا يشارك في اجتماعات فرق الهندسة المتعلقة بخطة المنتج، وفرق الهندسة لا تشارك في قرارات التسعير.

لا نقصد الإيحاء بأن آبل لا تأخذ التكاليف وأهداف الإيرادات في الاعتبار عند تحديد التكنولوجيات والميزات التي ستسعى لتحقيقها، وإنما تدرسها بطرق تختلف عن الطرق المتبعة في الشركات ذات التنظيم التقليدي. بدلاً من اعتبار التكلفة الإجمالية وأهداف الأسعار معايير ثابتة تقيد خيارات التصميم والهندسة، يتوقع من قادة البحث والتطوير الموازنة بين الفوائد التي تحققها هذه الخيارات للمستخدمين واعتبارات التكلفة.

في الهيكلية الوظيفية، تمثل سمعة الأفراد والفرق آلية للتحكم في المخاطرة المدروسة. ومن الأمثلة على ذلك قرار إدخال الكاميرا المزدوجة مع وضع البورتريه في آيفون 7 بلس عام 2016؛ إذ تمثلت المجازفة الخطيرة في تبرير كلفة الكاميرا العالية بأثرها الكبير المحتمل على المستخدمين.

أخبرنا أحد المسؤولين التنفيذيين أن بول هوبل، وهو قائد كبير كان له دور محوري في جهود إدخال وضع البورتريه في الكاميرا، كان "يتجاوز حدود إمكاناته"، ما يعني أنه هو وفريقه كانوا يخوضون مجازفة خطيرة: إذا لم يكن المستخدمون على استعداد لدفع مبلغ إضافي مقابل هاتف بكاميرا أغلى وأفضل، فمن المرجح أن يفقد الفريق مصداقيته حين يقترح ترقية أو ميزة باهظة الثمن مرة أخرى. تبين لاحقاً أن الكاميرا كانت ميزة مميزة لهاتف آيفون 7 بلس، وعزز نجاحها سمعة هوبل وفريقه أكثر.

تصبح الموازنة بين الاهتمام بالتكاليف والقيمة المضافة لتجربة المستخدم أسهل حين يتمتع القادة الذين يتخذون القرارات بخبرة عميقة في مجالاتهم، مقارنة بالمدراء العامين المسؤولين على نحو أساسي عن تحقيق أهداف واضحة بالأرقام. في حين أن المبدأ الأساسي لهيكلية وحدة الأعمال التقليدية هو مواءمة المسؤوليات مع الصلاحيات، فالمبدأ الأساسي للهيكلية الوظيفية هو مواءمة الخبرة مع حقوق اتخاذ القرار.

وهكذا فإن الرابط بين أسلوب تنظيم شركة آبل ونوع الابتكارات التي تنتجها واضح. يشتهر تشاندلر بقوله: "الهيكلية تتبع الاستراتيجية"، لكن آبل لم تعتمد الهيكلية التي توقعها للشركات الكبرى المتعددة الجنسيات.

لننتقل الآن إلى نموذج القيادة الذي تقوم عليه هيكلية آبل.

ثلاث سمات قيادية

منذ أن طبق ستيف جوبز الهيكلية الوظيفية، كان يتوقع من مدراء آبل على المستويات كلها، من نائب الرئيس الأول فما دون، أن يمتلكوا 3 خصائص قيادية رئيسية: خبرة عميقة تسمح لهم بالمشاركة بفعالية في عمل أقسامهم بالكامل، والانغماس في تفاصيل تلك الأقسام، والاستعداد للمناقشة التعاونية مع الأقسام الأخرى عند اتخاذ القرارات الجماعية. عندما يمتلك المدراء هذه الصفات، تسير عملية صنع القرار على نحو منسق ويشارك فيها الأشخاص المؤهلون لها.

الخبرة العميقة:

آبل ليست شركة يشرف فيها المدراء العامون على المدراء، بل هي شركة يقود فيها الخبراء خبراء آخرين. يقوم الافتراض على أن تدريب الخبير ليصبح مديراً أسهل من تدريب المدير ليصبح خبيراً؛ وفي آبل، يعمل خبراء الأجهزة على إدارة الأجهزة، ويعمل خبراء البرامج على إدارة البرامج، وهكذا (نادراً ما يخرج التنظيم عن هذا النمط). وهذا النهج متبع في مستويات المؤسسة جميعها والمجالات المتخصصة المتزايدة. يعتقد قادة شركة آبل أن أصحاب المواهب العالمية المستوى يرغبون في العمل مع أفراد مكافئين لهم وفي مجال تخصصهم نفسه؛ إنه أشبه بالانضمام إلى فريق رياضي حيث تتعلم وتلعب مع أفضل الرياضيين.

