كيف تتجاوز العوائق التنظيمية لتبني الذكاء الاصطناعي في شركتك؟

11 دقيقة
استخدام الذكاء الاصطناعي
إيش كوليكشن/غيتي إميدجيز

تواجه غالبية الشركات صعوبة في تحقيق قيمة حقيقية من استخدام الذكاء الاصطناعي؛ ليس بسبب ضعف التكنولوجيا نفسها، بل بسبب الموظفين والعمليات والسياسات الداخلية.

  • تشير بيانات الاستقصاء ودراسات الحالة إلى أن الخوف من فقدان الوظائف ونماذج العمل الجامدة وهياكل السلطة الراسخة داخل…

على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي أصبح محور حديث كبار المسؤولين التنفيذيين، فلا تزال غالبية المؤسسات تواجه صعوبة في تحقيق عوائد ملموسة من المبادرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.

لاستكشاف هذه التحديات بعمق أكبر، أجرينا بحثاً موسعاً شمل استطلاع آراء أكثر من 100 مدير تنفيذي بالإدارة العليا، بالإضافة إلى أكثر من 20 مقابلة في القطاعات المختلفة. كشف الاستطلاع أن 45% من المسؤولين التنفيذيين وجدوا أن العائد على الاستثمار من تبني الذكاء الاصطناعي كان أقل من التوقعات، في حين أفاد 10% فقط بأن النتائج تجاوزت التوقعات. كما أشارت النتائج إلى أن العقبات الأساسية ذات طبيعة تنظيمية، وليست تقنية. واستناداً إلى هذه النتائج، نحدد مجموعة مترابطة من العوائق التي تتركز حول 3 محاور رئيسية، وهي الأفراد والعمليات والسياسات الداخلية.

في هذا المقال، نستكشف هذه العوائق المترابطة ونناقش كيفية تعامل الشركات معها.

تهيئة الموظفين للتعامل مع الذكاء الاصطناعي

حدد البحث الذي أجريناه 3 مشكلات رئيسية عند تقييم استعداد الموظفين للتعامل مع الذكاء الاصطناعي، وهي الغموض والخوف من فقدان الوظائف بسبب اعتماد الذكاء الاصطناعي والقلق المرتبط بالصورة الذاتية والمكانة المهنية.

مشكلة الغموض: ما هو الدور الفعلي الذي سيؤديه الذكاء الاصطناعي؟

كشف استطلاع عالمي أجرته شركة سلاك في عام 2024 وشمل أكثر من 17,000 موظف في المكاتب أن 61% منهم خصصوا أقل من 5 ساعات لتعلم الذكاء الاصطناعي، في حين لم يتلق 30% منهم أي برامج تدريبية. يؤدي عدم فهم الذكاء الاصطناعي إلى تباين الآراء حوله؛ إذ يرى بعض الموظفين أنه مجرد ضجة إعلامية مبالغ فيها، في حين يفترض آخرون أنه قادر على حل المشكلات وإنجاز المهام المختلفة جميعها.

لا تقتصر شكوك الشركات حول الذكاء الاصطناعي على الجوانب التقنية فقط. على سبيل المثال، حددت إحدى شركات التدقيق مجالات استخدام الذكاء الاصطناعي في عملياتها، لكن العملاء والمدققين رفضوا ذلك بسبب مخاوف مرتبطة بالمخاطر التنظيمية، ما دفع الشركة في النهاية إلى التخلي عن العديد من أساليبها القائمة على الذكاء الاصطناعي.

