لم تعد التحولات التكنولوجية مسألة مستقبلية أو رفاهية مؤسساتية، بل أصبحت ضرورة ملحّة لإعادة تشكيل المشهد المهني في الشرق الأوسط، حيث يقود الذكاء الاصطناعي موجة تغيير غير مسبوقة. وبينما تندمج الآلات الذكية في مفاصل الاقتصاد، يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن للمنطقة أن تضمن جاهزية رأس مالها البشري لهذا التحول؟
ثورة تكنولوجية تتطلب استجابة بشرية ذكية
تتجاوز الثورة الصناعية الرابعة حدود الرقمنة المعتادة، إذ تدمج بين التقنيات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والحوسبة الكمومية، وتغير جذرياً طبيعة العمل والمهارات المطلوبة. وفي هذا الإطار يقول مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي كلاوس شواب: "اعتمدت الثورة الصناعية الأولى على قوة الماء والبخار لمكننة الإنتاج، بينما اعتمدت الثورة الصناعية الثانية على الطاقة الكهربائية لتمكين الإنتاج الشامل. أما الثورة الصناعية الثالثة، فقد اعتمدت على الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات لأتمتة الإنتاج".
وعلى عكس الثورات الصناعية السابقة التي سمحت بالتكيف التدريجي، تفرض هذه المرحلة استجابات فورية واستباقية.
وتدرك دول الخليج هذا التحدي، خاصة أن تقديرات شركة ماكنزي تشير إلى أن مساهمة الذكاء الاصطناعي في اقتصادات مجلس التعاون الخليجي قد تبلغ 150 مليار دولار بحلول عام 2030، أي ما يعادل 9% من إجمالي ناتجها المحلي الإجمالي. إلا أن الاستفادة من هذه الفرصة مرتبطة ارتباطاً مباشراً بجاهزية الكوادر البشرية.
فجوة مهارات تهدد الاستفادة من الذكاء الاصطناعي
أظهرت دراسة حديثة لماكنزي أن 70% من قادة الشركات في الخليج يرون أن مؤسساتهم تفتقر إلى المواهب المناسبة في مجال الذكاء الاصطناعي. وتؤكد تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي أن نصف القوى العاملة في العالم بحاجة إلى إعادة تأهيل مهني بحلول عام 2025. هذه الفجوة في المهارات تشكّل العقبة الأهم أمام التحول الناجح.
تحول المؤسسات إلى منصات تعليمية
لمواجهة هذا التحدي، تتبنى العديد من المؤسسات الخليجية نهجاً استباقياً لتنمية المواهب، يشمل خمس استراتيجيات رئيسية:
1. برامج تدريب تقنية متقدمة
تسعى الشركات إلى بناء مهارات تقنية وتحليلية دقيقة عبر برامج منظمة، على سبيل المثال تتعاون شركة آي بي إم مع جامعة الباحة لتأسيس مركز التميز يدرب الكوادر السعودية على التكنولوجيا الناشئة لتلبية الطلب المتزايد على القوى العاملة ذات المهارات العالية في المملكة.
2. ثقافة التعلم المستمر
تشهد بيئات العمل تطوراً ملحوظاً لتصبح حاضنات تعليمية تشجع التعلم مدى الحياة، تعزيز التعلم مدى الحياة من خلال الدورات وورش العمل والإرشاد عبر الإنترنت. على سبيل المثال، يجمع برنامج خريجي الذكاء الاصطناعي الذي تجريه شركة اتصالات بين التدريب على أحدث التكنولوجيات والمهارات القيادية، منذ عام 2021، حيث وظف البرنامج 284 خريجاً إماراتياً متميزاً، مع الحفاظ على توازن جيد بين الجنسين؛ إذ بلغت نسبة مشاركة الإناث 62%.
3. التنقل الوظيفي وتنمية المواهب الداخلية
بدلاً من الاعتماد فقط على التوظيف الخارجي، تُمنح الأولويةلتطوير الكفاءات الداخلية عبر التنقل بين الوظائف والمسارات المهنية. على سبيل المثال، يربط برنامج نيوم لتطوير الخريجين (غرو) الشباب السعودي برؤساء تنفيذيين دوليين ذوي خبرة لتزويدهم بالمهارات الرقمية ومهارات التفكير الإبداعي، ما يسهم في سد فجوة المهارات داخلياً.
4. برامج الإرشاد والتوجيه المهني
يتم تسهيل نقل الخبرات من القادة إلى الموظفين الجدد من خلال برامج الإرشاد والتوجيه كتلك التي تنظمها شركات آي بي إم وسيمنز لتسهيل انتقال المواهب الجديدة وترسيخ نقل المعرفة، ما يعزز كفاءة القوى العاملة المحلية.
5. شراكات تعليمية ومؤسسية
يُستثمر في التعاون مع الجامعات والشركات التقنية لتوفير موارد تعليمية متقدمة. مثل تعاون بنك دبي التجاري مع شركة أكسنتشر في برنامج "الذكاء الاصطناعي والبيانات للمستقبل"، أول برنامج لمحو أمية البيانات على مستوى المؤسسات في الإمارات، يحصل من خلاله الموظفون على تدريبات عملية في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي.
6. من الاستثمار في التكنولوجيا إلى الاستثمار في الإنسان
تظهر هذه المبادرات أن التحول الرقمي لا يتحقق بشراء الأدوات الحديثة فقط، بل بتطوير الإنسان القادر على استخدامها بفعالية وذكاء. تؤكد دراسات معهد "آي بي إم للأعمال" أن الشركات التي تربط بين تبني التكنولوجياوتطوير مهارات موظفيها تحقق معدل نمو في الإيرادات يصل إلى 15% أكثر من غيرها.
7. نحو بيئة عمل تدمج الإنسان بالآلة لا تستبدله
الرهان الأكبر ليس على الأتمتة، بل على التكامل بين الذكاء البشري والاصطناعي. يتجلى ذلك في مطار دبي، حيث تُدار عمليات الملايين من المسافرين بذكاء اصطناعي لا يُقصي العنصر البشري، بل يُحسّن من كفاءته ويزيد من قدرته على اتخاذ قرارات سريعة ودقيقة.
8. الكوادر أولاً
النجاح في عصر الذكاء الاصطناعي لن تحدده التقنيات التي نمتلكها، بل الكوادر البشرية التي نمكنها. تقع على عاتق المؤسسات مسؤولية إعادة بناء نظمها التعليمية الداخلية، وتبني ثقافة مرنة، واستثمار طويل الأمد في مهارات موظفيها.
وفي ظل تحول عالمي سريع، لا تملك دول الخليج ترف التأجيل كما يقول وزير دولة الإمارات للذكاء الاصطناعي، عمر العلماء، بل أصبح الاستثمار في تنمية المواهب البشرية ضرورة والسبيل الوحيد لتأمين موقع ريادي مستدام في الاقتصاد العالمي المعزز بالذكاء الاصطناعي.