فن تلقي الملاحظات: لماذا يجب ألا تأخذ كل رأي على محمل الجد؟

3 دقيقة
الملاحظات
app.envato.com/macondoso

يؤكد المقال أن النضج المهني لا يعني قبول كل ملاحظة، بل القدرة على التمييز بين ما يرشد المسار فعلاً وما يمكن تجاوزه بوعي وامتنان، مع الحفاظ على الثقة بالنفس والوضوح في الهدف. ويوضح أن أسباب عدم فعالية بعض الملاحظات تتمثل في صدورها عن أشخاص غير مطلعين على السياق أو بدوافع…

"يعلموننا أن نتقبل الملاحظات في العمل، لكن لا أحد يعلمنا متى يجب أن نتجاهلها".

في أحد الاجتماعات الأسبوعية داخل شركة محلية، أنهى موظف شاب عرضه بثقة. ولم تمض دقائق حتى انهالت عليه الملاحظات: مدير يطالبه بأن يكون "أكثر جرأة"، وآخر يلمح إلى أن أسلوبه "حاد أكثر من اللازم"، وزميل ينصحه بأن "يخفف حضوره" حتى لا يفهم بطريقة خاطئة. خرج من القاعة مثقلاً بالتساؤلات: هل الخلل في أدائي فعلاً؟ أم إن المشكلة تكمن في تضارب التوقعات؟

لا تعد هذه التجربة استثناء في بيئات العمل العربية، إذ تتداخل الاعتبارات المهنية مع الحساسية الاجتماعية، وتسود ثقافة إبداء الرأي أحياناً دون إطار واضح للملاحظات البناءة. وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف نستفيد من الملاحظات دون أن نفقد بوصلتنا المهنية أو ثقتنا بأنفسنا؟

الملاحظات: من أداة تطوير إلى مصدر تشويش

في الثقافة المهنية العربية، ينظر غالباً إلى تقبل الملاحظات على أنه دليل نضج وتواضع، وقد يشعر البعض بالذنب إن لم يأخذ بكل تعليق يوجه إليه. لكن في الواقع لا تهدف كل الآراء فعلاً إلى التطوير.

وكثيراً ما تأتي الملاحظات بصيغة عامة مثل: "أسلوبك لا يناسب الجميع" أو "كان يمكن أن يكون أفضل"، دون تحديد واضح لمواطن الضعف أو سبل التحسين. وأحياناً تصدر عن أشخاص لم يكونوا جزءاً من التفاصيل، أو لا يملكون فهماً كاملاً للسياق التنظيمي أو الضغوط المحيطة بالعمل، ومع تراكم هذه التعليقات يتولد لدى الشخص شعور بالارتباك وتتراجع ثقته بنفسه، ما يدفعه إلى محاولات متكررة لإرضاء الجميع على حساب وضوح أدائه.

وتؤكد الأبحاث هذا الأثر؛ إذ ثمة بحث حديث بعنوان: "أحسنت! تأثير التقييم الإيجابي والسلبي على الأداء" يشير إلى أن الملاحظات الإيجابية تحفز الأداء بفعالية أكبر، بينما لا تحقق التعليقات السلبية وحدها النتيجة المرجوة. كما أن دراسة أخرى بعنوان: "تأثير التقييم السلبي من الذكاء الاصطناعي مقابل التأثير السلبي من القائد على سلوك الانسحاب لدى الموظفين" أظهرت أن الملاحظات الناقدة قد تولد شعوراً بالخجل وتضعف إحساس الموظف بالكفاءة.

لماذا تبدو بعض الملاحظات غير مفيدة؟

تتفاقم صعوبة تلقي الملاحظات بفعالية، خصوصاً في بيئة الأعمال العربية، لعدة أسباب، ومن أبرزها:

  • تجنب الوضوح والنقد المباشر واللجوء إلى التلميح أو التحدث في إطار عام.
  • الخلط بين السياقين الشخصي والمهني، بحيث تفهم الملاحظة أحياناً على أنها حكم على الشخص لا على أدائه.
  • تفاوت السلطة، فقد تأتي بعض الملاحظات من مواقع إدارية عليا دون مساحة للنقاش أو الاستيضاح.

