أصبح استخدام مصطلحات المواجهة أو الهروب أو التجمد شائعاً لوصف استجابات الجسم الغريزية للبقاء على قيد الحياة عند الإحساس بالخطر. ولكن يرى بعض الباحثين وخبراء الطب السريري أن استجابات الإنسان للتهديدات تتخذ 6 أنماط مختلفة، وهي المواجهة والهروب والتجمد، والاسترضاء أو التملق (أو ما يسمى أحياناً التودد)، والتعلق أو طلب المساعدة، والانهيار أو الاستسلام. على الرغم من أن هذه الاستجابات تتشكل بناء على تجاربنا الأولى المتعلقة بالأمان والخطر، فإنها لا تختفي عندما نكبر؛ بل تظل استراتيجيات بقاء مترسخة بعمق نحملها معنا لا شعورياً طوال حياتنا، وليس من المستغرب أن تنتقل هذه الاستجابات معنا إلى بيئة العمل.
في الواقع، تمثل أماكن العمل أكثر البيئات المشحونة عاطفياً والمليئة بالضغوط التي يمكن أن نواجهها؛ فالمواعيد النهائية لتسليم المهام والتفاعلات السياسية داخل المؤسسة ومراجعات الأداء والاجتماعات المصيرية والحساسة يمكن أن تعكس دون وعي تجارب سابقة تتعلق بالشعور بالتهديد أو الإقصاء. بما أننا لا نختار أماكن عملنا بطريقة عشوائية، ينجذب الكثير منا إلى الثقافات التي تعكس تجاربنا المبكرة وتعززها، سواء كانت إيجابية أم سلبية. وعندما نشعر بأن البيئة المحيطة تفتقر إلى الأمان النفسي، تنشط هذه الاستجابات مجدداً، ليس بسبب وجود مشكلة في أدائنا أو خلل في قدراتنا، بل لأنها جزء من طبيعتنا البشرية.
لنأخذ على سبيل المثال فادي، وهو مسؤول تنفيذي يقود فريقاً عالمياً لتطوير المنتجات. عبر لي عن استيائه من سلوك اثنين من الموظفين ضمن فريقه. فقد وصف محموداً بأنه شديد الاحتياج إلى الدعم؛ إذ كان يبحث دائماً عن الطمأنة ويطلب التوجيهات باستمرار ويضخم المشكلات الصغيرة. أما رهام، فقد كانت تحضر معظم الاجتماعات وهي مستعدة للمواجهة وتدافع بقوة عن رأيها وترفض تقديم أي تنازلات. بدت هذه السلوكيات بالنسبة لفادي مشكلات في شخصيتي هذين الموظفين، فأحدهما يثقل كاهله ويستنزفه بسبب اعتماده المستمر عليه في الطمأنة والتوجيه وصناعة القرار، والأخرى ترهقه بسبب سلوكها الصدامي وجدالها المستمر.
ما لم يدركه فادي هو أن هذه السلوكيات لا تعكس مشكلات في الشخصية، بل قد تكون استجابات نابعة من الشعور بالتهديد والخطر. يشبه سلوك محمود استراتيجية التعلق أو طلب المساعدة، وهي طريقة لضمان الشعور بالأمان من خلال الاعتماد على الأشخاص الذين يتمتعون بالسلطة والصلاحيات؛ في حين يعكس سلوك رهام المواجهة، وهي محاولة لتجنب الخطر والتهديدات من خلال فرض السيطرة على الموقف.
يمثل كل من السلوكين تكيفاً مع البيئات التي لا يشعر فيها الأفراد بالأمان عند إظهار الانفتاح. قد تكون هذه السلوكيات مزعزعة، لكنها قد تشير في الوقت نفسه إلى ضرورة تعزيز مستوى الأمان النفسي. تشير الباحثة إيمي إدموندسن إلى أن الأمان النفسيهو الاعتقاد المشترك بأن الفريق يوفر بيئة آمنة للتعبير عن الآراء والتفاعل مع الآخرين. يشكل الأمان النفسي ركيزة أساسية تسمح للأفراد بالتعبير عن آرائهم صراحة، والاعتراف بالأخطاء، وطرح أفكارهم دون خوف من التعرض للإحراج أو العقاب.