منذ مراحل مبكرة، تبنى ستيف جوبز فكرة أن يكون المدراء في شركة آبل خبراء في مجال إدارتهم، ففي مقابلة عام 1984، قال: "لقد مررنا بمرحلة في آبل فكرنا في أنها ستصبح شركة كبيرة، وأن علينا توظيف فريق إداري محترف، وهذا ما حصل بالفعل. لكنه فشل فشلاً ذريعاً؛ فهؤلاء الإداريون يعرفون كيف يؤدون المهام الإدارية، لكنهم لا يعرفون شيئاً سوى ذلك. إذا كنت شخصاً ناجحاً، فلماذا ترغب بالعمل تحت قيادة شخص لا يمكنك تعلم أي شيء منه؟ هل تعرف من هم أفضل المدراء؟ إنهم الأفراد العظماء الذين لا يريدون أن يكونوا مدراء على الإطلاق، لكنهم يرون أن عليهم أن يكونوا كذلك لأنه لا يوجد أحد قادر على أداء المهمة مثلهم.

أحد الأمثلة الحالية هو روجر روزنر، الذي يرأس قسم تطبيقات البرامج في شركة آبل، وهو يشمل تطبيقات الإنتاجية مثل تطبيق "بيجز" (معالجة النصوص)، وتطبيق "نمبرز" (جداول البيانات)، وتطبيق "كي نوت" (العروض التقديمية) بالإضافة إلى تطبيق "كراج باند" (تأليف الموسيقى)، وتطبيق "آي موفي" (تحرير الأفلام)، وتطبيق "نيوز" (محتوى إخباري). انضم روزنر، الذي درس الهندسة الكهربائية في جامعة كارنيغي ميلون، إلى آبل في عام 2001 مديراً أول لقسم الهندسة، وترقى ليصبح مدير تطبيقات "آي وورك"، ونائب رئيس تطبيقات الإنتاجية، ومنذ عام 2013 نائب رئيس التطبيقات. روزنر هو خبير يقود خبراء، إذ اكتسب خبرته العميقة من عمله سابقاً مديراً لقسم الهندسة في العديد من شركات البرمجيات الأصغر.

في الهيكلية الوظيفية، تعني قيادة الخبراء للخبراء الآخرين أن المتخصصين يشكلون مجموعة قوية في مجال معين، حيث يتعلم بعضهم من بعض. على سبيل المثال، يعمل أكثر من 600 خبير في شركة آبل في تكنولوجيا أجهزة الكاميرات ضمن مجموعة يقودها غراهام تاونسند، وهو خبير في الكاميرات. نظراً لأن أجهزة آيفون وآيباد وأجهزة الكمبيوتر المحمولة وأجهزة الكمبيوتر المكتبية تتضمن جميعها كاميرات، فهؤلاء الخبراء كانوا سيوزعون على خطوط الإنتاج المختلفة لو كانت شركة آبل تعتمد هيكلية قائمة على وحدات العمل المنفصلة، وكان ذلك سيؤدي إلى إضعاف خبراتهم الجماعية، ما يقلل قدرتهم على حل المشكلات وتوليد الابتكارات وصقلها.

الانغماس في التفاصيل:

أحد المبادئ التي تسود شركة آبل هو: "يجب على القادة معرفة تفاصيل مؤسساتهم حتى ثلاثة مستويات إدارية أدنى منهم"، لأن ذلك ضروري لاتخاذ قرارات فعالة وسريعة بين الأقسام المختلفة على أعلى المستويات. إذا حضر المدراء اجتماعاً لاتخاذ قرار دون توفر التفاصيل لديهم، فإما أن يتخذوا قراراً دون مراعاة التفاصيل وإما أن يؤجلوه. يروي المدراء قصصاً عن المعارك التي يخوضونها عند إلقاء عروض تقديمية أمام كبار القادة الذين يتعمقون في خلايا جدول بيانات، أو أسطر التعليمات البرمجية، أو نتائج اختبار منتج.

