قواعد التعاون مع المنافسين

18 دقيقة
قواعد التعاون مع المنافسين
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

صارت الأطراف المتنافسة أكثر إقبالاً على العمل المشترك أكثر من أي وقت مضى، وهذه هي طريقة حساب المخاطر والمكاسب.

ارتبط الهبوط على سطح القمر في مخيلتنا منذ أكثر من خمسين عاماً بالتنافس الشرس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في أعنف صوره. لكن الحقيقة أن استكشاف الفضاء قد بدأ على ما يبدو في مناخ يسوده التعاون البيني، فقد اقترح الرئيس جون كينيدي تنفيذ رحلة استكشافية مشتركة إلى القمر عندما التقى خروتشوف عام 1961، وكرر اقتراحه خلال كلمته التي ألقاها في الأمم المتحدة عام 1963. صحيح أن هذا المقترح لم يقدَّر له أن يرى النور، ولكن أقطاب الصراع في الحرب الباردة استهلوا رحلة العمل المشترك عام 1975 في مشروع “أبولو-سويوز” إلى أن تم الإعلان عن استخدام محطة الفضاء الدولية الخاضعة للإدارة المشتركة عام 1998 في عصر التعاون مع الآخرين. ويحاول عدد من البلدان اليوم غزو القمر، وتتكرر الدعوات الموجهة لها للتعاضد، حتى إن جيف بيزوس وإيلون ماسك اللذين يوصفان بالإفراط في التنافسية التقيا ذات مرة لمناقشة سبل توحيد الجهود بين مشروعي “بلو أوريجين” (Blue Origin) و”سبيس إكس” (SpaceX).

يُطلَق على الجمع بين التنافس والتعاون: التعاون مع المنافسين. عندما ألفنا كتاباً عن نشوء هذه الظاهرة في مجال الأعمال عام 1996، كانت أمثلتها نادرة نسبياً، لكنها ما لبثت أن غدت منهجية شائعة الانتشار في الآونة الحالية عبر مجموعة عريضة من القطاعات بعد تبنيها من قبل منافسين معروفين مثل “آبل” و”سامسونج” و”دي آتش إل” و”يو بي إس” و”فورد” و”جنرال موتورز” (جي إم) و”جوجل” و”ياهو”.

هناك العديد من الأسباب التي تدعو المتنافسين إلى التعاون. إذ يمكن أن يشكل التعاون في أبسط صوره وسيلة لتوفير التكاليف وتجنب ازدواجية الجهود. فإذا كان المشروع ضخماً للغاية أو محفوفاً بالكثير من المخاطر بحيث لا تستطيع شركة واحدة تحمل عبء إدارته، فقد يكون التعاون مع الآخرين هو الخيار الوحيد أمامها. وقد يكون أحد الطرفين في حالات أخرى أفضل في أداء المهمة “أ” بينما يكون الآخر الطرف الآخر أفضل في أداء المهمة “ب”، ويمكنهما بالتالي تبادل المهارات. وحتى إذا كان أحد الطرفين أفضل في أداء المهمة “أ” والآخر لا يملك أفضلية في أداء أي من المهمات الأخرى، فقد يكون من المنطقي أن يسهم في أداء المهمة “أ” بسعر مناسب.

بيد أن التعاون مع المنافسين يطرح عدداً من الأسئلة الاستراتيجية، مثل: كيف ستتغير العوامل التنافسية في قطاع العمل في حال قبلت أو رفضت التعاون؟ هل ستستطيع حماية أصولك الأكثر أهمية؟ لا بد من إجراء تحليل دقيق، وسنقدم في هذه المقالة إطاراً عملياً للتفكير في قرار التعاون مع المنافسين.

فكرة المقالة باختصار

السياق

استمرت فكرة تحبيذ التعاون من حين لآخر بين الأطراف المتنافسة في اكتساب الزخم منذ أن طُرِحت لأول مرة في تسعينيات القرن العشرين.

المشكلة

المشكلة أن بعض المسؤولين التنفيذيين لا يطمئنون إلى “التعاون مع المنافسين” وبالتالي يضيعون الفرص الواعدة.

إطار عمل تنفيذي

ابدأ بتحليل ما سيفعله كل طرف في حال رفضه إبداء التعاون وأثر هذا القرار على ديناميكيات القطاع. إذ يعتبر التعاون في بعض الأحيان مكسباً أكيداً. حتى لو لم يكن الأمر كذلك، فقد يكون أفضل من عدم التعاون، لكن لا بد من وضع تصور متكامل لأسلوب التعاون الأمثل دون فقدان المزايا الحالية.

هناك العديد من الأسباب التي تدعو المتنافسين إلى التعاون. إذ يمكن أن يشكل التعاون في أبسط صوره وسيلة لتوفير التكاليف وتجنب ازدواجية الجهود.

ما الذي سيحدث إذا رفضت التعاون؟

إذا طُرحت أمامك فرصة للتعاون، فابدأ بتخيل ما سيفعله كل طرف إذا لم يتم استغلالها. ما الاتفاقات البديلة التي قد يبرمها الطرف الآخر، وما البدائل التي قد تسعى إليها؟ إذا رفضت الصفقة، فهل سيأتي شخص آخر ويحل محلك؟ والسؤال الأهم: هل سيظل الوضع الراهن خياراً متاحاً؟

لنبدأ بعرض مثال بسيط. اتصلت شركة “سيفوي” (Safeway) لسلاسل المحال التجارية بشركة “أونست تي” (Honest Tea) (التي شارك أحدنا في تأسيسها) لإنشاء خط لصناعة الشاي العضوي بعلامة تجارية خاصة. لا شك أن الخط الجديد سيؤثر سلباً على المبيعات الحالية لمنتجات “أونست تي” في محال “سيفوي”. وبالتالي، فقد وجدت “أونست تي” أن الصفقة لن تكون مربحة في نهاية المطاف، رغم أن “سيفوي” قدمت سعراً عادلاً.