لمعالجة هذه المخاوف، يجب على الشركات دمج حوكمة الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي، مع تبسيطها بحيث تصبح مفهومة لكل موظف، فالحوكمة الفعالة تحمي المؤسسة من العواقب غير المحسوبة وتسهم في توضيح مفهوم الذكاء الاصطناعي ووظائفه. على سبيل المثال، قدم بنك دي بي إس في عام 2018 إطار عمل بيور، الذي يشير إلى ضرورة أن يكون كل استخدام للذكاء الاصطناعي هادفاً ومتوقعاً ومحترماً وقابلاً للتفسير. استبدل البنك بوثائق السياسات الطويلة أربعة أسئلة بسيطة وأساسية توجه الموظفين: هل الاستخدام هادف وله قيمة حقيقية؟ هل ستفاجئ النتائج العملاء؟ هل يحترم العملاء وخصوصية بياناتهم؟ هل يمكن تفسير المخرجات بوضوح؟ يسهم هذا النهج في تقليل حالة الغموض مع ضمان استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة مسؤولة وواعية. كما أنشأ بنك دي بي إس لجنة للاستخدام المسؤول للبيانات تعمل على مراجعة المشاريع التي لا تفي بمتطلبات إطار عمل بيور. في ظل وجود إطار عمل سهل الفهم وإشراف بشري واضح، استطاع البنك تعزيز قدرة الموظفين في المستويات كافة على الابتكار بطريقة مسؤولة. وبحلول عام 2023، أسهم الذكاء الاصطناعي في تحقيق قيمة بلغت 274 مليون دولار أميركي لصالح البنك.

الخوف من فقدان الوظائف: هل سأبقى في عملي؟

عندما يشعر الموظفون بأنهم يعملون على تدريب نظام قد يحل محلهم، يقل التزامهم ويماطلون في تصنيف البيانات أو تعليم النموذج. يسمى ذلك "فخ التدريب"، ويؤدي إلى إبطاء اعتماد الذكاء الاصطناعي في شركات الخدمات والبيع بالتجزئة والتصنيع.

يمكن للشركات مواجهة هذه المشكلة من خلال مشاركة الفوائد المحتملة مع الموظفين، وذلك عبر منحهم مكافآت على أعمال التدريب وتصنيف البيانات وتقديم حوافز مرتبطة بالتحسينات الفعلية في الإنتاجية وتوفير ضمانات وظيفية تحول مكتسبات الكفاءة إلى إعادة تأهيل الموظفين بدلاً من تسريحهم.

نظراً لأن العديد من هذه المزايا تستند إلى وعود مستقبلية قد يكون من السهل الإخلال بها، يجب على الشركات ضمان مصداقية وعودها وسهولة التحقق منها. على سبيل المثال، تعهدت إحدى شركات التجارة الإلكترونية بزيادة إجمالي الإنفاق على العمالة بنسبة 1% سنوياً لإثبات التزامها بالاستثمار في موظفيها. يمكن التحقق من هذه النسبة بسهولة ويصعب التلاعب بها، وهو ما ساعد على تعزيز ثقة الموظفين. بالإضافة إلى ذلك، تمكن الموظفون من المشاركة رسمياً في لجنة توجيه الذكاء الاصطناعي إلى جانب توسيع دورهم في صناعة القرارات المتعلقة بشؤون الموظفين. وقد أسهم تعزيز مشاركة الموظفين وتوسيع صلاحياتهم في ترسيخ الثقة بصورة أكبر.

يتمثل نوع آخر من المقاومة في التركيز على الأخطاء ومطالبة الذكاء الاصطناعي بمعايير تفوق تلك المطلوبة من البشر. في إحدى شركات التأمين الكبرى، أدى تركيز الموظفين على الأخطاء إلى المطالبة بمستويات دقة غير واقعية من أنظمة الذكاء الاصطناعي، ما أدى بدوره إلى تباطؤ التنفيذ وزيادة تكاليف الاستثمار. وقد ساعدت الدراسات المستقلة وعمليات التدقيق الخارجية التي تقارن بين مخرجات الذكاء الاصطناعي والمخرجات البشرية على تصحيح التوقعات المبالغ فيها.

أخيراً، تنخفض المخاوف المرتبطة بفقدان الوظائف عندما يدعم الذكاء الاصطناعي التوسع والنمو بدلاً من الانكماش. إذا أسهمت التكنولوجيا في تعزيز نمو الشركات وتوسيع نطاق الأعمال التجارية، فستبدو مكتسبات الكفاءة فرصة لا تهديداً.