بالطبع، يصر قادة العديد من الشركات على أنهم وفرقهم منغمسون في التفاصيل، لكن قلة من المؤسسات تضاهي آبل في الانغماس الفعال في التفاصيل. خذ مثلاً اهتمام كبار قادتها البالغ بالشكل الدقيق للزوايا المستديرة للمنتجات؛ الطريقة القياسية لتدوير الزوايا هي استخدام قوس دائري لربط الجوانب المتعامدة في جسم مستطيل، ما ينتج عنه انتقال مفاجئ إلى حد ما من الخط المستقيم إلى المنحني. لكن قادة آبل يصرون على منحنيات مستمرة، ما ينتج عنه شكل يعرف في مجتمع التصميم باسم "المربع الدائري"، إذ يبدأ الانحدار مبكراً لكنه أقل حدة. من مزايا المنتجات الصلبة التي تخلو من الانكسارات الحادة في الانحناء أنها تولد انعكاسات ضوئية أنعم؛ أي إن الضوء لا يقفز أو ينكسر فجأة عند الزوايا، بل ينتقل بسلاسة. الفرق دقيق، وتنفيذه ليس مجرد مسألة صيغة رياضية أكثر تعقيداً، بل يتطلب من قادة العمليات في آبل الالتزام بدقة تصنيع متناهية لإنتاج ملايين أجهزة آيفون وغيرها من المنتجات ذات الزوايا المربعة الدائرية. هذا الانغماس العميق في التفاصيل ليس مجرد اهتمام يلقى على عاتق الأشخاص في المستويات الأدنى؛ بل هو أمر أساسي على مستوى القيادة.

إن وجود قادة خبراء في مجالاتهم ويمكنهم التعمق في التفاصيل له آثار عميقة على أسلوب إدارة شركة آبل. فهم قادرون على المتابعة الحثيثة واستكشاف مواضع الخلل والعثور عليها، وهم يعرفون التفاصيل المهمة وأين يجب أن يركزوا انتباههم. يرى العديد من الأشخاص في شركة آبل أن العمل تحت قيادة خبراء يمنحهم شعوراً بالحرية، ويعزز حماستهم، حيث يقدمون توجيهاً وإرشاداً أفضل مما قد يقدمه المدير العام، وبذلك يسعى الجميع معاً لبذل أفضل ما لديهم في مجالهم المختار.

الاستعداد للنقاش التعاوني:

تمتلك آبل مئات الفرق المتخصصة في أنحاء الشركة جميعها، وقد تحتاج إلى تعاون عشرات منها من أجل صنع مكون واحد رئيسي في منتج جديد. على سبيل المثال، تطلبت الكاميرا ذات العدستين مع وضع البورتريه تعاون ما لا يقل عن 40 فريقاً متخصصاً: تصميم السيليكون، وبرمجيات الكاميرا، وهندسة الموثوقية، وأجهزة استشعار الحركة، وهندسة الفيديو، والحركة الأساسية، وتصميم مستشعرات الكاميرا، على سبيل المثال لا الحصر. كيف تتمكن آبل من صنع منتجات تتطلب هذا القدر من التنسيق وشحنها؟ الإجابة هي النقاش التعاوني. نظراً لعدم وجود قسم واحد مسؤول عن منتج أو خدمة بمفردها، فالتعاون بين الأقسام المتعددة بالغ الأهمية.

عندما تصل المناقشات إلى طريق مسدود، كما يحدث حتماً في بعضها، يتدخل المدراء أصحاب المستويات الأعلى باعتبارهم صانعي قرار، بمن فيهم أحياناً الرئيس التنفيذي وكبار نوابه؛ ولذلك يعد التدخل السريع مع الاهتمام الكافي بالتفاصيل تحدياً حتى لأفضل القادة، ما يزيد أهمية شغل المناصب العليا بأفراد من نواب الرئيس الذين يتمتعون بالخبرة الكافية بطرق عمل الشركة.

