تأسست مجموعة تايجر في الإمارات العربية المتحدة، وتطورت من شركة متخصصة في المجال العقاري إلى مجموعة متكاملة تعمل في قطاعات متنوعة. تمثل المجموعة نموذجاً للمؤسسات التي استطاعت تجاوز التحديات المالية وتحقيق نمو مستدام من خلال تبني استراتيجيات متجددة.
تعتمد المجموعة، بقيادة رئيس مجلس إدارتها وليد الزعبي، منهجية تستند إلى تحليل البيانات في اتخاذ القرارات، مع التركيز على محاور رئيسية تشمل الاستثمار في التعليم والتنمية المستدامة والمسؤولية الاجتماعية والحوكمة المؤسسية. هذه المنهجية أسهمت في تطوير رؤية متكاملة للنجاح المؤسسي تجمع بين الأهداف الاستراتيجية والاستدامة.
يستعرض المقال منهجية الزعبي في العمل والإدارة ويحلل الدروس التي يمكن استخلاصها منها، مع التركيز على التطبيقات العملية في سياق الأعمال المعاصر.
تأسست مجموعة تايجر العقارية في البداية كشركة صغيرة كانت تواجه تحديات مالية كبيرة تمثلت في غرامات وديون متراكمة. تحولت الشركة إلى مجموعة متكاملة بعد إعادة هيكلتها واعتماد استراتيجيات جديدة للنمو والتوسع القطاعي. قاد هذا التحول وليد الزعبي، الذي يجمع بين خلفية أكاديمية في الهندسة المدنية وخبرة عملية مبكرة في إدارة الأعمال.
تشكلت الخبرة الريادية المبكرة للزعبي من خلال نشأته في بيئة أعمال عائلية، حيث شارك في إدارة نشاط العائلة في تجارة الحبوب منذ سن مبكرة. تلك المشاركة أتاحت له فرصة فريدة لاكتساب فهم عميق لديناميكيات السوق وأساسيات الإدارة المالية والتفاوض قبل دخوله المجال الأكاديمي الرسمي. هذا الاندماج المبكر بين النظرية والتطبيق منحه ميزة تنافسية عند مواجهة التحديات المؤسسية لاحقاً، وعزز قدرته على تحليل وفهم المخاطر والفرص بشكل عملي ومتوازن. يقدم الزعبي نصيحة عملية للرياديين المبتدئين بضرورة فهم ديناميكيات السوق قبل إطلاق مشاريعهم الخاصة، قائلاً: "من الأفضل البدء كموظف لاكتساب فهم عميق لـ'البزنس' قبل التفكير في مشروع مستقل، إلا لمن يمتلك خبرة عملية مبكرة."
بدأت قصة المجموعة الحالية عندما تم الاستحواذ عليها في مرحلة كانت تعاني فيها من أزمة مالية، وتطورت بعد ذلك لتصبح نموذجاً في التنويع الاقتصادي والتكامل القطاعي. يعكس هذا التحول استراتيجية متكاملة للنمو المستدام واستغلال الفرص السوقية.
فيما يلي تحليل للمبادئ الخمسة التي شكلت أساس منهجية عمل وليد الزعبي:
1. التعليم المستمر كمحرك استراتيجي للتنافسية
يشكل التعلم المستمر والتطوير المهني حجر الزاوية في منهجية مجموعة تايجر. يؤكد الزعبي أن التعليم هو "ضربة المرش الأولى" للسير في طريق النجاح - وهي استعارة تشير إلى أهمية البدايات الصحيحة وتأسيس قاعدة معرفية قوية. الاستثمار في المعرفة والمهارات يساعد على تحسين جودة القرارات وتعزيز القدرة على التكيف مع المتغيرات.
يستشهد الزعبي بتجربة دول شرق آسيا، مثل كوريا الجنوبية وماليزيا وتايلاند، التي حققت تحولاً اقتصادياً ملحوظاً. يروي أنه في السبعينيات، كانت المستشفيات في سورية تستقبل متدربات من هذه الدول لتعلم مهنة التمريض، وهو ما دفعه للتساؤل عن سر النقلة النوعية التي جعلت هذه البلدان من أبرز الاقتصادات العالمية اليوم. ويخلص إلى أن التحول في أولويات التعليم كان العامل الحاسم في هذا التغيير الجذري.