مشكلة الصورة الذاتية والمكانة المهنية: كيف سينظر الآخرون إلى كفاءتي؟

قد يكون الخوف من فقدان المكانة المهنية أشد تأثيراً من الخوف من فقدان الوظيفة نفسها. لاحظنا أن بعض المهندسين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي سراً، لكنهم يتجنبون الإفصاح عن ذلك خشية التشكيك في مهاراتهم وكفاءتهم. يخشى الكثير من الأشخاص أن يفسر اعترافهم باستخدام الذكاء الاصطناعي على أنه كسل أو ضعف كفاءة أو حتى عدم نزاهة. يؤدي الحرص على الصورة الذاتية والمهنية إلى تجاهل توصيات الذكاء الاصطناعي في بعض التخصصات الطبية.

نجحت إحدى شركات الخدمات المالية في تغيير هذه الصورة النمطية من خلال إطلاق برنامج "خبراء الذكاء الاصطناعي"، الذي يهدف إلى تسريع تقدم الموظفين المتميزين في استخدام الذكاء الاصطناعي بغض النظر عن أقدميتهم. يسهم هذا البرنامج في ترسيخ صورة إيجابية عن المهارة في استخدام الذكاء الاصطناعي بوصفها دليلاً على التقدم والتفكير المستقبلي، لا علامة على الكسل أو ضعف الكفاءة. من خلال نشر هذه الفكرة، يمكن للمؤسسات تحفيز الموظفين وتشجيعهم على تبني الذكاء الاصطناعي.

من المهم بالقدر نفسه تصميم استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة تحترم الكرامة المهنية. يمكن للشركات تقديم الذكاء الاصطناعي على أنه أداة تقدم الحقائق دون إصدار أحكام، مع السماح للخبراء باتخاذ القرارات النهائية. يسهم هذا النهج في تعزيز قيمة الخبرة المهنية بدلاً من إضعافها أو تقليل شأنها. طور بعض الشركات أدوات وقنوات داخلية داعمة تتيح للموظفين استشارة الذكاء الاصطناعي دون الخوف من الإحراج أو المخاطرة بسمعتهم المهنية.

العمليات: إعادة تصميم سير العمل

تفشل المؤسسات أحياناً في تبني الذكاء الاصطناعي عندما تتعامل معه على أنه مجرد إضافة سطحية على الإجراءات الحالية، لكن التحول الحقيقي يتطلب إجراء تغييرات شاملة ومنظمة تشمل 3 مستويات: طريقة عمل الفرد نفسه (العقد)، وآليات التعاون والتواصل بين الأقسام المختلفة (الروابط)، والتنسيق الشامل على مستوى النظام بأكمله (الشبكات).

مستوى العقد: تغيير طريقة عمل الأفراد

استخدم الفريق القانوني في إحدى الشركات الاستشارية في البداية الذكاء الاصطناعي بصفته أداة للتدقيق الإملائي، حيث كان يستخدم في المراحل النهائية من المراجعات التقليدية. لم تحقق هذه الطريقة سوى فوائد ضئيلة؛ إذ بلغت دقة الذكاء الاصطناعي 100% في 40% فقط من أنواع الأخطاء. عند إعادة تصميم سير العمل بحيث يتولى الذكاء الاصطناعي المراجعة الأولية ويركز فقط على أنواع الأخطاء التي يتقن التعامل معها، تمكن المحامون من تخصيص وقتهم لمعالجة الأخطاء المتبقية التي تتطلب تدخلاً بشرياً. أظهر هذا التعديل أن إعادة التفكير في سير العمل تتيح الاستفادة من الذكاء الاصطناعي بالكامل.

عمل بعض الشركات على تسريع وتيرة التغيير عبر وضع أهداف طموحة جداً أجبرت الفرق على التخلي عن الأساليب التقليدية واستكشاف طرق جديدة للعمل. على سبيل المثال، واجهت إحدى الشركات الناشئة في مدينة بوسطن رفضاً من الموظفين عند محاولة استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات إعداد المستندات. للتغلب على هذه العقبة، فرضت الشركة تقليص مدة إعداد المستندات من أسبوع كامل إلى يوم واحد. أدى ضيق الوقت الشديد إلى إجبار الموظفين على دمج الذكاء الاصطناعي منذ البداية وإعادة تصميم طريقة العمل بما يتلاءم معه.

مستوى الروابط: آليات التعاون والتواصل بين الأقسام المختلفة

يركز هذا المستوى على دور تحسين قدرة الفرق المحلية على اتخاذ القرارات وتحليل البيانات في تطوير العمليات المشتركة بين الأقسام وتسهيل عمليات اتخاذ القرارات عبر المؤسسة.