ولكن، نظراً لحجم آبل ونطاق عملها، لا يمكن حتى للفريق التنفيذي حل سوى عدد محدود من الحالات التي يستعصي فيها اتخاذ القرار. نظراً لعلاقات الترابط الأفقية المتعددة ضمن هيكلية الشركة، تؤدي العلاقات غير الفعالة بين الأقران على مستوى نواب الرئيس والمدراء إلى تقويض المشاريع، بل الشركة بأكملها. وبالتالي، لا بد لمن يرغب بالوصول إلى منصب قيادي مستدام في أحد الأقسام أن يكون قادراً على التعاون مع أقرانه بفعالية.

هذا لا يعني منع الأفراد من التعبير عن وجهات نظرهم؛ فالقائد مطالب بامتلاك آراء قوية ومستنيرة والدفاع عنها، ولكن يجب أن يكون مستعداً لتغيير رأيه إذا ثبت أن الآراء الأخرى أفضل. بالطبع، ذلك ليس سهلاً دائماً؛ وكي يتمسك القائد برأيه ويكون منفتحاً على آراء الآخرين في آن معاً، لا بد له من أمرين: الأول هو امتلاك فهم عميق لقيم الشركة وغايتها المشتركة والتفاني في العمل على تحقيقها، أما الثاني فهو الالتزام بفصل صحة المسار عن صعوبته؛كي لا تكون صعوبة تنفيذ القرار سبباً لتجنبه.

يوضح تطوير وضع البورتريه في الآيفون اهتماماً شديداً بالتفاصيل على مستوى القيادة، ونقاشاً تعاونياً مكثفاً بين الفرق، وقوة هدف مشترك لتوجيه النقاشات والتوصل إلى الحلول في النهاية. في عام 2009، راودت هوبل فكرة تطوير ميزة في الآيفون تسمح للمستخدم بالتقاط صور بورتريه مع تأثير بوكيه، وهو مصطلح ياباني يشير إلى التغبيش الفني للخلفية، ويعتبره خبراء التصوير الفوتوغرافي عموماً من أعلى مستويات الجودة. في ذلك الوقت، لم تكن سوى الكاميرات باهظة الثمن ذات العدسة الواحدة الانعكاسية قادرة على التقاط مثل هذه الصور، لكن هوبل اعتقد أنه بتصميم العدسة المزدوجة وتقنيات التصوير الحاسوبي المتقدمة، يمكن لشركة آبل إضافة هذه القدرة في كاميرا جهاز الآيفون. تتوافق فكرته على نحو جيد مع الغرض المعلن لفريق الكاميرا: "مساعدة عدد أكبر من الناس على التقاط صور أفضل في مناسبات أكثر".

بينما عمل الفريق على تحويل هذه الفكرة إلى واقع، ظهرت عدة تحديات. أسفرت المحاولات الأولى عن بعض صور البورتريه المذهلة، ولكن أيضاً عن عدد من "حالات الفشل" حين لم تتمكن الخوارزمية من التمييز بين ما يجب أن يظهر في مركز الصورة بوضوح (وجه، على سبيل المثال) والخلفية المغبشة. على سبيل المثال، في حال تصوير وجه شخص يقف وراء شبك معدني ذي فتحات سداسية، لا تتمكن الخوارزمية من التقاط أسلاك الشبك التي تقع بجانب الوجه بوضوح مثل الأسلاك التي تظهر أمامه في مركز الصورة؛ فتتداخل الأسلاك الجانبية مع الخلفية المغبشة.

قد يتساءل البعض عن أهمية هذا الشبك المعدني، فهذه الحالات نادرة جداً؛ ولكن بالنسبة للفريق، ينتهك تجاوز الحالات النادرة أو المتطرفة معيار الهندسة الصارم لشركة آبل المتمثل في عدم وجود "عيوب"؛ أي تغيير غير مرغوب فيه أو غير مقصود في البيانات يدخل إلى عملية رقمية بواسطة تقنية و(أو) تكنولوجيا معنية. تتحدث نائبة رئيس قسم برمجيات المستشعرات ونماذج تجربة المستخدم الأولية، مايرا هاغرتي، التي أشرفت على فرق البرامج الثابتة والخوارزميات، عن أن الحالات النادرة هذه أثارت الكثير من المناقشات الصعبة بين فريق الكاميرا والفرق الأخرى المعنية. فقرر نائب الرئيس الذي كان فريق برمجيات الكاميرا تابعاً له، سيباستيان مارينو-ميس، تأجيل إصدار الميزة حتى العام التالي لمنح الفريق وقتاً أطول لمعالجة حالات الفشل، وكان ذلك حسب قول هوبر أمراً يصعب تقبله.

