دراسة: كيف تستفيد الشركات الناشئة القرارات المبنية على العلم؟

5 دقيقة
الأسلوب العلمي
بول تايلور/غيتي إميدجيز

يعرف المؤسسون القاعدة الأساسية التي تتمثل في اتخاذ القرارات المستندة إلى البيانات. تبيّن خلال السنوات الأخيرة أن اعتماد الأسلوب العلمي لتنمية الشركات الناشئة ودعمها، من خلال صياغة الفرضيات وجمع الدلائل التي تدعمها أو تدحضها وصناعة القرارات بناءً على البيانات، يمكن أن يسهم في تحسين أداء الشركات، لكن تشير دراستنا الجديدة إلى أن هذا الأسلوب ليس مفيداً للشركات جميعها.

في الواقع، قد يؤثر تطبيق الأساليب العلمية سلباً في الأداء الاقتصادي للشركات الناشئة التي لا تزال في المراحل الأولى والتي لا تزال تعمل على تحديد نموذج عملها الأساسي، وذلك على المدى القصير على الأقل. تستند النتائج التي توصلنا إليها إلى تجربة ميدانية شملت 261 شركة ناشئة من قطاعات متنوعة وفي مراحل نمو مختلفة في المملكة المتحدة، وقد كشف بحثنا عن تباين مثير للاهتمام، فقد حققت الشركات الناشئة، التي تمتلك نماذج أعمال محددة بدقة، مكاسب فورية على صعيد الأداء من حيث زيادة الإيرادات عند اعتماد الأساليب العلمية في صناعة القرارات، في حين شهدت الشركات الناشئة التي لا تزال في المراحل الأولى من النمو انخفاضاً في أدائها.

يكمن الاختلاف الرئيسي في مدى تطور نموذج الأعمال الأساسي لهذه الشركات وأنواع المشكلات التي استخدمت الأساليب العلمية لحلها.

من هم المستفيدون من تطبيق النهج العلمي؟

استخدمت دراستنا، التي نشرتها مجلة الإدارة الاستراتيجية (Strategic Management Journal)، تصميماً بسيطاً؛ إذ أنشأنا برنامجاً لدعم الشركات دربنا فيه رواد الأعمال المشاركين جميعهم على أطر صناعة القرار، مثل مخطط نموذج الأعمال، بالإضافة إلى مهارات أخرى، مثل إجراء اختبار أ/ب (A/B). إلى جانب هذه التدريبات، عملنا على تعليم نصف المشاركين الأساليب العلمية في صناعة القرارات وشجعناهم على استخدامها، كما سألنا المشاركين عن الرؤية الاستراتيجية لشركاتهم ومدى احتمالية إحداث تغييرات جذرية فيها. وقد ساعدنا ذلك على تحديد مدى نضج نموذج أعمال الشركات الناشئة وتطوره.

صنّفنا الشركات التي تمتلك استراتيجيات واضحة المعالم ومقاومة للتغيرات الكبيرة على أنها شركات ناضجة، في حين صنّفنا تلك التي تتسم نماذج أعمالها بالمرونة على أنها لا تزال في المراحل الأولى من تطوير نموذج أعمالها. بعد إجراء التدريبات، أجرينا مقابلات منتظمة مع المشاركين لتقييم مدى استخدام النهج العلمي وجمعنا بيانات حول إيرادات كل شركة على مدار 9 أشهر. وجدنا علاقة بين نضج الشركة ومدى تطورها وأنواع المشكلات التي استُخدمت الأساليب العلمية لحلها؛ إذ استخدمت الشركات الناشئة الناضجة أو المتطورة الأساليب العلمية التي اعتمدتها في صناعة القرارات لتحسين استراتيجياتها الحالية وتعديلها، في حين طبّقت الشركات الناشئة الأقل تطوراً هذه المنهجية للإجابة عن الأسئلة الأساسية التي تتعلق بجوهر عملها.