لكن إذا رفضت “أونست” التعاون، فستبحث “سيفوي” عن مورّد آخر وستجده بكل تأكيد، مثل شركة “تازو” (Tazo) المنافسة في صناعة الشاي. وتوصلت “أونست” إلى أنها إذا أبرمت الصفقة، فيمكنها إنشاء خط جديد باسم “أو أورغانكس” (O Organics) لصالح شركة “سيفوي” بحيث تحاكي منتجاته نكهات ومذاق منتجات “تازو” ويقلل في الوقت ذاته من حدة المنافسة ضد منتجاتها. أما لو رفضت العرض، فإن “تازو” كانت سترحب به في أغلب الأحوال، وحينها ستستهدف نكهات “أونست”، ما يؤدي بدوره إلى أسوأ النتائج الممكنة. لذا قبلت “أونست” إبرام الصفقة.

غير أن الشركة رفضت عرضاً مشابهاً من شركة “هوول فودز” (Whole Foods) لأن سلسلة محال البقالة أصرت على أن يتضمن الخط الخاص نسخة طبق الأصل من شاي النعناع المغربي الأكثر مبيعاً لدى شركة “أونست” في ذلك الحين. ولم ترد “أونست” أن تنافس نفسها بشكل مباشر، ورأت أن منافسيها سيواجهون مشكلة في تقليد الشاي، وهو ما ثبت صحته فيما بعد.

وكان على “يو بي إس” التفكير في فرصة مماثلة عندما طلبت منها “دي آتش إل” نقل طرودها داخل الولايات المتحدة، علماً بأن “دي آتش إل” كانت قد استحوذت على “إيربورن إكسبرس” (Airborne Express) قبل بضع سنوات وكانت تتكبد خسائر فادحة. كانت “يو بي إس” تمتلك القدرة التي تؤهلها لرفع مستوى كفاءة الخدمة (وتوفير ما يصل إلى مليار دولار سنوياً على “دي آتش إل”) وكانت تقدم فعلياً خدمة مماثلة لتلك التي تقدمها “هيئة الخدمات البريدية الأميركية”، لذا بدت تلك فرصة مربحة من شأنها أن تتيح لشركة “يو بي إس” إمكانية تأجير المساحات المتاحة على طائراتها.

ومع ذلك، فقد يكون عدم التعاون أكثر ربحية على المدى البعيد، لأنه إذا أدى نزيف الخسائر في “دي آتش إل” إلى خروجها من السوق، فإن “يو بي إس” ستستولي على النصيب الأوفر من حصة “دي آتش إل” في سوق الولايات المتحدة.

ولكن إذا رفضت “يو بي إس” الصفقة، فربما تهرع “دي آتش إل” إلى عرضها على “فيديكس”. وإذا قبلت “فيديكس” هذا العرض، فستظل “دي آتش إل” في السوق وستخسر “يو بي إس” الأرباح المحتملة، لذا وافقت “يو بي إس” على مقترح “دي آتش إل” وأعلنت عن إبرام الصفقة في مايو/ أيار عام 2008. (اتضح فيما بعد أنها لم تكن كافية لإنقاذ “دي آتش إل” التي قررت الخروج من السوق خلال فترة الركود في وقت لاحق من ذلك العام).

ويعد التفكير في بدائل للصفقات المعروضة في قطاع التكنولوجيا أمراً معقداً لأن الشركات لديها علاقات متشابكة مع بعضها. ويعتبر قرار “سامسونج” بشأن إمكانية بيع شاشاتها الأوليد (OLED) الجديدة المعروفة باسم “سوبر ريتينا” (Super Retina) من عدمه لشركة “آبل” بغرض استخدامها في جهاز “آيفون X” مثالاً جيداً.

كان من الممكن أن تضر “سامسونج” مؤقتاً بشركة “آبل” في سوق الهواتف الذكية المتطورة التي تشهد تنافساً بين “سامسونج غالاكسي” و”آيفون” من خلال عدم تزويدها بشاشاتها الرائدة في هذا القطاع. لكن “آبل” ليست المنافس الوحيد الذي يجب أن تخشاه “سامسونج”، وبالإضافة إلى أنها واحدة من كبرى الشركات المصنعة للهواتف في العالم، تعد “سامسونج” أيضاً واحدة من كبار موردي شركات تصنيع الهواتف (بما في ذلك “آبل” عبر عدة أجيال). ولو رفضت بيع شاشة “سوبر ريتينا” الخاصة بها لشركة “آبل”، فلربما لجأت “آبل” إلى شركة “إل جي” (التي توفر شاشات الأوليد لهواتف “بكسل 3” من “جوجل”) أو شركة “بوي” (BOE) (التي توفر شاشات الأموليد (AMOLED) لهواتف “هواوي ميت 20 برو”)، وهو ما من شأنه أن يعزز إحدى الشركات المنافسة لشركة “سامسونج” في تكنولوجيا صناعة الشاشات. بالإضافة إلى ذلك، تشتهر “آبل” بمساعدة مورديها على تحسين جودة منتجاتهم. وكان التعاون مع “آبل” يعني أن “سامسونج” ستحصل على هذه الميزة وأن منافسيها في تكنولوجيا صناعة الشاشات سيُحرمون منها. ويجب ألا يغيب عن أذهاننا أن الصفقة ستوسِّع من نطاق الأعمال في شركة “سامسونج” وأنها جاءت مصحوبة بقيمة مالية كبيرة تقدر بنحو 110 دولارات مقابل كل جهاز “آيفون X” يتم بيعه، وهو ما أدى في النهاية إلى ترجيح كفة التعاون.