في إحدى شركات مستحضرات التجميل اليابانية، كان مستشارو التجميل في المتاجر يقدمون ملاحظات غير موثوقة وتعتمد على الآراء والانطباعات الشخصية، لكنهم استعانوا بالذكاء الاصطناعي التوليدي لتحليل محادثات العملاء وسلوكهم داخل المتاجر، ما أسهم في توفير رؤى منظمة ودقيقة. ومع ازدياد ثقة الشركة في جودة البيانات، أنشأت حلقة تواصل ثنائية الاتجاه، بحيث يمكن إطلاق الحملات بسرعة وتعديلها في الوقت الفعلي بناء على معلومات ميدانية موثوقة. بهذه الطريقة، أصبحت العلاقة بين العمليات الميدانية والتخطيط المركزي تفاعلية أكثر وليست مجرد أوامر أحادية الاتجاه.

مستوى الشبكة: تنسيق العمليات لتحقيق الأثر على مستوى النظام بأكمله

لتحقيق أثر حقيقي من الذكاء الاصطناعي؛ يجب على الشركات مراعاة مستوى الشبكة، أي كيفية تفاعل التحسينات عبر العقد والروابط المختلفة داخل النظام الأوسع وتأثيرها في الأداء العام. في حال غياب هذه الرؤية، قد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تحويل المعوقات والمشكلات من مكان إلى آخر، ما يمنع تحقيق تحسينات شاملة في الأداء. تنتشر هذه الظاهرة لأن غالبية الشركات تركز على تطبيق الذكاء الاصطناعي في مجالات محددة ذات أثر كبير ومباشر، مثل التسويق أو خدمة العملاء أو تطوير البرمجيات، متجاهلة الترابط بين الأقسام المختلفة داخل المؤسسة.

اكتشفت إحدى شركات تصنيع السيارات الكبرى هذا الأمر عندما اعتمدت الذكاء الاصطناعي التوليدي لتعزيز الإنتاجية في تطوير برمجيات السيارات (تحسين مجموعة واحدة من العقد)، ما ساعد على تسريع عمليات التصميم وإنشاء الرموز البرمجية واختبار الميزات. على الرغم من هذه التحسينات، فإن شبكة إنتاج السيارات بأكملها لم تحقق تقدماً كبيراً؛ إذ أصبح تصنيع الأجهزة المادية هو العائق الأساسي. اضطرت أقسام تطوير البرمجيات التي شهدت تحسينات إلى التوقف والانتظار لأن أقسام تصنيع الأجهزة المادية لا تزال تعمل ببطء، ولم تتمكن الروابط بينهما من مواكبة سرعة إنتاج البرمجيات.

تتطلب معالجة مثل هذه التحديات على مستوى الشبكة اتخاذ إجراءات منسقة عبر العقد والروابط جميعها. يجب أن تبدأ المؤسسات برسم خريطة كاملة لشبكة العمل لفهم كيفية سير العمل بين الفرق وتحديد المشكلات والعوائق المحتملة. كما يجب مزامنة تبني الذكاء الاصطناعي عبر العقد المترابطة داخل المؤسسة لضمان توافق تحسينات القدرات والأداء عبر الشبكة بأكملها.

السياسات: التعامل مع السلطة والنفوذ

يسهم الذكاء الاصطناعي في تحديد المستفيدين والمتضررين داخل المؤسسات. في كثير من الأحيان، تكون التحديات السياسية الناتجة عن استخدام الذكاء الاصطناعي، التي تتعلق بالتحكم في البيانات والتسلسل الهرمي والمساءلة، أكثر تعقيداً من المشكلات التقنية. ويتطلب تبني الذكاء الاصطناعي بنجاح غالباً إعادة تصميم هياكل الحوكمة وتعديل آليات الحوافز والاعتماد في بعض الحالات على القيادة العليا لتسهيل الاتفاقيات وإزالة العوائق. فيما يلي 3 مشكلات رئيسية رصدناها خلال بحثنا:

اكتناز الموارد

تكتشف المؤسسات بسرعة أن رغبة الذكاء الاصطناعي في جمع البيانات والمعرفة تتعارض مع الغريزة التنافسية الطبيعية للموظفين أو الأقسام داخل المؤسسة. في إحدى شركات تكنولوجيا المعلومات الصينية الكبرى، اكتشف الباحثون أن احتمالات توصية المبرمجين زملاءهم في الفريق باستخدام الذكاء الاصطناعي أقل بنسبة 16 إلى 18%، وذلك من أجل احتكار المعرفة والحفاظ على تفوقهم الشخصي وميزتهم التنافسية.

في كثير من الأحيان، لا تكون الأقسام الكبيرة والناجحة، والتي تمتلك نماذج ذكاء اصطناعي متطورة وقواعد بيانات قيمة، مستعدة لمشاركة هذه الموارد مع الأقسام الأصغر حجماً التي يمكن أن تستفيد منها أكثر من غيرها. قد يشعر البعض أن مشاركة هذه البيانات تؤدي إلى تعزيز قدرات المنافسين المحتملين داخل المؤسسة وإضعاف مقاييس أداء القسم الذي يشاركها. في استطلاع مشترك أجرته شركة ديلويت بالتعاون مع جامعة هونغ كونغ حول تبني الذكاء الاصطناعي، أشار المشاركون من المناصب التنفيذية العليا إلى أن الأقسام المنعزلة التي تمنع التعاون تمثل العائق الرئيسي أمام تبني الذكاء الاصطناعي.

وقد تعامل بنك دي بي إس مع هذه المشكلة من خلال تصميم نظام حوافز يكافئ الأقسام على تحويل قواعد بياناتها إلى أصول قابلة لإعادة الاستخدام على المنصة المركزية. اعتمد البنك مقياساً أساسياً لتتبع نسبة تحويل قواعد بيانات كل قسم إلى موارد يمكن مشاركتها. يساعد هذا النهج على تقليل العزلة والحواجز بين الأقسام من خلال تحفيز الأقسام الكبيرة والصغيرة على حد سواء على توفير بيانات ذات جودة عالية ويمكن الوصول إليها بسهولة.

اضطرابات التسلسل الهرمي

يتسبب الذكاء الاصطناعي في زعزعة التسلسل الهرمي التقليدي المبني على ركيزتين أساسيتين، وهما الخبرة وعدد الموظفين. تضعف الركيزة الأولى عندما يتفوق الموظفون الجدد الذين يتقنون استخدام الذكاء الاصطناعي على الموظفين المخضرمين وأصحاب الخبرة. في إحدى شركات البرمجيات، بدأ المبرمجون الذين يمتلكون خبرة لا تتجاوز العامين بكتابة رموز برمجية أكثر بجودة أعلى مقارنة بزملائهم الذين يمتلكون خبرة تمتد 5 سنوات. شعر الموظفون الجدد أنهم يؤدون عملاً أكبر مقابل مكافآت أقل.

واجه بعض الشركات هذا التحدي من خلال توسيع نماذج الكفاءة لتشمل مهارات استخدام الذكاء الاصطناعي وتسريع دورات الترقية. عندما تقلص الشركات دورات الترقية من 5 سنوات إلى سنة أو سنتين وتمنح المكافآت مقابل إتقان استخدام الأدوات الجديدة، يحصل الموظفون الشباب على عائد فوري من تعلمهم.

أما الركيزة الثانية، وهي القوة المستمدة من عدد الموظفين والتحكم بالموارد، فتسهم في زيادة مقاومة التغيير. يؤدي المدراء دوراً حاسماً في تبني الذكاء الاصطناعي، لكن سلطتهم تعتمد غالباً على حجم فرقهم. إذا كانت كفاءة التكنولوجيا ستؤدي إلى تقليص حجم الفرق، فمن الممكن أن يعرقل المدراء مبادرات تبني الذكاء الاصطناعي القيمة والمهمة حفاظاً على مصالحهم الشخصية. على سبيل المثال، تردد القادة في أحد أقسام الترجمة في تبني الأتمتة لأنها ستؤدي إلى تقليص عدد الموظفين وتقليل المكافآت وتراجع مكانتهم.

عالجت شركة أوبو المصنعة للهواتف الذكية هذا التحدي من خلال تنظيم مسابقة للذكاء الاصطناعي، إذ أتاحت لكل موظف إمكانية الوصول إلى الأدوات بطريقة متكافئة، وصنفت النتائج حسب القسم. وفجأة، وجد المدراء أنفسهم مضطرين إلى دعم تبني الذكاء الاصطناعي تلافياً للحرج العلني بسبب عدم قدرة فرقهم على تقديم الأداء المطلوب. أعادت هذه المسابقة صياغة مفهوم النجاح؛ إذ لم تعد المكانة مرتبطة بإدارة الفرق الكبيرة، بل تعتمد على تعزيز قدرات الفريق على تحقيق مزيد من الإنجازات باستخدام الذكاء الاصطناعي.

تحديد المسؤوليات

يعمل الذكاء الاصطناعي على تغيير التوازن التقليدي بين المحاسبة ومرونة تقدير المسؤولية داخل المؤسسات. فدقته تحول المسؤولية الغامضة إلى بيانات محددة وواضحة، ما قد يؤدي إلى نزاعات وتوترات سياسية جديدة.

في شركة دينغ دونغ مايكاي الصينية للتجارة الإلكترونية للبقالة، بدأت أنظمة الذكاء الاصطناعي بتتبع كل شكوى من العملاء لتحديد القسم المسؤول بدقة. عندما يتلقى العميل فاكهة فاسدة، تستطيع الخوارزميات تحديد إذا كان السبب يتعلق بقسم التوريد أو بسوء التخزين أو بخلل في عملية التوصيل. وبالتالي، تحولت الأخطاء الغامضة والمشتركة إلى مسؤولية واضحة ومحددة.

بسبب هذا التغيير، أصبحت الأقسام التي كانت تعمل في ظل الغموض وغياب المعايير الدقيقة للمحاسبة معرضة للمساءلة علناً. تجاهلت الطبيعة الثنائية للأحكام الخوارزمية، التي تحمل طرفاً واحداً المسؤولية كاملة، التعقيدات وتداخل الأدوار بين الأقسام في العمليات الواقعية، ما أدى إلى زيادة الخلافات وتقديم مزيد من الشكاوى على رؤساء الأقسام.

يتمثل الدرس المستفاد هنا في أن المحاسبة المثالية والدقيقة يمكن أن تؤدي إلى إضعاف الانسجام والتوافق داخل المؤسسة. غيرت شركة دينغ دونغ في نهاية المطاف نظام تحديد المسؤولية، تاركة القرار النهائي للبشر. لم يكن الهدف هو التخلي عن الشفافية، بل تعزيزها من خلال بناء الثقة. يتطلب تبني الذكاء الاصطناعي بطريقة فعالة إدراك الحد الفاصل بين الدقة التي تسهم في رفع مستوى الأداء، والمعلومات التي تثير النزاعات والتوترات السياسية الداخلية.

استخدام العديد من الأدوات لتحقيق تحول يعتمد على الذكاء الاصطناعي

أطلقت شركة خدمات مهنية تضم 2,200 موظف، معظمهم من مطوري البرمجيات ومدراء المنتجات، مبادرات تجريبية لتطبيق الذكاء الاصطناعي التوليدي في منتصف عام 2023. في غضون أسابيع، ارتفعت الإنتاجية الفردية بنسبة تراوحت بين 30 و40%، ولكن بحلول منتصف عام 2024، ظل الأداء العام ثابتاً، من حيث الإنتاجية وسرعة التسليم.

يمكن تفسير هذه الفجوة من خلال عدة عوامل. افتقر المطورون إلى الحافز لزيادة الإنتاجية؛ إذ كانوا يخشون أن تؤدي مكتسبات الكفاءة إلى تسريحهم. تسببت كثرة أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة في تباين أساليب العمل بين الفرق، ما أدى إلى إضعاف الالتزام بالمعايير المعتمدة وزيادة تعقيد إدارة المشاريع. في الوقت نفسه، كان المطورون الجدد يتفوقون على نظرائهم الأقدم، وعلى الرغم من ذلك، فقد استمرت آليات توزيع المهام والاعتراف بالإنجازات خاضعة للتسلسل الهرمي التقليدي.

لمعالجة هذه التحديات، اتخذت الشركة مجموعة من الإجراءات التي شملت الموظفين والعمليات والسياسات الداخلية. على صعيد الموظفين، أعادت الشركة صياغة نموذج الكفاءة المعتمد لديها، بحيث يصبح إتقان استخدام الذكاء الاصطناعي عنصراً أساسياً في التقييم والمكافأة، كما تصبح المهارة والخبرة واضحة للجميع ويتحول التفوق فيها إلى مصدر فخر واعتزاز داخل المؤسسة. لمواجهة المخاوف المرتبطة بفقدان الوظائف، أعادت الشركة هيكلة نظام التعويضات؛ إذ خفضت الرواتب الأساسية إلى 80%، مع إضافة حوافز قائمة على الأداء بنسبة تصل إلى 40%، ما أدى إلى ربط مكتسبات الكفاءة بالمكافآت الفردية مباشرة.

شمل التطوير أيضاً جانب العمليات لدمج الذكاء الاصطناعي في مراحل سير العمل كافة. وتولى المطورون مهمة الإشراف على البيانات والعمليات، ومسؤولية الالتزام بتعريفات البيانات الموحدة وممارسات الترميز البرمجية القياسية وبروتوكولات الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى المشاركة في برامج التدريب لتحسين اتساق العمليات. اعتمدت الشركة إطار عمل موحداً لتنسيق دمج الذكاء الاصطناعي في مراحل التطوير كلها، لتنسيق تكامل الذكاء الاصطناعي عبر مراحل التطوير، مع تحديث الإجراءات التشغيلية القياسية لإضافة خطوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي بهدف تسهيل التدريب وضمان الامتثال. وعلى المستوى التنظيمي، اعتمدت الشركة نموذج حوكمة مركزياً يتضمن نقاط تدقيق واضحة ومحددة، ومشرفين على العمليات لضمان التوافق بين البيانات والذكاء الاصطناعي وسير العمل.

واجهت الشركة العوائق السياسية الداخلية مباشرة. أعادت الشركة هيكلة المستويات الوظيفية لتصبح 14 درجة بدلاً من 6، مع إجراء مراجعات نصف سنوية تتيح الترقية أو خفض الرتبة الوظيفية بسرعة. كافأ هذا النظام الموظفين الذين يتبنون الذكاء الاصطناعي من خلال زيادة نفوذهم ومسؤولياتهم، مع تعديل نظام الحوافز الذي كان يركز سابقاً على الأقدمية ومدة الخدمة بدلاً من المهارة والكفاءة.

وبحلول منتصف عام 2025، بدأت هذه التغييرات تؤتي ثمارها. فقد ارتفعت الإنتاجية بنسبة 22%، ما أدى إلى خفض الأسعار بنسبة 10% وزيادة المبيعات بنسبة 20%. زادت تكاليف العمالة بنسبة 5% نتيجة إعادة استثمار الشركة في موظفيها، ما عزز التزامها تجاههم، كما تحسنت الربحية الإجمالية بنسبة 3%، ما يؤكد أن التحول المعتمد على الذكاء الاصطناعي أضاف قيمة حقيقية للشركة. بناء على هذه النتائج، تمكنت الشركة من التوسع في أسواق لم يكن الدخول إليها ممكناً بسبب شدة المنافسة السعرية. أدى التطوير المدعوم بالذكاء الاصطناعي أيضاً إلى تقصير منحنى التعلم للغات البرمجة الجديدة، ما ساعد الشركة على تقديم مزيد من المنتجات والخدمات.

تظهر هذه الحالة أن التحول الحقيقي باستخدام الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على الجانب التكنولوجي فقط، فمن خلال مواءمة الحوافز وإعادة تصميم العمليات وإعادة تشكيل السلطة التنظيمية، نجحت الشركة في تحويل تبني الذكاء الاصطناعي إلى قيمة مستدامة.

في النهاية، لا يتمثل التحدي الحقيقي في تبني الذكاء الاصطناعي، بل في التطور معه. تكمن الفائدة الحقيقية في إنشاء مؤسسة يمكنها الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي بالكامل، فالشركات التي تنظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه مجرد تحسين أو ترقية تقنية لن تتمكن من تحقيق النجاح بالتأكيد.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2025.

المحتوى محمي