ترجم الزعبي هذه القناعة من خلال مبادرات عملية مثل المساهمة في تأسيس جامعة اليرموك الخاصة في سورية عام 2005، وتقديم منح دراسية للطلاب السوريين. يؤكد على أهمية الاستثمار المبكر في التعليم، مستشهداً بالعائد الاقتصادي المرتفع للاستثمار في المراحل التعليمية المبكرة مقارنة بالمراحل المتقدمة، قائلاً: "إذا أنفقت دولاراً واحداً على الطفل خلال سنواته الدراسية الخمس الأولى ستربح 14 دولار، بينما الاستثمار في المراحل المتأخرة يحقق عائداً أقل بكثير."
تطبق المجموعة هذه الفلسفة داخلياً من خلال برامج التطوير المهني المستمر للموظفين، والاستثمار في البحث والتطوير، وبناء شراكات مع المؤسسات الأكاديمية والبحثية. هذا النهج مكّن المجموعة من بناء رأس مال فكري متميز يشكل ميزة تنافسية مستدامة في سوق سريع التغير.
2. المرونة الاستراتيجية في بيئة متغيرة
تتميز منهجية قيادة مجموعة تايجر بالتركيز على التنويع والمرونة للتكيف مع المتغيرات، وهي سمات أساسية لاستدامة الأعمال في بيئة تنافسية. تعكس استجابة المجموعة للأزمة المالية العالمية عام 2008 أهمية الإدارة الفعالة للأزمات والتخطيط الاستراتيجي طويل المدى، حيث ركزت على:
• إعادة هيكلة الأصول وتصفية الاستثمارات غير الأساسية
• اعتماد سياسة محافظة لإدارة التدفق النقدي
• تنويع مصادر الدخل عبر قطاعات متعددة لتخفيف المخاطر
هذه الاستراتيجية، التي يمكن وصفها بـ"إعادة التموضع الاستراتيجي"، ساعدت المجموعة على تجاوز الأزمة بخسائر محدودة مقارنة بمنافسيها في السوق، وأسست لمرحلة نمو جديدة بعد الأزمة.
شكلت التجربة نموذجاً للتعامل مع الأزمات المالية، حيث أثبتت أن المرونة والقدرة على اتخاذ قرارات استباقية تمثل ميزة تنافسية حاسمة. يشير الزعبي إلى أهمية المراجعة الدورية للخطط الاستراتيجية وتعديلها وفقاً للمستجدات، مؤكداً أنه "لا يمكن تحديد المسار بدقة لفترات طويلة دون وجود آلية للتعديل وفقاً للمتغيرات السوقية أو مؤشرات الأداء."
3. المسؤولية الاجتماعية كركيزة استراتيجية للاستدامة
تشير الدراسات العالمية إلى أن الشركات التي تدمج المسؤولية الاجتماعية في استراتيجياتها تحقق ميزة تنافسية وأداءً مالياً أفضل على المدى الطويل. وفقاً لدراسة أجرتها نيلسن، أبدى 55% من المستهلكين استعداداً لدفع أسعار أعلى مقابل منتجات من شركات مسؤولة اجتماعياً.
تتبنى مجموعة تايجر مفهوماً متكاملاً للمسؤولية الاجتماعية يتجاوز المبادرات الخيرية التقليدية إلى استدامة الأعمال (Business Sustainability) كإطار شامل. يعكس هذا التوجه فهماً عميقاً للعلاقة التكاملية بين نجاح الأعمال والمساهمة المجتمعية.
ترجمت المجموعة هذا التوجه من خلال مبادرات متعددة، أبرزها المساهمة في مبادرة "المليار وجبة" لمكافحة الجوع، والاستثمار في التعليم من خلال تأسيس مؤسسات تعليمية وتقديم منح دراسية.
يشدد الزعبي على أن المسؤولية الاجتماعية ليست مجرد نشاط تسويقي أو علاقات عامة، بل هي "إطار عمل قائم على الثقة بين الشركة وأصحاب المصلحة". هذا المفهوم يتوافق مع الاتجاهات العالمية المعاصرة التي تركز على خلق قيمة مشتركة (Creating Shared Value) بين المؤسسات والمجتمعات التي تعمل فيها.
4. بناء علاقات مهنية فعالة
يرى الزعبي أن العلاقات المهنية الإيجابية تشكل أساساً للنجاح المؤسسي، ويؤكد على أهمية القيم مثل التسامح والتواصل البناء في بيئة العمل. يقول: "لا يمكنك أن تتكلم إلا إذا كانت لديك أبجدية، ولا أن تنجح إلا وفق أسس محددة، ومن أسس النجاح العفو عن الآخرين والتسامح معهم، والابتعاد عن المجاملات، والاقتراب من الدبلوماسية".