الخبر الجيد هو أنك تمتلك القدرة على التعامل مع هذه التحديات. عندما ينظر القائد إلى الاستجابات للتهديدات والمخاطر بوصفها استراتيجيات للتكيف وليست عيوباً في الشخصية، يصبح قادراً على التعامل معها بوصفها وسائل دفاعية تظهر عندما لا يشعر الأفراد بالأمان.
لا يعني ذلك أن يتحول القائد إلى معالج نفسي أو خبير لتشخيص حالات الموظفين أو أن يكون متساهلاً أو مفرطاً في التكيف مع سلوكيات الآخرين، ولا مبرر لتبني هذا النهج؛ إذ لا يعبر كل سلوك إشكالي عن رد فعل دفاعي تجاه التهديدات. ولكن في الوقت الحاضر، تتطلب القيادة الفعالة فهم المواقف العاطفية المعقدة وتقديم الدعم والتوجيه والملاحظات التي تساعد الأفراد على اتخاذ قرارات أفضل. من خلال الوعي والمهارة، يستطيع القائد تحديد الأنماط الدفاعية وتعديل البيئة بحيث يتمكن الموظفون من التخلي عنها وتقديم أفكارهم بصراحة وإظهار قدراتهم الإبداعية.
تحليل أنماط الاستجابة للتهديدات والمخاطر
عند ملاحظة استجابة أو رد فعل واضح للتهديدات، قد يكون رد فعلك الطبيعي هو محاولة تصحيح سلوك الموظف مع تفسير تصرفه باعتباره مقصوداً أو دليلاً على ضعفه. يجب ألا تتسامح بأي حال من الأحوال مع السلوكيات غير المقبولة، وفهم سبب هذه السلوكيات لا يعني تبريرها أو السماح بها. قد يشكل كل سلوك دفاعي فرصة لتعزيز الأمان النفسي داخل الفريق.
سأستعرض فيما يلي 6 أنماط من ردود الفعل الدفاعية تجاه التهديدات وكيفية ظهورها عادة في بيئات العمل ودور المدراء في تعزيزها عن غير قصد، بالإضافة إلى الخطوات اللازمة لإنشاء بيئة عمل آمنة وفعالة وأكثر إنتاجية.
1. المواجهة
يتجلى نمط المواجهة في المؤسسات غالباً من خلال السلوك التصادمي والنزاعات في الاجتماعات، أو الجدال مع الزملاء، أو تبني موقف دفاعي قوي عند تلقي الملاحظات. يمكن أن يظهر ذلك في تصرفات مثل مقاطعة الآخرين، أو تأجيج الخلافات، أو الإصرار المفرط على فرض الأفكار الشخصية.
قد يظن البعض أن هذا السلوك يدل على الإصرار أو قوة الشخصية، لكنه يعكس شعور الشخص بالتهديد، ما يضطره إلى الدفاع عن نفسه بقوة لضمان البقاء. قد يعزز المدراء هذا الأمر بطريقة غير مقصودة من خلال مكافأة الشخصيات القوية أو مدحها ووصفها بأنها طموحة، أو من خلال مواجهة السلوكيات العنيفة والعدوانية بفرض سلطة صارمة أكبر، الأمر الذي يؤدي إلى تفاقم الصراع على السلطة والصلاحيات.