على سبيل المثال، أوضح أحد مؤسسي شركة ناضجة تعمل في مجال بيع بطاقات الذاكرة وغيرها من المنتجات، أنهم استخدموا الأسلوب العلمي لتحسين نظريتهم حول أوصاف المنتجات التي يمكن أن تساعد على جذب مزيد من العملاء. يقول: "بدأنا بترويج منتجاتنا على أنها حلول تخزين تتناسب مع أنواع معينة من الأجهزة، بعد اختبار هذه الأساليب المختلفة في التسويق، وجدنا أن هذه هي أفضل طريقة لجذب العملاء وتحفيزهم على الشراء". وقد أدت هذه التجربة المركزة إلى تحسين الأداء؛ إذ زادت أرباح الشركة بنسبة 10% بعد تغيير طريقة عرض منتجاتها.

في المقابل، ركز مؤسسو الشركات الناشئة التي لا تزال في المراحل الأولى من النمو على استخدام الأساليب العلمية لمعالجة المشكلات التي دفعتهم إلى إعادة النظر في افتراضاتهم الأساسية. يقول أحد المشاركين: "قبل المشاركة في البرنامج، كانت لدينا رؤية واضحة جداً، ولكن بعد اختبار فرضياتنا وأفكارنا بدقة، أصبح من الصعب تحديد المشكلات المستعصية التي نساعد المستخدمين على حلها، وهذا ما نحاول التحقق منه الآن". أدى هذا الاستكشاف العميق غالباً إلى تغييرات استراتيجية كبيرة سببت تعثر النمو؛ إذ يضطر المؤسسون إلى إعادة تقييم نماذج أعمالهم بالكامل.

اعتماد منظور بعيد المدى

يتمثل أحد أوجه القصور في دراستنا في التركيز على قياس نمو الإيرادات خلال فترة زمنية لا تتجاوز 9 أشهر.  على الرغم من أننا لاحظنا انخفاضاً في الإيرادات لدى الشركات الناشئة التي لا تزال في المراحل الأولى بعد تطبيق الأساليب العلمية في صناعة القرارات، فإن معظم المؤسسين الذين تحدثنا إليهم وصفوا هذه المرحلة التجريبية بأنها إيجابية، مشيرين إلى أن هذه المنهجية ساعدتهم على تحسين رؤيتهم وستؤدي إلى تعزيز النمو على المدى البعيد.

يقول أحد مؤسسي الشركات الناشئة، التي لا تزال في المراحل الأولى، الذي تبنّى الأسلوب العلمي: "أجرينا مراجعة شاملة لتقييم وضعنا الحالي، وهذا أمر ضروري لتحسين عملنا وتصحيح المسار لتحقيق نتائج أفضل". وقال مؤسس آخر: "تبنينا منظوراً بعيد المدى وفكرنا في  كيفية تحويل هذه التجربة إلى عمل تجاري أكثر قابلية للاستمرار والنمو والنجاح".

نعتقد أن المرحلة الأولية التي تتسم بحالة من عدم اليقين، والتي تمر بها الشركات الناشئة عند تطبيق الأساليب العلمية في صناعة القرارات، قد تسهم في تحقيق النجاح على المدى البعيد، على الرغم من أنها تمثل تحدياً للمؤسسين والمستثمرين الذين يركزون على النتائج والمؤشرات على المدى القصير، فمن خلال الفحص الدقيق للافتراضات قبل اتخاذ قرارات استراتيجية كبيرة، تستطيع الشركات الناشئة التي لا تزال في المراحل الأولى تفادي الأخطاء التي قد تتسبب في نمو الأرباح على المدى القصير، ولكنها تؤدي إلى نماذج أعمال غير مستقرة على المدى البعيد، وبالتالي، يمكن أن يكون الأسلوب العلمي أداة مهمة تمنح هذه الشركات الناشئة فرصة لاختبار جدوى نماذج أعمالها على المدى البعيد بدقة، على الرغم من إدراك احتمالية حدوث تراجع مؤقت في الأداء من حيث الإيرادات.

