طرق إدارية غير مألوفة يتبعها جنسن هوانغ رئيس أكبر شركة في العالم

15 دقيقة
جنسن هوانغ
تصميم الصورة: تشات جي بي تي

الرجل الذي أسس أكبر شركة في العالم حالياً، وهي "إنفيديا"، لديه طريقة إدارية غير مألوفة تستحق الاهتمام، فهو يؤمن بأن الألم ضروري للنجاح، وأن القائد الجيد عليه أن يعذب موظفيه للوصول إلى العظمة. ويؤمن بأن تقديم الملاحظات للموظفين يجب أن يكون علناً، وليس باجتماع انفرادي، لأ…

جنسن هوانغ رجل ليس سهلاً، فقد أسس الشركة التي يعتمد عليها معظم شركات الذكاء الاصطناعي في عام 1993، واهتم بتصميم رقائق أشباه الموصلات والمعالجات التي يندر أن يخلو أي بيت أو مكتب منها حول العالم. ويقول بأنه فكر في عمل شركة تحتاج إليها كل شركات التكنولوجيا ولا تتنافس معها. وفعلاً، الكل يحتاج إليها. إنفيديا اليوم بحجم دولة، فقد استطاعت أن تؤثر في الرئيس الأميركي ليسمح بتصدير بعض منتجاتها للصين على الرغم من القيود الأميركية.

هذا الرجل الذي يحمل الخلطة التايوانية الأميركية، جنسن هوانغ، والذي أسس إنفيديا، هو مهندس تقني لم يتعلم إدارة الأعمال سوى من خلال عمله وتجربته، ولكنه يتميز اليوم بتجربة قيادية تجعل طلاب الأعمال يستمعون إليه. فقد ألقى محاضرتين منفصلتين أمام طلاب جامعة هونغ كونغ وطلاب جامعة ستانفورد. نعم واحدة في الصين والثانية في أميركا، حيث درس في هونغ كونغ بداية حياته ثم تخرج في ستانفورد. ماذا قال للطلاب في الجامعتين؟ قال لهم: عندما أقول لكم أتمنى لكم المزيد من النجاح، فإن ذلك يعني بالضرورة: "أتمنى لكم الكثير من الألم".

هذا الرجل ذو الأصل التايواني بكل مرونته وقدرته على التأقلم، ثم التربية الأميركية حيث الحلم بلا حدود. وصل إلى قناعته المجربة في إدارة الأفراد. فهو يقتنع بأن العظمة لا تتحقق إلا بالتعب. لا بل بالألم والعذاب. ولديه قناعة بمبدأ يسميه "التعذيب من أجل العظمة".

منهج هوانغ يتمثل في الوصول إلى العظمة، وهو يصر على هذا الهدف، ولا يستخدم تعبير "النجاح". بل يقول دوماً إن عليك أن تستهدف الوصول إلى نتيجة لم يحققها أحد غيرك. وفي الوقت نفسه، هو يصر على أن تجعل سقف توقعاتك من نفسك معقولاً في كل مرحلة من مراحل التطور.

خلطة عجيبة، صح؟ نعم، لكن انتظر؛ فإن لجنسن هوانغ رؤية متكاملة للوصول إلى العظمة من خلال هذه الخطوات.

إذا كنت مهتماً بمتابعة المزيد من أفكار الدكتور حمود المحمود، اشترك في نشرته البريدية الموجهة للمدراء العرب والطامحين للقيادة، سجل على الرابط من هنا لتصلك النشرة.

التعذيب من أجل العظمة

تختلف طرق القادة حول التعامل مع الموظفين المتعثرين. بالنسبة لهوانغ فهو لا يؤمن بفكرة الطرد السريع؛ بل يقول بصراحة: "أفضل أن أعذبك للوصول إلى العظمة على أن أتخلى عنك". هذا المصطلح، على الرغم من قسوته الظاهرية، يحمل في طياته إيماناً عميقاً بقدرة الإنسان على التعلم.