يتطلب الأمر تعاون الطرفين. والآن لنلقِ نظرة على الصفقة من منظور شركة “آبل”. هل ستسهم في جعل “سامسونج” منافساً أكثر قوة؟ هذا احتمال وارد: قبل طرح “آيفون X” بعام واحد، كانت الإيرادات المتحققة من شركة “آبل” تشكل ما يقرب من 30% من إيرادات قطاع صناعة الشاشات في “سامسونج”، وهو القطاع الذي حقق أرباحاً بقيمة 5 مليارات دولار. (كانت “آبل” تشتري أيضاً رقائق ذاكرة الوصول العشوائية الديناميكية DRAM وبوابات NAND الإلكترونية والبطاريات والسيراميك واللوحات الإلكترونية المطبوعة بتردد لاسلكي من “سامسونج”). ولكن كان الحصول على أفضل شاشة بالنسبة لشركة “آبل” أمراً يستحق تمويل شركة منافسة تمتلك موارد جيدة بالفعل، ولو لفترة من الوقت.

كان السبب الاقتصادي الأساسي الذي جعل العمل التعاوني مفيداً لكلا الجانبين هو أن “سامسونج” لديها أفضل شاشة وأن “آبل” لديها قاعدة عملاء مخلصين. ولولا هذا التعاون لعجزت الشركتان عن الحصول على قيمة إضافية من تركيب الشاشة الفائقة في جهاز “آيفون” الجديد.

هل سيؤدي التعاون إلى التخلي عن ميزتك التنافسية؟

لنفترض أنك حللت بدائل التعاون وقررت مبدئياً المضي قدماً والموافقة. قد تعني هذه الخطوة اضطرارك إلى مشاركة مزاياك الخاصة مع الغير، وقد لا تغدو مقصورة عليك وحدك، وقد تكون تلك مشكلة حقيقية. للحصول على تصور كامل للمخاطر المحتملة، حدد أياً من هذه الفئات الأربع تنضوي تحتها الصفقة:

لا يمتلك أي من الطرفين مزايا خاصة معرضة للخطر، ولكن الجمع بين المكونات المملوكة لكلا الطرفين يخلق قيمة معينة. لا يتنازل أي من الطرفين عن أي شيء في هذا السيناريو، ومن أبرز الأمثلة على ذلك في الفترة الأخيرة قرار “آبل” و”جوجل” بالتعاون المشترك لابتكار تقنية تتبع جهات الاتصال للتصدي لأزمة “كوفيد-19”. حيث عملت الشركتان على تمكين الحكومات وغيرها من الجهات المختصة من إنشاء تطبيقات إلكترونية للإبلاغ عن الحالات المصابة، وذلك من خلال مشاركة بيانات موقع المستخدم عبر المنصات. صحيح أن الظرف هنا استثنائي، ولكن من المعتاد أن يتعاضد المتنافسون لوضع المعايير وإنشاء بروتوكولات التشغيل البيني وبالتالي خلق سوق أكبر يمكنهم التنافس عليها لاحقاً.

يمتلك كلا الطرفين مزايا خاصة، ويتيح لهما التشارك إمكانية تحقيق الأفضلية على منافسيهما المشتركين. وقد وافقت شركتا “فورد” و”جي إم” عام 2013 على مشاركة تقنيات النقل. كان هذا الاتفاق منطقياً لأنهما تمتلكان قدرات تكميلية، حيث حققت “فورد” الريادة في صناعة ناقل الحركة بعشر سرعات، فيما نجحت “جي إم” في صناعة ناقل الحركة بتسع سرعات. أدى هذا الاتفاق إلى توفير المال لكلا الطرفين، ولم يكن له أثر استراتيجي خطير، كما أنه فرّغ مهندسيهما للعمل على الجيل الجديد من السيارات الكهربائية، ما أتاح الفرصة أمام كلتا الشركتين لتحقيق الأفضلية على غيرهما من شركات صناعة السيارات.

لكن ثمة نقطة يجب التحذير منها هنا، وهي: تزداد صعوبة التعاون إذا لم يكن كلا الطرفين يملك إمكانيات متكافئة في البداية. وعلى هذا الأساس رفضت “جي إم” فرصة للتعاون مع “فورد” لصناعة محرك ديزل من الجيل الجديد لشاحنات الـ “بيك أب” للمهمات الشاقة. فرغم اقتناعها بالوفر المحتمل في التكلفة، فإن “فورد” كانت تتمتع فعلياً بميزة تنافسية في هيكل شاحنتها من طراز “إف-150” (F-150) خفيف الوزن والمصنوع بالكامل من الألومنيوم، وخشيت “جي إم” أن تمتلك “فورد” ميزة لا تقبل المنافسة دون التمايز بين كلا المحركين.