يمثل سلوك رهام في فريق فادي مثالاً واضحاً على نمط المواجهة، فقد تحولت غالبية مناقشات فريقه معها إلى مواجهات حادة، ووجد فادي نفسه منخرطاً في هذه النزاعات. عندما أدرك أن سلوكها يمثل استجابة دفاعية للتهديدات عن طريق المواجهة وليس رغبة في السيطرة والتحكم، عمل على تغيير أسلوبه. فبدلاً من أن يقابلها بالعنف نفسه، عمل على تهدئة وتيرة النقاش وطرح أسئلة فضولية، كما سلط الضوء على المواقف التي أسهمت من خلالها في التفاعل مع أفراد الفريق وتعزيز أفكارهم. بالإضافة إلى ذلك، تحدث إليها مباشرة حول كيفية تعامل الآخرين معها وانطباعاتهم عن تصرفاتها. وبمرور الوقت، أصبحت أكثر تعاوناً وأدركت أنها تستطيع التعبير عن رأيها دون أن تحاول الفوز في كل نقاش.
كيفية تعزيز الشعور بالأمان النفسي:
- الحرص على تجسيد نموذج للفضول الهادئ: عند حدوث نزاع، اخفض نبرة صوتك واطرح أسئلة مفتوحة. يمكنك أن تقول: "ألاحظ أنك تبدي رأياً حاداً حول هذا الموضوع، هل تستطيع توضيح أهم النقاط بالنسبة لك؟".
- تحويل الخلافات إلى فرص للتعاون: تعامل مع النزاعات على أنها مشكلة مشتركة تحتاج إلى حل، وليست منافسة. على سبيل المثال، يمكنك أن تقول: "يبدو أننا نهتم بتحقيق الهدف نفسه، فلنبحث عن طريقة لدمج وجهات نظرنا".
- تشجيع التعاون بدلاً من المواجهة: احرص على تقدير المواقف التي يتعاون فيها الأفراد ويدمجون أفكارهم أو يقدمون التنازلات للتوصل إلى حلول وسط، يمكنك أن تقول: "إن أكثر ما أعجبني في هذا النقاش هو تعاونكم لتطوير أفكاركم المشتركة وتعزيز قيمتها".
2. الهروب
يظهر نمط الهروب عندما ينسحب الموظفون لتجنب الظهور أو المواجهة. فقد يرفضون الفرص، أو يتجنبون النزاعات من خلال التزام الصمت في الاجتماعات، أو ينسحبون عندما تزداد حدة النقاشات. وقد يشير هذا السلوك إلى ضعف مستوى الأمان النفسي في بيئة العمل. عندما يعتقد الأشخاص أن التعبير عن آرائهم سيعرضهم للعقاب أو الإحراج يفضلون الانسحاب. يعزز المدراء هذا الأمر من خلال عدم ملاحظة صمت الموظفين في الاجتماعات وتفسير الانسحاب على أنه انفصال أو دليل على قلة الكفاءة، أو من خلال المبادرة لكسر الصمت بأنفسهم واحتكار الحديث.
كيفية تعزيز الشعور بالأمان النفسي:
- تشجيع الموظفين الأقل مشاركة للمساهمة والتعبير عن آرائهم: افتح المجال للمشاركة وإبداء الآراء دون إحراج أحد. على سبيل المثال، يمكنك أن تقول: "أقدر رأيك في هذا الموضوع، هل تود التعبير عن وجهة نظرك؟"
- تأكيد قيمة المساهمات من خلال تقديرها بطريقة إيجابية وداعمة: حتى لو كانت الفكرة بسيطة أو غير مكتملة، سلط الضوء على قيمتها. على سبيل المثال، يمكنك أن تقول: "هذه نقطة انطلاق جيدة ومفيدة، دعونا نعمل على تطويرها معاً".
- وضع قواعد ومعايير واضحة تعزز الأمان النفسي: ذكر الفريق في بداية الاجتماع بأن الهدف هو توليد الأفكار وليس التقييم أو إصدار الأحكام، بالإضافة إلى دعوة الفريق للتعامل مع الأفكار بروح الفضول والانفتاح.