هوانغ نفسه، الذي بدأ حياته المهنية في "تنظيف الحمامات" قبل أن يصبح رئيساً تنفيذياً، يدرك أن المهارات تكتسب بإعطاء فرصة ثانية للموظف وقدرته على المثابرة. هو لا يبحث عن "مرتزقة" يمارسون الوظيفة من أجل الراتب فقط، بل عن أشخاص يمكن صقلهم وتحويلهم إلى نجوم، تماماً كما يشترط جيف بيزوس في "أمازون" توظيف من لديهم احتمالية التحول إلى "نجوم".

تتشابه طريقة هوانغ قليلاً مع طريقة مدير القرن جاك ويلش، والذي ذكرنا في مقال عن طريقته في تقييم الموظفين، أنه يعطي الموظف المتعثر ذا الأداء المنخفض فرصة للتدريب والتأهيل، لكن الموظف الذي لا يتحسن بعد هذا التدريب فإن مصيره الطرد. بينما يبدو هوانغ أكثر إصراراً على التدريب حتى التعذيب. فمن يريد النجاح يستمر للتعلم في مدرسة إنفيديا وجنسن هوانغ، ومن لا يتحمل يغادر.

وجهة نظر هوانغ، هي أن الموظف الذي قد يقرر المدير فصله من العمل، قد يكون بات قريباً جداً إلى "لحظة التحول" أكثر مما تظن أو يظن الموظف نفسه.

اختر ما هو صعب عمداً

ينصح هوانغ باختيار مشكلات "شديدة الصعوبة"؛ ليس لأن الصعوبة هدف بحد ذاتها، بل لأنها تمنحك وقتاً أطول للتعلم، وتقلل المنافسة تلقائياً؛ لأن قليلاً من الناس يجرؤون على الدخول في الأمور الصعبة، والصعاب تكشف من يملك قدرة التحمل في التفكير والجهد.

من وجهة نظر هوانغ، فإن من يستطيع أن يتحمل الألم فترة أطول هو من يفوز.

في الأسواق عالية التنافس، المشكلات السهلة تتحول سريعاً إلى حالات مستهلكة. أما المشكلات المعقدة، فتتطلب التزاماً طويل الأمد، لا يستطيع دخولها إلا أصحاب الفكر والإبداع والإرادة.

بالنسبة لهوانغ، اختيار المشكلة أهم من جودة التنفيذ. المشكلة الصعبة تصنع شخصية مختلفة وشركة مختلفة. فالعظمة حسب قائد إنفيديا لا تأتي من الذكاء فقط، بل من طبيعة الشخصية. والشخصية تتشكل من الصعوبات، والإخفاقات، والاستمرار على الرغم من الإحباط. وهذا ينطبق على الأفراد، وينطبق على الشركات.

النجاح ليس متعة يومية

واحدة من أكثر أفكار جنسن هوانغ أهمية، هي مقولته الشهيرة: لا تتوقع أن تحب عملك كل يوم. فهو يميز بين السعادة اللحظية والحب العميق لما تفعل. وقد لا يكون كل يوم ممتعاً في عملك، لكن الالتزام الطويل بالعمل الذي يحقق ذاتك وتجد له معنى في حياتك هو ما يصنع الإنجاز.

هذه الفكرة ضرورية لمن يتوقع أن يكون العمل ممتعاً كل يوم، فهو موجه للموظف وللمدير، وهو يعني أن العمل لا يمكن أن يكون فقط مهمات مسلية ممتعة، بل يجب أن يكون فيه جزء ممل ومزعج، ونظن أنه لا يناسب خبراتنا. لكنه مهم في صقل قدرتنا على الصبر والانضباط.

المرونة أهم من التوقعات العالية

يقول هوانغ إنه يفضل أن ينظر للحياة والعمل من مبدأ "التوقعات المنخفضة"، لأن التوقعات العالية لا تجعلك مرناً ومتقبلاً للتعثر والفشل. والتوقعات العالية تصيبك بالإحباط إن حصل تعثر أو فشل، بينما النجاح الحقيقي هو معركة طويلة النفس.

برأيه، فإن الأشخاص أصحاب التوقعات العالية جداً غالباً ما تكون مرونتهم منخفضة، بينما النجاح يتطلب قدرة على امتصاص الصدمات.