وقد يفوق تحقيق الأفضلية على المنافسين (أو عدم التخلف عن الركب) في بعض الأحيان اعتبارات الميزة النسبية. وستشكل تقنية القيادة الذاتية، على سبيل المثال، قدرة رئيسية في المستقبل القريب. وتدرك معظم شركات صناعة السيارات أنها لن تكون قادرة بمفردها على تطوير مركبات ذاتية القيادة على جناح السرعة أو بتكلفة فاعلة. لذا وجهت “فورد” الدعوة إلى شركة “فولكس فاغن” للانضمام إلى استثماراتها في شركة “أرغو أيه آي” (Argo AI) الناشئة لصناعة المركبات ذاتية القيادة. وأدى ضخ “فولكس فاغن” لاستثمارات بقيمة 2.6 مليار دولار (إلى جانب شرائها أسهماً في شركة “فورد” بقيمة 500 مليون دولار) إلى تقليل استنزاف موارد “فورد” إلى حد كبير.

وتلعب الصفقة أيضاً دوراً ملموساً في تعزيز قدرة كل طرف على الحصول على الموافقات القانونية، حيث تمتلك “فورد” علاقات قوية في الولايات المتحدة فيما تمتلك “فولكس فاغن” مكانة قوية في أوروبا، ما يزيد بشكل كبير فرصة “أرغو أيه آي” في التحول إلى واحدة من المنصات التي تحصل على الموافقات في مختلف دول العالم. كما ارتأت شركة “فورد” أيضاً أنها إذا لم تعمل مع “فولكس فاغن”، فإنها ستجد شريكاً آخر، ما يحد من فرص اعتماد “أرغو أيه آي” عالمياً.

وستثبت الأيام أن هذه الشراكة لن تخل بموازين القوة بين الشركتين لأن حصة “فورد” في سوق الولايات المتحدة أكبر من حصة “فولكس فاغن” وبسبب امتلاك “فولكس فاغن” الأفضلية على “فورد” في أوروبا، لذا انصب التركيز على الرفع من شأن كلتا الشركتين مقارنة بمنافسيهما الكثيرين.

يمتلك أحد الطرفين ميزة تنافسية قوية، ولن يؤدي التشارك سوى إلى تعزيزها، ومع ذلك تبدي أطراف أقل قوة استعدادها للتعاون. تمنح “أمازون” البائعين المنافسين إمكانية الوصول إلى عملائها ومستودعاتها عبر منصتها الإلكترونية المسماة “أمازون ماركت بليس” (Amazon Marketplace). لماذا؟ لأنها تربح عمولة على مبيعات “أمازون ماركت بليس” عند تعاملها مع الشركات الناشئة، على الرغم من خسارتها بعض الأعمال المباشرة والربح الإجمالي المرتبط بها. ويعتمد الأثر الكلي لصافي الربح على كيفية مقارنة العمولة بالربح الإجمالي، وما إذا كانت “أمازون ماركت بليس” (التي تحقق 50 مليار دولار من إيرادات الشركة) تؤدي إلى زيادة الحجم الإجمالي للشركة.

حتى لو كان الأثر الكلي بالسالب، فإن حظر البائعين المنافسين من منصتها سيدفعهم إلى اللجوء إلى مواقع أخرى يمكن أن تنافس “أمازون”. والأهم من ذلك أن “أمازون” عندما تشارك منصتها فإنها تصبح مركزاً محورياً ونقطة البداية لأي بحث، وتكسب المال عندما يتصفح المشترون موقعها خلال بحثهم عن كتاب أو كابل كمبيوتر ويشترون منتجات إضافية ذات هامش ربح أعلى مثل الإلكترونيات أو الملابس، كما تتعرف “أمازون” أيضاً على تفضيلات العميل وتستطيع بالتالي استغلال هذه البيانات لتقديم توصيات أفضل وتحديد المنتجات التي تحمل علامة “أمازون” التجارية بدقة أكبر. وأخيراً، فإن فتح منصة “أمازون ماركت بليس” يتيح لـ “أمازون” تشغيل المزيد من المستودعات وزيادة حجم الشحن، وبالتالي تقليل أوقات الشحن وخفض التكاليف العامة.

ولكن لماذا يتعاون التجار الآخرون مع “أمازون”؟ لأن كل شريك يتصرف بمفرده ويرى أنه من المربح، بل والضروري، أن يكون جزءاً من بيئة عمل “أمازون”، لكن المشكلة تخص العمل الجماعي: فعندما ينضم كافة التجار إلى منصتها، فإنهم يجعلون “أمازون” منافساً هائلاً. لذا، تعكف كل من المفوضية الأوروبية واللجنة الفرعية التابعة لمجلس النواب الأميركي المعنية بالقانون التجاري والإداري لمكافحة الاحتكار، في واقع الأمر، على التحقيق فيما إذا كانت منصة “أمازون ماركت بليس” تستغل هيمنتها لتقويض “شركائها” التجاريين والتنافس معهم بشكل غير عادل.

يشارك أحد الطرفين مزاياه الخاصة للوصول إلى قاعدة عملاء الطرف الآخر، رغم أن القيام بذلك ينطوي على مخاطر لكلا الطرفين. وقد رأينا هذه الديناميكية عندما شاركت “سامسونج” شاشتها المتطورة مع “آبل”. ويمكننا العثور على مثال آخر في “جوجل” و”ياهو”.

إذ تتفوق “جوجل” على كل منافسيها في تحويل الإعلانات التي تظهر بجانب عمليات البحث إلى نقرات، وهذه هي ميزتها الخاصة. وقد وافقت عام 2008 على تخصيص مساحات إعلانية لـ “ياهو” في محرك بحثها. حيث كانت تقنية “جوجل” ستحقق قدراً أكبر من العائدات لكل عملية بحث عن “ياهو”، وكانت مشاركتها هي الطريقة الأسرع والأضمن لتوسيع قيمتها في سوق لم تكن “جوجل” تمتلكها بالفعل. (من غير المرجح أن تجتذب “جوجل” على المدى المنظور جميع عملاء “ياهو”. وبحلول عام 2020، انخفضت حصة “ياهو” في البحث إلى 1.6%، لكن هذا التراجع استغرق عشرات السنين)، وكانت المكاسب المحتملة هائلة. وبالنظر إلى حصة “ياهو” آنذاك البالغة 17% من السوق التي تبلغ قيمتها 9 مليارات دولار، فإن زيادة الإيرادات بنسبة 50% إلى 60% ستدّر ما يقرب من مليار دولار من الأرباح السنوية التي ستُقتسم بين الشركتين.