3. التجمد
يتجلى هذا النمط في عجز الأفراد عن اتخاذ القرارات أو التقدم والمبادرة، أو من خلال الاكتفاء بتقديم إجابات سريعة وتلقائية في الاجتماعات مثل "لا أعرف" لتجنب تحمل المسؤولية أو الوقوع في الخطأ. قد يبدو عليهم التشتت والشرود الذهني أو التردد المستمر أو الانغماس في الشلل التحليلي. قد يعكس هذا السلوك خوفاً شديداً من التقييم لدرجة تجعل الشخص يعتقد أن عدم اتخاذ أي خطوة يكون أفضل وأكثر أماناً من المخاطرة وارتكاب خطأ. يتسبب المدراء غالباً في تفاقم هذه المشكلة من خلال الضغط بشدة للحصول على إجابات فورية أو إظهار الاستياء من تردد الموظف أو التدخل لاتخاذ القرارات بدلاً منه، ما يعزز شكوكه الذاتية ويضعف ثقته بنفسه.
كيفية تعزيز الشعور بالأمان النفسي:
- التعامل مع التردد أو حالة عدم اليقين بوصفها جزءاً طبيعياً من العمل: يمكنك أن تقول: "إذا لم تكن لديك إجابة الآن، فلا بأس، دعنا نناقش الفكرة معاً لنتوصل إلى حل".
- تقسيم المشكلات إلى خطوات أصغر: عندما يظهر على الموظف العجز عن اتخاذ القرار أو المبادرة بسبب القلق أو الخوف من التقييم، ساعده على البدء بخطوة بسيطة ومحدودة للخروج من حالة التجمد، على سبيل المثال، يمكنك أن تقول: "فلنبدأ بتحديد المعلومات المتوفرة لدينا، وبعد ذلك يمكننا تحديد الخطوة التالية".
- تقديم التوجيه من خلال الاستكشاف: بدلاً من تقديم الحلول مباشرة، اطرح أسئلة توجيهية مثل: "ما هو الحل الأول الذي خطر في بالك للتعامل مع هذا الموقف؟".
4. الاسترضاء/التملق (التودد)
يمكن ملاحظة هذا السلوك لدى الموظفين الذين يتفقون دائماً مع وجهات نظر القادة وقراراتهم، أو يتولون مهام إضافية لإرضاء الآخرين، أو يتجنبون التعبير عن آرائهم المعارضة لتجنب الرفض. على الرغم من أن هذا السلوك قد ينظر إليه على أنه ولاء أو التزام بالعمل الجماعي، فإنه قد يعكس شعور الموظفين بعدم الأمان للتعبير عن آرائهم الحقيقية. يسهم المدراء بتعزيز هذا النمط بطريقة غير مقصودة من خلال الإشادة بالامتثال؛ مثل أن تصف شخصاً ما بأنه يتمتع بروح الجماعة، أو تحميل الأشخاص الذين يسعون لإرضاء الآخرين مسؤوليات إضافية، أو سوء تفسير الإيماء بالموافقة على أنه دليل على التوافق الحقيقي.
كيفية تعزيز الشعور بالأمان النفسي:
- تشجيع تقديم ملاحظات معارضة بأسلوب محترم: على سبيل المثال، يمكنك أن تقول: " يسعدني أن أستمع إلى أي مخاوف أو آراء معارضة؛ فذلك سيساعدنا على اتخاذ قرار أقوى"، ثم اشكر الموظف الذي عبر عن رأيه من خلال عبارة مثل: "شكراً لك على هذه الملاحظة المهمة؛ إنها وجهة نظر مهمة ربما لم ننتبه إليها من قبل".
- توزيع المهام بطريقة عادلة: لاحظ الأشخاص الذين يتطوعون بسرعة لأداء المهام ووزع الفرص بطريقة مدروسة. على سبيل المثال، يمكنك أن تقول: "سنتناوب على هذه المهمة لضمان مشاركة الجميع، وليس فقط الذين يتطوعون دائماً".