وهذه الفكرة التي يقدمها هوانغ، قد تبدو خلاف الأفكار التي نسمعها عن الطموح العالي، لكنها في الحقيقة تتعلق بالتركيز على مراحل الإنجاز وليس على الهدف النهائي الذي يمكن أن يكون كبيراً ويناطح الأفق. عموماً من يستمع لجنسن هوانغ سيعرف أنه لا يحبذ كلمات مثل "رؤية" أو "استراتيجية"، بل يؤمن بأهداف محددة بسيطة قابلة للتنفيذ.

الرئيس المباشر والإدارة المسطحة

من غرائب طريقة هوانغ في الإدارة، هو أن هذه الشركة التي يعمل فيها نحو 35 ألف موظف، تدار بطريقة شبه مسطحة، أي يسعى هوانغ لأن يقلل فيها طبقات المدراء والفرق. ويسعى لأن يجعل معظم المدراء يعملون مباشرة معه. وقد اشتهر بقوله إن 60 مديراً في شركة إنفيديا يرفعون تقاريرهم إليه مباشرة، أي هو نفسه المدير المباشر لهم. وهذا العدد يعتبر كبيراً جداً في عرف العمل الإداري. لكن هوانغ الذي نال في إحدى السنوات لقب أفضل رئيس تنفيذي في العالم من مجلة هارفارد بزنس ريفيو، يعلم ما يفعله. بالنسبة له فإن الهدف من اتباع هذه الإدارة شبه المسطحة، وإتباع هذا العدد الكبير من المدراء المتوسطين له مباشرة، هو تقليص الهرمية لتسريع الذكاء المؤسسي. بالنسبة له، كلما اقتربت القيادة من صانعي القرار الفعليين، أصبحت المؤسسة أكثر سرعة وأقل بيروقراطية.

هذه الطريقة هي التي اعتمدها قبله ستيف جوبز، فقد كانت آبل في عهده تدار بطريقة مسطحة تقريباً من الناحية الإدارية. ويقول جوبز في إحدى المقابلات معه، إن ما ساعد على إبداع آبل وابتكارها هو عدم وجود الطبقات الإدارية، وعدم وجود أي لجان بيروقراطية في الشركة، أو اجتماعات مضيعة للوقت.

وكذلك، فإن هوانغ لا يعتمد على الاجتماعات الفردية التقليدية "واحد لواحد"، بل يفضل مناقشة التحديات والاتجاهات والقرارات أمام فريق القيادة بالكامل معاً. بالطبع قلما يجتمع الجميع في كل مرة، بسبب ارتباطات المدراء باجتماعات خارجية أو سفر أو غير ذلك. لكن هذه الطريقة مستمرة وتهدف لمشاركة مختلف العقول في كل الأفكار والقرارات.

وهو يرى أن المؤسسة حينما تتشارك في المعطيات نفسها، فإن جودة النقاش تتسع وتتحسن عبر مشاركة الخبرات. وهي طريقة تشبه طريقة المستثمر العالمي راي داليو، الذي يجتمع مع قادة شركته ليستمع إليهم حول كل قرار، ويأخذ برأي الأجدر والأكثر اختصاصاً.

الملاحظات العلنية بوصفها أداة تعلم جماعي

على عكس الشائع، إذا كان لدى هوانغ ملاحظة تصحيحية أو "تغذية راجعة" حول أحد المدراء أو الموظفين، فإنه لا يقدمها في جلسات مغلقة. بل يناقشها أمام الجميع. وجهة نظره في هذا الأمر كما يقول: الخطأ الفردي فرصة تعليمية جماعية.

إذا تعلم شخص واحد من الخطأ، فقد تحسن الأداء فردياً، أما إذا تعلم الفريق كله، فقد ارتفع مستوى المؤسسة.

هذا النهج يتطلب ثقافة عالية من النضج والثقة، لكنه يحول الأخطاء إلى دراسات حالة حية، بدلاً من أن تكون تجارب محرجة معزولة.

وهذه الطريقة في تقديم الملاحظات على غرابتها، فإنها معتمدة أيضاً لدى قادة ناجحين مثل راي داليو الذي يعتمدها في إدارة واحد من أكبر صناديق التحوط الاستثماري في العالم.