للتوصل إلى درجة من التوافق بشأن معايير الجودة، دعا فريق الهندسة كبار قادة التصميم والتسويق إلى اجتماع، معتقدين أنهم سيقدمون منظوراً جديداً، فأضفى قادة التصميم حساً فنياً إضافياً على النقاش، متسائلين: "ما الذي يجعل الصورة الشخصية جميلة؟" للمساعدة في إعادة تقييم معيار "الصور الخالية من العيوب"، عمدوا إلى جمع صور من مصوري البورتريه المتميزين، ومما لاحظوه أن حواف الوجه غالباً ما تكون مغبشة في حين يكون مركز الوجه واضحاً مع العينين. لذلك، كلفت فرق الخوارزميات بتحقيق التأثير نفسه، وعندما نجحت اعتبروا هذا الأثر معياراً مقبولاً.

برزت قضية أخرى تمثلت في القدرة على معاينة صورة البورتريه بالخلفية المغبشة قبل التقاطها؛ إذ كان فريق الكاميرا قد صمم الميزة بحيث يمكن للمستخدم رؤية التأثير في الصور بعد التقاطها فقط، لكن فريق تصميم واجهة المستخدم الإنسانية عارض ذلك وأصر على ضرورة أن يتمكن المستخدم من رؤية "معاينة حية" ويحصل على بعض الإرشادات ليجري التعديلات قبل التقاط الصورة. قدم عضو فريق تصميم واجهة المستخدم الإنسانية، جوني مانزاري، عرضاً توضيحياً لفريق الكاميرا. قال تاونسند: "عندما رأينا العرض التوضيحي، أدركنا أن هذا هو ما يجب علينا فعله". لم يكن أعضاء فريق أجهزة الكاميرا الذي يقوده تاونسند واثقين من قدرتهم على تحقيق ذلك، لكن الصعوبة لم تكن عذراً مقبولاً للفشل في تقديم تجربة مستخدم ستكون متفوقة بلا شك. بعد أشهر من الجهد الهندسي، توصل أحد الفرق الرئيسية المعنية، وهو فريق هندسة الفيديو (المسؤول عن البرامج المنخفضة المستوى التي تتحكم في عمليات المستشعرات والكاميرا)، إلى طريقة لتنفيذ الميزة، وقد أثمر التعاون بالفعل؛ وكان وضع البورتريه محورياً في تسويق آبل لهاتف آيفون 7 بلس، وأثبت أنه سبب رئيسي لاختيار المستخدمين شراء الهاتف والاستمتاع باستخدامه.

يوضح هذا المثال أن النقاش التعاوني في شركة آبل يضم أفراداً من مختلف الأقسام يعارض بعضهم أفكار بعض ويتحدونها، وقد يروجونها أو يرفضونها أو يبنون عليها للتوصل إلى أفضل الحلول. يتطلب الأمر انفتاحاً من كبار القادة، ويفرض عليهم تحفيز زملائهم في مجالات أخرى وحثهم على الإسهام في تحقيق أهدافهم.

بينما يعود الفضل في روعة الكاميرا لتاونسند، فقد احتاج تطويرها إلى إسهام عشرات الفرق الأخرى بوقتها وجهدها في مشروع تطوير وضع البورتريه، على الرغم من قوائم التزاماتها الطويلة. في آبل، يعرف هذا النهج بالمساءلة دون سيطرة: أنت مسؤول عن نجاح المشروع على الرغم من أنك لا تتحكم في الفرق الأخرى جميعها. قد تكون هذه العملية معقدة ولكنها قد تولد نتائج رائعة. حالة التعقيد الحميدة هي أن تعمل فرق مختلفة لتحقيق هدف مشترك، كما هي الحال في مشروع تطوير وضع البورتريه؛ أما حالة التعقيد الهدام فهي أن يركز كل فريق على تنفيذ خطته على حساب الأهداف المشتركة. والأفراد الذين يرتبطون بالتعقيد الهدام ولا يغيرون سلوكهم أو لا يستطيعون تغييره يستبعدون من المناصب القيادية، إن لم يكن من شركة آبل بأكملها.