- تشجيع الصراحة: بدلاً من مكافأة الأشخاص الذين يظهرون الامتثال فقط، سلط الضوء على الذين يتحدثون بصدق عن التحديات والمشكلات المحتملة. على سبيل المثال، يمكنك أن تقول: "أحترم شجاعتك في الإشارة إلى المخاطر المحتملة في هذه الخطة، فهذه الصراحة تعزز قوة الفريق".
5. الاحتياج إلى الدعم (التعلق أو طلب المساعدة)
قد يظهر هذا النمط في مكان العمل عندما يطلب الموظفون الطمأنة باستمرار للتأكد من صحة عملهم، أو عندما يعتمدون على المدير للحصول على التوجيهات، أو عندما يبالغون في عرض المشكلات للحصول على الملاحظات والدعم. تعكس هذه التصرفات غالباً شعور الموظف بعدم الثقة في توفر الدعم باستمرار إلا عند المطالبة به. يمكن أن يسهم المدراء أحياناً في ترسيخ هذا السلوك من خلال التدخل المباشر لحل المشكلات وتحمل المسؤولية نيابة عن الموظف، أو من خلال الاستجابة فقط عندما يقدم الموظف طلبه بأسلوب يوحي بضرورة الاستجابة العاجلة.
يجسد محمود مثالاً على الموظف الذي يسعى باستمرار للحصول على التأكيد والدعم. شعر فادي في البداية بالإرهاق والانزعاج من تكرار طلبات المراجعة والطمأنة من محمود، ولكن عندما أدرك أن هذا السلوك يمكن أن يكون تعبيراً عن التعلق أو طلب المساعدة، عمل على تغيير طريقة تعامله معه. وذلك من خلال تنظيم اجتماعات فردية منتظمة معه وتوضيح التوقعات منذ البداية والاستجابة باستمرار دون تشجيع سلوك المبالغة في تصوير المشكلات وطلب الدعم. وبمرور الوقت، تراجع شعور محمود بالقلق؛ إذ لم يعد يضطر إلى المبالغة في طلباته لأنه كان يثق في أن فادي سيقدم له دعماً مستمراً.
كيفية تعزيز الشعور بالأمان النفسي:
- تحديد أوقات ثابتة يمكن التنبؤ بها لتقديم المساعدة والدعم للموظفين: احرص على إجراء لقاءات متابعة منتظمة بحيث يمكن للموظف التعبير عن احتياجاته دون المبالغة في تضخيم الأمور، على سبيل المثال، يمكنك أن تقول: "سنلتقي كل يوم خميس لمراجعة التقدم والملاحظات، لذلك، لا داعي للانتظار حتى تزداد الضغوط وتصل إلى حالة شديدة من الإرهاق".
- تقديم الدعم بطريقة منتظمة وليس فقط عند الحالات الطارئة: احرص على معاملة الطلبات جميعها بالاهتمام نفسه وتجنب التركيز على الطلبات العاجلة أو المبالغ فيها أكثر من الاهتمام بالتحديثات الروتينية أو المنتظمة. بدلاً من ذلك، قل: "شكراً على لفت انتباهنا لهذا الأمر، سنتعامل معه كما نتعامل مع المسائل الأخرى".
- تشجيع الاستقلالية: بدلاً من التدخل المباشر، اطرح السؤال التالي: "ما هي الخطوات التي اتخذتها بالفعل؟" أو "ما هو أول خيار يخطر ببالك لمعالجة هذه المشكلة؟".