ماذا عن مشكلات مكافحة الاحتكار؟

جرت العادة أن تنظر الجهات الرقابية بعين الشك إلى محاولات التعاون من جانب المتنافسين. ويجب على المسؤولين التنفيذيين معرفة أنواع التعاون المسموح بها وغير المسموح بها. يُشار في هذا السياق إلى أن بعض مخالفات مكافحة الاحتكار واضحة وضوح الشمس، فالشركات التي تنسق فيما بينها لرفع الأسعار أو تقاسم السوق فيما بينها ضالعة في التواطؤ بمنتهى البساطة.

حيث تجنح الجهات الرقابية إلى تبني رؤية أكثر حذراً عندما تعمل الشركات معاً لتقليل التكاليف أو زيادة الطلب، وتلجأ في هذه الأحوال إلى طرح سؤال حول ما إذا كان العملاء سيستفيدون من هذا التعاون. إذ يستفيد العملاء، مثلاً، عند تشارك الجهات المتنافسة في إنشاء محطات شحن السيارات الكهربائية. ولا تمانع الجهات الرقابية أيضاً تزويد المنافس بأدوات تحسّن جودة المنتج (مثلما حدث عندما باعت “سامسونج” شاشات “سوبر ريتينا” إلى “آبل”) شريطة ألا يؤدي هذا إلى إقصاء الجهات الفاعلة الأخرى ومنعها من دخول السوق.

ويجب ألا يغيب عن أذهاننا أن ثمة احتمالاً قائماً دائماً بإمكانية تدخل الجهات الرقابية لإلغاء الصفقة، كما حدث مع اتفاق “ياهو” عام 2008 الذي كان يلزم “جوجل” بتوفير مساحات إعلانية لها على شبكة البحث، وهذا هو أحد تحديات التعاون مع المنافسين.

صحيح أن الصفقة عرّضت “جوجل” لبعض المخاطر، بل وربما أسهمت في جعل “ياهو” منافساً أقوى، لكن هذا الاحتمال لم يكن يثير المخاوف لأن “ياهو” كانت تمتلك سيولة نقدية كبيرة بالفعل بسبب حصتها في “علي بابا” (وبالتالي لم تكن زيادة السيولة النقدية تشكل في الغالب عنصراً جوهرياً يؤثر على مكانتها التنافسية). وربما أدت تقنية الإعلانات المحسّنة على “ياهو” إلى دفع بعض مستخدمي “جوجل” إلى الانتقال إلى التعامل مع “ياهو”، ولكن بدا من غير المحتمل أن يؤدي عرض إعلانات أفضل إلى اتخاذ هذه الخطوة من جانب عدد كبير من المستخدمين. ربما كان الخطر الأكبر أن تتعرف “ياهو” على ميزة “جوجل” الخاصة، لكن “جوجل” لم تخطط أبداً للكشف عن خوارزمياتها.

وهكذا، كانت المخاطر الماثلة أمام “ياهو” أكبر. فقد تتلاشى قدراتها إذا أصبحت تعتمد على الصندوق الأسود لـ “جوجل”. حيث ستكون “ياهو” أكثر تخلفاً، ربما بشكل ينذر بالخطر، بعد انتهاء الشراكة. وقد تم التخفيف من حدة هذه المخاطر من خلال خطة “ياهو” بمواصلة وضع الإعلانات لمواقعها في أوروبا وبالتالي الحفاظ على قدراتها الخاصة.

لم تتم الصفقة في النهاية، فقد حكمت وزارة العدل الأميركية ضدها على أساس أنها قد تُضعف مكانة “ياهو” في المنافسة في المستقبل.  (ساعد أحدنا في الدفاع عن الاتفاق)، لكن العوامل الاقتصادية كانت مقنعة، فما كان من “ياهو” إلا أن أبرمت صفقة مع “مايكروسوفت” لجعل “بينغ” تعرض إعلانات البحث الخاصة بها.

يتعذّر أحياناً تأجير المزايا الخاصة دون التخلي عن سر الخلطة. فهل يمكن للولايات المتحدة والصين، مثلاً، التعاون في مهمة استكشاف المريخ؟ يبدو أن ثمة تحدياً يستعصي على الحل هنا، وهو أن هذا التعاون سيتضمن مشاركة الملكية الفكرية التي لا يمكن استردادها. تعتبر هذه القضية حساسة للغاية لأن تكنولوجيا الفضاء يمتد أثرها إلى التطبيقات العسكرية.

يهدف التعاون إلى تحقيق النفع للطرفين، لكن تقسيم المكاسب لعبةٌ صِفرية. وقد يكون الحل بسيطاً نسبياً عندما تتكافأ إسهامات الطرفين، ولكنه سيغدو أصعب في حال لم تتكافأ إسهاماتهما.