يساهم هذا التوجه في خلق بيئة عمل إيجابية تعزز التعاون والإبداع والإنتاجية. يشدد الزعبي على أهمية "صناعة محيط آمن" سواء في الإطار العائلي أو المهني، معتبراً ذلك عاملاً مساعداً على النجاح والإبداع.
تتوافق هذه الرؤية مع اتجاهات حديثة في علم الإدارة تؤكد على أن التعاطف واللطف في بيئة العمل لا يقلان أهمية عن المهارات التقنية والذكاء التحليلي.
5. التطوير المهني والشخصي المستمر: القيادة بالقدوة
تعتمد مجموعة تايجر نموذج القيادة التحويلية (Transformational Leadership) الذي يركز على تأثير القادة في تحفيز وإلهام فرق العمل. يؤكد الزعبي على مسؤولية الفرد في تطوير قدراته المهنية والشخصية، وأهمية بناء العلاقات على أساس الثقة والنزاهة.
يستشهد الزعبي بالمقولة التراثية "الناس على دين ملوكهم"، مشدداً على أن القادة والمدراء يجب أن يكونوا قدوة في الأمانة والنزاهة أمام موظفيهم. هذا المفهوم ينسجم مع الأبحاث المعاصرة في القيادة التحويلية التي تؤكد أن سلوك القائد له تأثير مباشر على ثقافة المؤسسة وأدائها.
تعزيز السلوك الأخلاقي لا يسهم فقط في تقوية الروابط المهنية، بل يعزز أيضاً السمعة المؤسسية والميزة التنافسية في السوق. وتشير دراسات في مجال الإدارة إلى أن المؤسسات التي تتبنى نموذج القيادة بالقدوة تحقق معدلات أعلى من الرضا الوظيفي والالتزام التنظيمي، مما ينعكس إيجاباً على الإنتاجية والأداء المالي.
دور الإبداع المؤسسي في النمو المستدام
يمثل الإبداع المؤسسي (Corporate Innovation) عنصراً محورياً في استراتيجية مجموعة تايجر للنمو والتوسع. تعتمد المجموعة نهجاً متكاملاً للإبداع يشمل:
• خلق بيئة عمل محفزة للأفكار الجديدة
• تشجيع التفكير غير التقليدي وتقبل المخاطرة المحسوبة
• دعم مبادرات الموظفين الابتكارية
يشير الزعبي إلى أن "صناعة محيط آمن" في بيئة العمل تشكل شرطاً أساسياً لتعزيز الإبداع والابتكار. هذا المفهوم يتوافق مع نظريات الإبداع التنظيمي التي تؤكد على أهمية الأمان النفسي (Psychological Safety) كعامل محفز للإبداع والمشاركة الفعالة.
تجربة المجموعة في مجال الإبداع المؤسسي تقدم نموذجاً عملياً لكيفية تحويل التحديات إلى فرص من خلال تبني ثقافة الابتكار والتجديد المستمر.
رؤية مستقبلية: دروس للقيادة المؤسسية الفعالة
تقدم تجربة مجموعة تايجر وقيادتها نموذجاً متكاملاً للقيادة المؤسسية الفعالة التي تجمع بين النجاح المؤسسي والمسؤولية المجتمعية. يمكن استخلاص إطار عمل للقيادة الناجحة في بيئة الأعمال المعاصرة يستند إلى المحاور التالية:
1. المصداقية والحوكمة: بناء الثقة كأساس للعلاقات المهنية والمؤسسية
2. التعلم المؤسسي المستمر: تطوير منظومة للتعلم والتطوير على المستويات الفردية والجماعية والمؤسسية
3. الإبداع والابتكار: تعزيز ثقافة الإبداع من خلال خلق بيئة عمل محفزة
4. المرونة الاستراتيجية: تطوير القدرة على التكيف مع المتغيرات والاستجابة للأزمات
5. الاستدامة: دمج أهداف التنمية المستدامة في استراتيجيات الأعمال
تلخص تجربة مجموعة تايجر منهجية قيادية متكاملة تجمع بين التخطيط الاستراتيجي والإدارة الفعالة للموارد والالتزام بالقيم والمسؤولية المجتمعية، وتقدم نموذجاً يمكن الاستفادة منه في تطوير أطر نظرية وتطبيقية للقيادة المؤسسية في سياقات متنوعة.