6. الانسحاب الكامل (الاستسلام)
يشير الانسحاب أو الاستلام إلى توقف الموظف كلياً عن المشاركة الفعالة؛ إذ يتوقف عن الإسهام في تقديم الأفكار، أو يتبنى سلوكاً لا مبالياً. قد يظهر ذلك من خلال الحضور الجسدي في مكان العمل دون مشاركة حقيقية أو التزام نفسي وعاطفي بالعمل، أو من خلال الاحتراق الوظيفي، بحيث يفقد الشخص حماسه وشغفه. يمثل هذا السلوك مؤشراً واضحاً على ضرورة تعزيز الأمان النفسي، إذ يشعر الشخص بعدم الأمان لدرجة تدفعه إلى الانسحاب الكامل لحماية نفسه. يعزز المدراء هذا النمط من خلال وصف أداء الموظفين بالضعيف أو من خلال محاولة تحفيزهم بزيادة الضغط، ما يؤدي إلى زيادة شعورهم بالاستسلام. بدلاً من ذلك، يجب أن يتساءل القادة عما إذا كانت بيئة الفريق توفر الأمان الكافي للموظف لطلب الدعم اللازم.
لاحظت إحدى العميلات تحول أحد المهندسين المتميزين إلى شخص هادئ جداً ويلتزم الصمت في الاجتماعات ويتأخر في تسليم المهام وينفصل تدريجياً عن العمل. بدلاً من توبيخه، تحدثت إليه على انفراد وطرحت عليه السؤال التالي: "لقد لاحظت أنك أصبحت أقل تفاعلاً ومشاركة في الاجتماعات، هل كل شيء على ما يرام؟" أوضح أنه يشعر بالاحتراق الوظيفي بسبب الأولويات المتزاحمة. عملت معه على إعادة ترتيب أولويات مشاريعه وقللت العبء من خلال توزيع بعض المهام على الآخرين وشجعته على الحصول على إجازة. أدى هذا التدخل إلى إعادة انخراطه وتركيزه وتفاعله، كما أظهر للفريق بأكمله أن الاهتمام برفاهة الموظفين لا يقل أهمية عن تحقيق النتائج المطلوبة.
كيفية تعزيز الشعور بالأمان النفسي:
- إبداء التعاطف والتفهم في التعامل مع الموظفين: يمكنك أن تطرح على الموظفين أسئلة واضحة ولطيفة، مثل "لقد لاحظت انخفاض مستوى مشاركتك في الاجتماعات، هل هناك أي مشكلة؟".
- معالجة مصادر الضغوط داخل المؤسسة: يمكنك طرح السؤال التالي: "ما هي الجوانب أو المهام التي تسبب لك الإرهاق وتستنزف طاقتك في الوقت الحالي؟ وكيف يمكننا تحسين الوضع؟" ثم اتخذ بعض الإجراءات؛ مثل إعادة توزيع المهام، أو توضيح الأولويات، أو إزالة العقبات.
- توفير مساحة للراحة والتعافي: اجعل فترات التوقف والاستراحة أمراً طبيعياً في بيئة العمل. على سبيل المثال، يمكنك أن تقول "أريدكم أن تأخذوا استراحة يوم الخميس للراحة واستعادة النشاط والطاقة، لأن رفاهتكم مهمة جداً لنجاح الفريق".
لا تمثل ردود الفعل الدفاعية تجاه التهديدات عيوباً أو مشكلات يجب إصلاحها، بل هي رسائل يجب فهمها والتعامل معها. يمكن أن تنشأ هذه السلوكيات عندما تكون بيئة العمل غير آمنة، ويمكن أن تختفي عندما يثق الموظفون في قدرتهم على التصرف على طبيعتهم والتعبير عن آرائهم بصراحة دون خوف من العقاب. تتمثل مهمة القادة في تفسير هذه السلوكيات بوصفها مؤشرات مهمة تكشف تجربة الأفراد وانطباعاتهم عن جو العمل. عندما تتسم ردود فعلك بالفضول والاتساق والتعاطف، فإنك توفر الأمان النفسي الضروري لتفعيل المساهمات الحقيقية والصادقة التي لا تظهر بسبب أنماط وسلوكيات دفاعية غير مفيدة.