كيفية هيكلة الاتفاق

يكاد الطرفان أن يصلا إلى اتفاق، فقد حددا فرصة واعدة، ووجدا طريقة لمشاركة المزايا الخاصة بكل منهما دون التخلي عن سر الخلطة، ولا يتبقى أمامهما سوى صياغة الاتفاق. هناك مشكلتان تمثلان تحدياً خاصاً عندما يكون الشريك المحتمل منافساً أيضاً، وهما: نطاق الصفقة وكيفية تقسيم التكاليف والمنافع. (قد تكون هناك أيضاً مخاوف بشأن مكافحة الاحتكار. للمزيد من المعلومات حولها، راجع الشريط الجانبي “ماذا عن مشكلات مكافحة الاحتكار؟”)

تحديد نطاق الشراكة والسيطرة عليها. يتعين على الطرفين أولاً معرفة إلى أي مدى يمكن توسيع نطاق تعاونهما، ومسؤوليات كل طرف، وكيفية فض الشراكة إذا لم تعد منطقية.

يتصف أبسط أنواع التعاون بمحدوديته وعدم إثارته لأي مشكلات فيما يتعلق بآليات السيطرة، حيث يتحول أحد الطرفين في بعض الحالات إلى مورّد غير ضروري للطرف الآخر، كما حدث مع “أونست تي” و”سيفوي” أو كما فعلت شبكة “سي بي إس” عندما أنتجت مسلسل “ميّت بالنسبة لي” (Dead to Me) لصالح شبكة “نتفليكس”. بينما يتقاسم الطرفان في حالات أخرى التكاليف، ولكنهما لا يتقاسمان حقوق ملكية المعرفة الخاصة بكل منهما، حيث تشترك محطات التلفزيون المتنافسة أحياناً في طواقم الكاميرات، على سبيل المثال، وتنسق مصانع المشروبات المتنافسة فيما بينها لتنفيذ عمليات إعادة التدوير. وقد يقوم الكثير من المتاحف في إحدى المدن بإطلاق حملة إعلانية مشتركة أو يتم تطوير بطاقة متحفية تتيح زيارة كافة المتاحف. يسهل التفاوض على هذه الترتيبات بشكل عام ويمكن فضها بيسر.

ويغدو إبرام الاتفاقات أمراً معقداً حينما يضطر أحد الطرفين إلى التنازل عن السيطرة. فقد لاقت خطة “فورد” و”جي إم” لمشاركة تقنيات النقل نجاحاً ملموساً في مرحلة البحث والتطوير، ولكن أياً من الشركتين لم تكن على استعداد لمنح السيطرة على التصنيع للأخرى أو حتى لكيان مشترك.

كان من الممكن أن تبرم “فورد” و”جي إم” عقداً مشروطاً حول توقيت حصول أي من الطرفين على قدرٍ معين من الطاقة الإنتاجية لناقل الحركة، ولكن هذا سيكون صعباً لأن الطلب متغير وتشكّل ناقلات الحركة عنصراً مهماً للغاية. ومن حسن حظهما أن معظم الوفر في التكلفة جاء من خلال استخدام التصميمات والأجزاء المشتركة، لذا اقتصر اتفاق “فورد” و”جي إم” على هذه الجوانب.

ويتولى أحد الطرفين المسؤولية في حالات أخرى، فيما يحمي الطرف الآخر نفسه بموجب عقد مشروط ينطوي على ضمانات وعقوبات في حال عدم تحقيق أهداف محددة. تفي هذه الآلية بالغرض في المواقف التي تتوافر بها مقاييس معيارية محددة للأداء. ولا يشترط إخبار الطرف المسؤول، أي الطرف الذي يقدم الضمانات، بالأولويات الواجب تحديدها، إذ تسمح له العقوبات المناسبة بدلاً من ذلك بتحمل تبعات القرارات واتخاذ القرارات التي تعمل على تحسين النتيجة الكلية.

ولا بد من هيكلة أي اتفاق بحيث لا يعتمد أحد الطرفين على الآخر، وإلا وقع الطرف التابع في مأزق عندما يحين وقت إعادة التفاوض بشأن الصفقة، أو شعر بالغبن عند انتهاء الصفقة. كانت هذه إحدى مشكلات وزارة العدل في صفقة “جوجل-ياهو” لعام 2008، كما أشرنا سلفاً.

تقسيم المكاسب. يهدف التعاون إلى تحقيق النفع للطرفين، لكن تقسيم المكاسب لعبةٌ صِفرية. وقد يكون الحل بسيطاً نسبياً عندما تتكافأ إسهامات الطرفين، كما هو الحال عندما تشاركت “فورد” و”جي إم” في صناعة ناقل الحركة. لكن الأمر يغدو أكثر صعوبة إذا كان التعاون ينطوي على إسهامات غير متكافئة وكان لا بد من تقديم مدفوعات مالية.

انظر على سبيل المثال إلى الاتفاقات المبرمة بين الخطوط الجوية لمساعدة الركاب الذين تقطعت بهم السبل. إذ اعتادت شركات الطيران لفترة طويلة من الزمن أن تعتني بركاب بعضها البعض في حالة إلغاء الرحلة أو ما يُسمى في قطاع الطيران “العمليات التشغيلية غير المنتظمة” (IROP). ودأبت شركات الطيران على دفع سعر منخفض نظير “العمليات التشغيلية غير المنتظمة” لتأمين مقعد على شركة طيران أخرى.

وقد انهار هذا التعاون عام 2015 عندما ارتأت شركة “دلتا” أن شركات الطيران الأخرى كانت تحصل في النهاية على صفقة أفضل، واقترحت زيادة كبيرة في أسعار “العمليات التشغيلية غير المنتظمة”. كانت “دلتا” تأخذ خمسة ركاب من شركة “أميركان إيرلاينز” مقابل كل راكب من “دلتا” تأخذه “أميركان”، لكن “أميركان” رفضت دفع المزيد وانهار الاتفاق.