أهم خمسة أشياء

وبديلاً عن الاجتماعات الدورية، يطلب هوانغ من المدراء كلهم الذين يقدمون تقارير مباشرة له وعددهم 60، بأن يرسلوا له إيميلاً أسبوعياً عن أحوالهم وأحوال مشاريعهم التي يعملون عليها. هوانغ يرى أن تقارير الحالة غالباً ما تكون "معلومات مفلترة" لا صلة لها عملياً بالواقع. ولذلك، فهو يطلب بدلاً من ذلك من كل موظف ومدير بإرسال إيميل بعنوان "Top Five Things"، أهم خمسة أمور يراها مهمة، سواء كانت مهنية أم شخصية حول الأمور التي يعمل عليها.

وهو باعتباره رئيساً تنفيذياً، يقرأ يومياً عشرات الرسائل منها. لماذا؟ يقول إنه يحصل منها على اطلاع حقيقي وواقعي على أحوال المشاريع وأحوال الموظفين الذين يقودونها.
وهو يعتقد أن الموظف الذي لا يستطيع كتابة "أهم خمسة أشياء" عن مشروعه الذي يعمل عليه، فالمشكلة ليست في التنفيذ، بل في الفهم. عندها عليه أن يستكشف أكثر ما يعوق هذا المدير أو الموظف من التقدم.

التخطيط المستمر

في القطاعات التقنية حيث يتضاعف الأداء وتتطور الأدوات بسرعة، يعتبر هوانغ الخطط الخمسية عبئاً ومخاطرة. وبدلاً من التخطيط السنوي الجامد، يفضل اتباع منهج التخطيط المستمر، والتكيف الدائم.

هو يعترف بأنه قد يغير رأيه عشرات المرات في السنة. لكن التغيير في بيئة تخطيط مستمر ليس ضعفاً، بل ميزة تنافسية.

وهو يعتبر أن العمل يجب أن يختاره الإنسان ليكون مجالاً يريد أن يقضي معظم حياته معه، وليس مجرد أمر عابر. وعندما يمتلك الإنسان هذا الشغف تجاه عمله يصبح قادراً على تحمل الألم في سبيل الوصول إلى العظمة فيه.

الجهد والذكاء

طريقة هوانغ المليئة بالمعاناة للوصول إلى العظمة، قد تصطدم مع الأفكار المعاصرة لدى جيل الشباب حول الراحة. وقد قرأت مؤخراً على إحدى المنصات المهتمة بالتطور المهني والموارد البشرية في إنستغرام نصاً بعنوان "خرافة العمل الشاق"، ويطرح فكرة أن النجاح لا يحتاج للجهد بل للذكاء في هذه الأيام. وفي جزء آخر من البوست، يذكر الحساب قصة شخص جاء لصيانة سفينة فطلب لقاء ضربة مطرقة 10 آلاف دولار، فغضب صاحب السفينة، وتساءل كيف يمكنه أن يطلب 10 آلاف دولار لقاء طرقة واحدة، فرد عامل الصيانة بأن قيمة ضربة المطرقة هي دولار واحد، بينما معرفة أين تضرب المطرقة تستحق "9،999" دولاراً. حسناً، لكن هل هذه الخبرة في معرفة أين تضرب المطرقة، جاءت من دون تعب أو جهد؟

في البلاد العربية، يتحدث كثير من القادة مثل مؤسس شركة داماك ورئيسها، حسين سجواني، عن طريقة مماثلة في وصفة النجاح. فهو يرى أن الشباب في منطقتنا بحاجة للعمل ليل نهار ليحققوا النجاح. وهو يقول إن رأيه هذا جلب له انتقادات كبيرة، لأن الجيل الحالي لا يؤمن ربما بأن التعب هو طريق النجاح.

في المقابل، يظهر اتجاه آخر يقوده قادة تنفيذيون مثل إيلون ماسك، ومؤسس شركة روبن هود، فلاد تينيف، يقوم على أن الذكاء الاصطناعي سيقلل الجهد التقليدي، ويقرب العمل من المتعة. غير أن هؤلاء الذين هم قادة عنيدون بطبعهم يؤكدون، في الوقت نفسه، أن المهارة المهمة في المستقبل لن تكون الراحة، بل القدرة على التفكير النقدي بعمق. وهو شكل آخر من العذاب، عذاب فكري، يتطلب وضوحاً ذهنياً وخبرة متراكمة، وقدرة على التحليل واتخاذ قرارات معقدة.

 

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2025.

المحتوى محمي