القيادة على نطاق واسع

لقد أدت طريقة تنظيم شركة آبل إلى ابتكارات ونجاحات هائلة على مدار العقدين الماضيين. لكن ذلك لم يخل من التحديات، خاصة مع تزايد الإيرادات وعدد الموظفين بدرجة كبيرة منذ عام 2008.

ومع نمو الشركة، ودخولها أسواقاً جديدة وانتقالها إلى تكنولوجيات جديدة، كان من الضروري تطوير هيكليتها الوظيفية ونموذج قيادتها. كان تحديد كيفية تنظيم مجالات الخبرة لتمكين التعاون واتخاذ القرارات السريعة على أفضل وجه مسؤولية مهمة للرئيس التنفيذي. تشمل التعديلات التي طبقها تيم كوك في السنوات الأخيرة تقسيم قسم الأجهزة إلى وحدتي هندسة الأجهزة وتكنولوجيات الأجهزة؛ وإضافة الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي باعتباره مجالاً وظيفياً؛ ونقل واجهة المستخدم الإنسانية من وحدة البرمجيات لدمجها في وحدة التصميم الصناعي، ما يشكل قسم تصميم متكاملاً.

يشكل النمو التنظيمي تحدياً آخر يتمثل في الضغط على المئات من نواب الرئيس والمدراء التابعين لفريق الإدارة التنفيذية. إذا حددت شركة آبل حجم قسم أحد كبار القادة أو نطاقه من أجل تقليل عدد التفاصيل التي تقع تحت مسؤولية القائد ونطاقها، فستحتاج إلى زيادة عدد كبار القادة بدرجة كبيرة، ما يجعل استدامة التعاون الناجح في الشركة مستحيلة.

آبل بارك، المقر الرئيسي لشركة آبل في كوبرتينو بولاية كاليفورنيا، افتتح عام 2017. ميكائيل يانسون/ترانك أركايف

ولأن آبل أدركت المشكلة، فقد كانت شديدة الالتزام بالحد من عدد المناصب العليا لتقليل عدد القادة المشاركين في النشاطات المشتركة بين الأقسام المختلفة. في عام 2006، العام الذي سبق إطلاق جهاز الآيفون، كان لدى الشركة نحو 17 ألف موظف؛ وبحلول عام 2019، نما هذا العدد بأكثر من ثمانية أضعاف، ليصل إلى 137 ألف موظف، وتضاعف عدد نواب الرئيس تقريباً، من 50 إلى 96. النتيجة الحتمية هي إدارة كبار القادة فرقاً أكبر وأكثر تنوعاً من الخبراء، ما يعني إشرافهم على تفاصيل أكثر وإضافة مجالات جديدة إلى مسؤولياتهم تقع خارج نطاق خبرتهم الأساسية.

رداً على ذلك، عمل العديد من مدراء آبل على مدى السنوات الخمس الماضية تقريباً على تطوير نهج القيادة الموصوف أعلاه: خبراء يقودون خبراء، والانغماس في التفاصيل، والنقاش التعاوني. سجلنا هذه التكيفات فيما نسميه "نموذج القيادة التقديرية"، الذي دمجناه في برنامج تعليمي جديد لكبار نواب الرئيس والمدراء في شركة آبل، وهدفنا منه هو معالجة التحدي المتمثل في جعل نهج القيادة هذا يحفز الابتكار في مجالات الشركة جميعها، وليس فقط في تطوير المنتجات، على نطاق متزايد وباستمرار.

عندما كانت آبل أصغر حجماً، ربما كان من المنطقي توقع أن يكون القادة خبراء ومتعمقين في تفاصيل كل ما يحدث في مؤسساتهم تقريباً. لكنهم الآن بحاجة إلى ممارسة قدر أكبر من التقدير فيما يتعلق بمكان قضاء وقتهم وكيفيته إضافة إلى جهودهم. يجب عليهم تحديد الأنشطة التي تتطلب اهتمامهم الكامل بالتفاصيل لأنها تخلق أكبر قيمة لشركة آبل؛ بعضها سيندرج ضمن خبراتهم الأساسية الحالية (التي ما يزالون بحاجة إلى امتلاكها)، والبعض الآخر سيتطلب منهم تعلم مجالات خبرة جديدة. يمكن تفويض المهام التي تتطلب اهتماماً أقل من القائد للآخرين (وسيقوم القادة إما بتعليم الآخرين وإما بتفويضهم في الحالات التي لا يكونون فيها خبراء).

يقدم نائب الرئيس للتطبيقات، روزنر، مثالاً جيداً. مثل العديد من مدراء آبل الآخرين، كان عليه التعامل مع ثلاثة تحديات ناتجة عن النمو الهائل للشركة. أولاً، شهد قسمه على مدار العقد الماضي زيادة هائلة في عدد الموظفين (من 150 إلى نحو ألف) وعدد المشاريع قيد التنفيذ في أي وقت معين؛ من الواضح أنه لا يستطيع الخوض في تفاصيل تلك المشاريع كلها. ثانياً، اتسع نطاق محفظة منتجات قسمه؛ على مدى السنوات العشر الماضية، تولى مسؤولية تطبيقات جديدة، بما فيها تطبيق "نيوز" للأخبار، وكليبس لتحرير مقاطع الفيديو، وبوكس للكتب الإلكترونية، وفاينال كت برو لتحرير الفيديو المتقدم. على الرغم من أن التطبيقات هي مجال خبرته الأساسي، فبعض جوانبها، ومنها المحتوى التحريري للأخبار وكيفية نشر الكتب وتحرير الفيديو، يتضمن أموراً ليس لديه خبرة فيها. أخيراً، مع توسع محفظة منتجات آبل وعدد مشاريعها، أصبح التنسيق مع الأقسام الأخرى مطلوباً أكثر، ما زاد تعقيد التعاون عبر وحدات العمل المتعددة. على سبيل المثال، بينما يقع على عاتق روزنر الجانب الهندسي لتطبيق "نيوز"، يشرف مدراء آخرون على نظام التشغيل الذي يعتمد عليه، والمحتوى، والعلاقات التجارية مع منشئي المحتوى (مثل نيويورك تايمز) والمعلنين.

ولذلك عدل روزنر دوره؛ وبصفته خبيراً يقود خبراء آخرين، فقد انغمس في التفاصيل، خاصة المتعلقة بالجوانب البنيوية من التطبيقات وتصميمها، والتي تؤثر في كيفية تفاعل المستخدمين مع برمجياتها. كما تعاون مع المدراء في أنحاء الشركة جميعها في مشاريع شملت تلك المجالات.

ولكن مع توسع مسؤولياته، نقل بعض المهام، ومنها تطبيقات الإنتاجية التقليدية مثل "كي نوت" و"بيجز"، من مجموعة الخبرات التي يمتلكها إلى مجموعة الخبرات التي يعلمها للآخرين؛ والآن يعمل على توجيه زملائه في الفريق وتقديم الملاحظات لهم كي يتمكنوا من تطوير تطبيقات البرامج وفقاً لمعايير شركة آبل. لا يعني عمل روزنر بالتدريس أنه يقدم تعليمات على السبورة البيضاء؛ بل يقدم انتقادات قوية لعمل فريقه نابعة من شغفه الشديد (من الواضح أن المدراء العامين الذين يفتقرون إلى خبرته الأساسية سيجدون صعوبة في تعليم ما لا يعرفونه).

تمثل التحدي الثاني لروزنر في إضافة أنشطة تتجاوز خبرته الأصلية. قبل 6 سنوات، أسندت إليه مسؤولية هندسة تطبيق "نيوز" وتصميمه، ونتيجة لذلك، كان عليه أن يتعلم عن نشر المحتوى الإخباري عبر تطبيق لفهم المنشورات الإخبارية، والإعلانات الرقمية، والتعلم الآلي لتخصيص المحتوى الإخباري، وهندسة الخصوصية، وكيفية تحفيز الناشرين. وهكذا وقع بعض عمله ضمن مجموعة الخبرات التي يعمل على تعلمها. يمر المدراء هنا بمرحلة تعلم مكثفة لاكتساب مهارات جديدة، ونظراً لمدى صعوبة ذلك، يجب أن تندرج الأنشطة الجديدة المهمة فقط في هذه الفئة. على مدى ست سنوات من التعلم المكثف، أتقن روزنر بعض هذه المجالات، التي أصبحت الآن ضمن مجموعة الخبرات التي يمتلكها.

ما دام النشاط في مرحلة التعلم، يجب على القادة تبني عقلية المبتدئ، وطرح الأسئلة على المرؤوسين بطريقة توحي بأنهم لا يعرفون الإجابة بالفعل (لأنهم لا يعرفونها). هذا النهج شديد الاختلاف عن طريقة طرح القادة الأسئلة على مرؤوسيهم حول النشاطات التي تقع ضمن التفاصيل المسؤولين عنها والخبرات التي يعلمونها للآخرين.

أخيراً، فوض روزنر بعض المجالات، ومنها تطبيقا "آي موفي" و"كراج باند" اللذان لا يملك الخبرة فيهما، إلى أشخاص يتمتعون بالقدرات المطلوبة. بالنسبة للأنشطة في مجموعة التفويض، يعمل روزنر على تجميع الفرق والاتفاق مع أفرادها على الأهداف، ويراقب التقدم ويراجع الأداء ويحاسب الفرق: هذه هي أساسيات الإدارة العامة.

بينما يقضي نواب رئيس شركة آبل معظم وقتهم في العمل على مجموعات الخبرات التي يمتلكونها ومجموعات الخبرات التي يتعلمونها، يقضي المدراء العامون في الشركات الأخرى في تفويض الأنشطة. يقدر روزنر أنه يقضي نحو 40% من وقته في أنشطة ضمن مجموعة الخبرات التي يمتلكها (بما فيها التعاون مع الآخرين في مجال معين)، ونحو 30% في مجموعة الخبرات التي يتعلمها، ونحو 15% في مجموعة الخبرات التي يعلمها للآخرين، ونحو 15% في أنشطة التفويض. تختلف هذه الأرقام حسب المدير بالطبع، اعتماداً على أعماله واحتياجاته في وقت معين.

يحافظ نموذج القيادة التقديرية على المبدأ الأساسي للهيكلية الوظيفية الفعالة على نطاق واسع؛ مواءمة الخبرة مع حقوق اتخاذ القرار. يمكن لشركة آبل أن تنتقل بفعالية إلى مجالات جديدة عندما يتولى قادة مثل روزنر مسؤوليات جديدة خارج نطاق خبراتهم الأصلية، ويمكن للفرق أن تنمو في الحجم عندما يعلم القادة الآخرين حرفتهم ويفوضون العمل. نعتقد أن آبل ستواصل الابتكار والازدهار من خلال التنظيم بهذه الطريقة.

الهيكلية الوظيفية لشركة آبل نادرة، بل فريدة، بين الشركات الكبيرة جداً. يتعارض هذا مع نظرية الإدارة السائدة بأن الشركات يجب أن تعاد هيكلتها إلى أقسام ووحدات عمل متعددة مع تزايد حجمها. لكن عنصراً حيوياً يضيع في التحول إلى الهيكلية القائمة على وحدات العمل المتعددة المنفصلة؛ وهو مواءمة الخبرة مع حقوق اتخاذ القرار.

لماذا تتمسك الشركات في كثير من الأحيان بتعيين مدراء عامين لإدارة وحدات العمل المنفصلة؟ أحد الأسباب، في اعتقادنا، هو أن التغيير صعب؛ وهو يتضمن التغلب على القصور الذاتي، وإعادة توزيع السلطة بين المدراء، وتغيير نظام الحوافز الموجه للفرد، وتعلم طرق جديدة للتعاون. ويكون هذا شاقاً عندما تواجه الشركة بالفعل تحديات خارجية هائلة. قد تكون ثمة خطوة وسيطة هي تعزيز نموذج "الخبراء يقودون الخبراء" حتى ضمن الهيكلية القائمة على وحدات العمل. على سبيل المثال، عندما ترغب في شغل منصب إداري رفيع المستوى، اختر شخصاً يتمتع بخبرة عميقة في المجال بدلاً من شخص قد يكون أفضل مدير عام. لكن التحول الكامل يتطلب أن ينتقل القادة بعقلياتهم أيضاً إلى الهيكلية الوظيفية. سجل آبل الحافل بالنجاحات يثبت أن المكاسب قد تبرر المخاطر، ويمكن لنهجها أن ينتج نتائج استثنائية.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2025.

المحتوى محمي