كانت المشكلة الأساسية تكمن في عدم تكافؤ إسهامات كل الأطراف المعنية. إذ لا يشكّل سعر “العمليات التشغيلية غير المنتظمة” أي أهمية تُذكر في حال تكافؤ إسهامات كل الأطراف المعنية. وعندما تكون إسهامات الأطراف المعنية غير متكافئة، فإن السعر المناسب هو ما يضمن صفقة عادلة. ويمكن تحقيق هذا الغرض بدفع سعر “العمليات التشغيلية غير المنتظمة” التي تساوي تكلفة توفير مقعد على طائرات “دلتا” (متضمنة المبيعات المفقودة بسبب نزوح العملاء إلى شركة منافسة) بالإضافة إلى نصف قيمة مكاسب شركة “أميركان” (متمثلة في وفورات تكلفة الإقامة في فندق والوجبات وتجنب غضب العميل).

ربما كانت هناك طريقة لتنفيذ جزء من الصفقة على الأقل دون الاتفاق على السعر. إذ كان بإمكان “دلتا” و”أميركان” إبرام اتفاق تضمن التكافؤ، وتداول المقاعد على أساس واحد مقابل واحد. إذا كان لدى إحدى شركات الطيران عدد أكبر من الرحلات الملغاة وشغلت عدداً أكبر من المقاعد، فيمكن تقنين عدد المقاعد التي تحصل عليها من الآن فصاعداً لحين تسوية الأمور.

تم حل المشكلة في النهاية بعد استعادة التكافؤ بين إسهامات الطرفين. فبعد سلسلة من حالات انقطاع أجهزة الكمبيوتر وعمليات التوقف عن العمل على مستوى النظام، وجدت “دلتا” أنها أيضاً بحاجة إلى بعض المساعدة، وما كان منها إلا أن أبرمت اتفاق جديد مع “أميركان” في 2018.

وتزداد التحديات صعوبة عندما تتداخل ثلاثة أطراف أو أكثر في الصفقة ويستحيل الوصول إلى نقطة التكافؤ بين مختلف الصفقات. خذ على سبيل المثال “أيونيتي” (Ionity)، وهو مشروع استثماري مشترك بين كلٍّ من “بي إم دبليو” و”دايملر” و”فورد” و”هيونداي” و”كيا” و”فولكس فاغن” لإنشاء محطات شحن كهربائية فائقة السرعة في مختلف أنحاء أوروبا. إذ يحقق التعاضد مزايا هائلة من حيث السرعة والوفر في التكاليف، إلا أن كل شريك له أولويات جغرافية مختلفة، ما يخلق توترات حول أماكن تركيب المحطات.

بل إن تقاسم التكاليف الهائلة أكثر صعوبة، ولن يجدي تقاسم التكاليف بالتساوي نفعاً بسبب تفاوت حصص الشركاء بصورة كبيرة في السوق، وفي هذه الحالة ستنسحب “كيا” من المشروع بسبب صِغَر حصتها إلى حدٍ كبير مقارنة بشركائها الآخرين. ويمكن تقسيم التكاليف وفقاً للحصة السوقية، ولكن هل يجب أن تستند الحصة السوقية إلى عدد الوحدات المباعة أم مبالغ المبيعات أم الأرباح أو حتى الكيلومترات المقطوعة؟ كان لكل طرف إجابته المفضلة عن هذا التساؤل.

وافقت الشركات الست في النهاية على تقاسم التكاليف بما يتناسب مع عدد الوحدات المباعة حالياً. قد يكون مثل هذا الأسلوب البسيط، وإن كان تعسفياً إلى حد ما، وسيلة عملية لتنفيذ مشروع تعاوني على أرض الواقع.

تغيّر الآراء

ثمة جانب عاطفي مهم أيضاً للتعاون مع المنافسين، حيث يطمئن البعض إلى فكرة وجود فائزين متعددين، فيما لا يطمئن إليها البعض الآخر. وقد ينتهي الأمر نتيجة لذلك بتحول التعاون مع المنافسين إلى ما يشبه استراتيجية الخيار الأخير حتى في الحالات التي يجب أن يكون فيها الخيار الأول.

كانت شركة آبل على وشك الانهيار في أغسطس/آب عام 1997 عندما اضطر ستيف جوبز أخيراً لمواجهة حقيقة أن “مايكروسوفت” لم تكن خصماً للشركة. وقد اعترف جوبز لاحقاً بأنه “إذا كانت المنافسة عبارة عن لعبة صِفرية يجب أن تفوز فيها آبل وتخسر فيها مايكروسوفت، فإن آبل ستخسر حتماً”. كان من الصعب على الموالين لشركة “آبل” قبول هذا التغيير على المدى المنظور. وعندما أعلن جوبز في مؤتمر “ماك وورلد” (Macworld) أن “مايكروسوفت” استثمرت 150 مليون دولار في شركة “آبل”، تعرض بيل غيتس لصيحات استهجان.

وتضيع فرص التعاون الواضحة على الجانب الآخر عندما لا يركز رجال الأعمال على ضمان خروج جميع الأطراف فائزين. وتتضح هذه المشكلة في عالم الدفع بالشيكات.

نبذة حول العمل الفني: تعاونت تيرني غيرون مع أطفالها وأصدقائهم لإنشاء سلسلة “كتب الأبجدية” (Alphabet Book)، وتجهيز مشاهد الأطفال وهم يلعبون ويمرحون بأساليب محسوبة بعناية في كل حرف من الحروف الأبجدية.