كيف نميز الملاحظة التي تستحق الأخذ بها؟

تتحول الملاحظات إلى ضوضاء حين نستقبلها عشوائياً؛ فالتحدي الحقيقي لا يكمن في كثرتها، بل في القدرة على تمييز ما يستحق الأخذ حقاً. وغالباً ما تشترك الملاحظات المؤثرة في السمات التالية:

  • أن تصدر ممن يفهم السياق: أي من شخص مطلع على طبيعة العمل ومتطلباته، ويدرك تحدياته الواقعية.
  • أن تكون النية واضحة: فالملاحظة التي تنبع من رغبة صادقة في الدعم والتطوير تختلف جذرياً عن تلك التي تحركها الأنا أو الأحكام المسبقة.
  • أن تكون محددة وقابلة للتطبيق: أي النقد الذي يتضمن إيضاحاً لما يمكن تحسينه، مع سبل إنجازه. فعبارة محددة مثل "في العرض القادم حاول تبسيط الأرقام في الشريحة الثالثة" تبدو أكثر فائدة من عبارة عامة مثل: "حسن أسلوبك".
  • أن يجري تقديمها في الوقت المناسب: يساعد تقديم الملاحظات قبل المهمة وفي أثنائها على تصحيح المسار والتعلم أسرع. وقد أظهرت دراسة أجراها باحثون من جامعة نبراسكا أن اكتساب المهارات يكون أسرع وأكثر كفاءة عند تقديم الملاحظات مباشرة.

5 خطوات عملية لتلقي الملاحظات بوعي وثقة

يمكنك الاستفادة من الملاحظات البناءة وتجاهل ما يشتت تركيزك؛ من خلال الخطوات التالية:

  1. اطلب التوضيح عند الحاجة واستفسر عن السياق الذي قدمت فيه الملاحظة للتأكد من أنها مبنية على حقائق لا على انطباعات منقولة.
  2. امنح نفسك وقتاً للتفاعل بهدوء؛ استمع للملاحظة بانتباه، واحرص على لغة جسد متزنة، ثم اطلب أمثلة عند الحاجة، وعبر عن تقديرك بقولك: "أقدر ملاحظتك وسأفكر بها".
  3. قيم الملاحظة بموضوعية، واسأل نفسك: "هل تعكس جوانب يمكن تحسينها؟ هل تتسق مع معاييري وأهدافي المهنية؟". إذا كانت كذلك؛ خطط لكيفية الاستفادة منها والعمل بها. وإذا كانت غير صائبة أو خارجة عن السياق، يمكنك ببساطة شكر المحاور على ملاحظته قبل تحويل التركيز إلى جزء آخر أو إلى أهدافك الخاصة.
  4. احرص على تبني عقلية النمو، وتعامل مع الملاحظات بوصفها فرصاً للتعلم لا أحكاماً شخصية، واستخدمها دافعاً لتطوير مهاراتك.
  5. لا تسع لإرضاء الجميع على حساب وضوحك؛ فوضوح الرؤية أهم من تعديل المسار مع كل رأي.

في النهاية، لا يعني إتقان فن تلقي الملاحظات جمع أكبر عدد ممكن من الآراء، بل امتلاك القدرة على فرزها بوعي؛ أن تعرف من يستحق أن تصغي له، وما الذي يستحق أن تطبقه، ومتى تمضي في طريقك بثقة. فالنضج الحقيقي لا يظهر في كثرة التعديل، بل في وضوح الرؤية والاطمئنان إليها.

والآن، ما هي أكثر ملاحظة تلقيتها وتسببت في أرباكك؟ وهل كانت فعلاً تستحق أن تغير مسارك؟

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2025.

المحتوى محمي