الآثار العملية

نوصي رواد الأعمال والمستثمرين بمراعاة مرحلة تطور الشركات الناشئة ومدى نضجها قبل اعتماد أساليب علمية ومنهجية في صناعة القرارات. على الرغم من أننا نعتقد أن النموذج العلمي مفيد خلال مسار تطور الشركات الناشئة، فقد يكون من الضروري تعديل معايير تقييم النجاح بناءً على مدى نضج الشركة وتطورها.

مؤسسو الشركات الناشئة التي لا تزال في المراحل الأولى من النمو والتطور

من المهم تقبّل حالة عدم اليقين بوصفها جزءاً طبيعياً من عملية تطبيق الأسلوب العلمي خلال المراحل الأولية. يجب على القادة توقع حدوث انخفاضات في الأداء على المدى القصير والاستعداد لذلك في أثناء استكشاف الافتراضات الأساسية. يجب أيضاً التركيز على تطوير نظرية شاملة للقيمة قبل البدء بتحسين المؤشرات. ومن الضروري وضع توقعات مناسبة وواضحة مع أصحاب المصلحة حول هذه المرحلة الاستكشافية، لأن محاولة التسرع في هذه المرحلة قد تضع الشركة على مسار يؤدي في النهاية إلى فشلها أو انهيارها، مع العلم أنه من الممكن تجنب ذلك.

مؤسسو الشركات الناشئة الراسخة الناضجة

يتحقق النجاح من خلال تطبيق الأساليب العلمية لتحسين الأداء ضمن نموذج العمل القائم، ويتضمن ذلك إجراء اختبارات منظمة تشمل خصائص المنتج وأساليب التسويق ومبادرات خدمة العملاء، مع تتبع أثر هذه التحسينات التدريجية وقياسها بدقة.

المستثمرون

من الضروري تعديل توقعات الأداء بناءً على مستوى نضج نموذج عمل الشركة الناشئة. ومن المهم التركيز على أهمية الاستكشاف الاستراتيجي الشامل في المراحل الأولى، حتى لو أثّر ذلك مؤقتاً في مقاييس النمو. ويجب على المستثمرين أيضاً التركيز على التعلم المدروس والمنهجي داخل المؤسسة وليس على تحقيق المكاسب السريعة فقط. تكمن الفكرة الأساسية في أنه لا يمكن تحديد إذا كان اتخاذ القرارات المستندة إلى الأسس والأساليب العلمية نهجاً إيجابياً أو سلبياً للشركات جميعها دون النظر في عوامل مثل مرحلة تطور الشركة والسياق الذي تعمل فيه.

تحتاج الشركات الناشئة التي لا تزال في المراحل الأولى إلى فرصة لاستكشاف الافتراضات الأساسية وإعادة النظر فيها، حتى لو أدى ذلك إلى حالة مؤقتة من عدم اليقين. أما بالنسبة للشركات الناشئة الراسخة، فمن الممكن استخدام الأساليب العلمية لتحسين أدائها ضمن الأطر الحالية، ما يؤدي إلى تحقيق مكاسب سريعة في الأداء.

يجب على المؤسِّسين الناجحين التمييز بين المراحل المختلفة لتطور الشركة وفهم كيفية تعديل أسلوبهم في اتخاذ القرارات وفقاً لذلك، مع معرفة الوقت المناسب لإجراء المراجعة وإعادة تقييم الافتراضات الأساسية، وكذلك الوقت المناسب لتطبيق اختبارات دقيقة لتحسين الجوانب الفعالة. في النهاية، تشبه عملية صناعة القرارات المبنية على الأساليب العلمية أي أداة أخرى، فأثرها في الأداء لا يعتمد فقط على استخدامها، بل على الهدف من هذا الاستخدام.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2025.

المحتوى محمي