فمنذ اختراع الشيكات المطبوعة قبل أكثر من 300 عام، كانت البنوك تحتاج إلى طريقة لتبادل الشيكات المودعة من قبل أصحاب الحسابات ولكن مسحوبة على حسابات في بنوك أخرى. كان الحل البديهي هو إنشاء غرفة مقاصة مركزية. وحينما فشلت بنوك لندن في القيام بذلك، قام مدراء البنوك بذلك بأنفسهم، فبدلاً من عبور شوارع المدينة لتبادل الشيكات، كانوا يقومون بمناورة ذكية ويلتقون جميعاً في مقهى “فايف بيلز”. وبعد حوالي 50 عاماً، أنشأت البنوك غرفة المقاصة للمصرفيين للقيام بالمهمة نفسها.

وعمل بنك “الاحتياطي الفيدرالي الأميركي” في العصر الحديث على تطبيق نظام يقوم فيه كل بنك بإرسال الشيكات الورقية التي يتلقاها إلى بنك “الاحتياطي الفيدرالي” والذي يقوم بدوره بتوزيعها على البنوك التي كتبت عليها. وبلغ إجمالي عدد الشيكات المتداولة في جميع أنحاء الولايات المتحدة عام 2001 حوالي 40 مليار شيك.

كان البديل المنطقي هو مسح الشيكات ضوئياً وإرسال صور رقمية منها، وبالتالي توفير الوقت والمال، لكن التحدي تمثل في أن بعض البنوك الصغيرة لم تكن مهيأة لمعالجة الصور الرقمية، وبالتالي فستميل كفة التعاون لصالح طرف دون آخر. وعندما لم تحرص البنوك الكبرى على خروج البنوك الصغرى فائزة أيضاً، استخدمت البنوك الصغيرة قوتها السياسية لمنع مقاصة الشيكات الرقمية.

ثم أعادت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول فتح القضية، فقد تقطعت السبل بعمليات تبادل الشيكات وإجراء المقاصة عليها في ظل فرض حظر الطيران لأكثر من أسبوع. ووافقت البنوك الكبيرة أخيراً في هذه المرحلة على تيسير المرحلة الانتقالية للبنوك الصغيرة من خلال مطالبة بنك الاحتياطي الفيدرالي بطباعة الصور الرقمية وإرسال الشيكات البديلة إلى البنوك الصغيرة. وهكذا، أصبحت مقاصة الشيكات الرقمية في عام 2003 إجراءً قانونياً راسخاً عندما سن الكونغرس الأميركي قانون القرن الحادي والعشرين لمقاصة الشيكات.

يمكن أيضاً التغلب على العقليات. يتمثل أحد الحلول في التقسيم على المستويين العقلي والإجرائي. لا شك أنه كان من السهل ترتيب إجراءات صفقة “آبل-سامسونج” التي أُبرمت خلال معركة قانونية بقيمة مليار دولار بين عملاقي قطاع التكنولوجيا بسبب انتهاك حقوق براءات الاختراع، نظراً لأن “سامسونج” تنقسم إلى ثلاث شركات منفصلة تعمل تحت إشراف ثلاثة رؤساء تنفيذيين منفصلين، وبالتالي كان من الممكن أن تتعاون “آبل” مع جزء مستقل من “سامسونج” خلال تنافسها مع جزء آخر ومقاضاته.

ونعتقد للسبب ذاته أن الحكمة كانت تقتضي أن تحتفظ “فورد” بشركة “أرغو أيه آي” الناشئة والمتخصصة في المركبات ذاتية الحركة كشركة منفصلة. إذ كان من السهل من الناحية النفسية والتعاقدية إقناع “فولكس فاغن” بالاستثمار في كيان مستقل عن شركة “فورد” لأن الهيكل التنظيمي المستقل يسهم في ضمان تكافؤ الطرفين ويسهل أيضاً جلب شركاء في المستقبل.

وأخيراً، فإن الحصول على العقلية الصحيحة يتطلب اختيار الأشخاص المناسبين. وقد شدد المسؤولون التنفيذيون الذين أجرينا معهم مقابلات شخصية على الحاجة إلى توظيف فرق مستعدة لإبداء التعاون تضم أشخاصاً ذوي عقليات منفتحة على التعاون مع المنافسين.

غير أن تحقيق هذه الغاية ليس بالأمر الهيّن في كل الأحوال لأن الإنسان يميل بطبعه إلى التفكير بأسلوب إما هذا أو ذاك، كأن يقول لنفسه مثلاً: “إما التنافس أو التعاون”، بدلاً من أن يفكر بأسلوب “التنافس والتعاون”. حيث يتطلب القيام بالأمرين معاً توافر المرونة العقلية، وهذا أمر لا يتأتى من تلقاء نفسه، ولكنك إذا اكتسبت تلك المرونة ودرست المخاطر والمكاسب دراسة متأنية، فقد تحقق الأفضلية على أولئك الذين لا يفكرون إلا في المنافسة.

وقد بدأنا هذا المقال بالحديث عن الفرصة الضائعة للتعاون بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في مهمة استكشاف القمر. وتتوافر اليوم فرص أكبر للتعاون بين الدول، بدايةً من إيجاد حلول لجائحة “كوفيد-19” مروراً بأزمات التغير المناخي وصولاً إلى وضع حلول لحروب التبادل التجاري. نأمل أن يسهم فهم التعاون مع المنافسين بصورة أدق في مساعدة الشركات والمدراء والدول على إيجاد طريقة أفضل للعمل والنجاح معاً.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .