عندما يكون الرئيس التنفيذي شبه متقاعد لكنه يواصل التدخل

7 دقيقة
الرئيس التنفيذي شبه المتقاعد
تارا مور/غيتي إميدجيز

ينخرط الرئيس التنفيذي شبه المتقاعد في شؤون العمل تارة وينسحب منها تارة أخرى، فتتعرض المؤسسة لزعزعة تقوض استقرار ها. تظل هذه المشكلة غير مرئية إلى حد كبير لفرق الإدارة التنفيذية في الوقت الراهن، ولن يكون انتظار تغير الرئيس التنفيذي كفيلاً بحلها. لا يمكن التحكم بتصرفات ال…

كثيراً ما يتحدث المسؤولون التنفيذيون عن التحديات التي يفرضها القائد الذي يمارس الإدارة التفصيلية. لكن في السنوات الأخيرة، برز نمط آخر بنفس الدرجة من الصعوبة: الرئيس التنفيذي شبه المتقاعد الذي يتمسك بزمام القيادة بقوة.

أصبح هذا النمط أكثر شيوعاً مع ارتفاع متوسط أعمار مواليد جيل طفرة المواليد واستمرارهم في شغل مواقع العمل والقيادة فترات أطول مقارنة بأي جيل سبقهم. ويرى الكثيرون منهم في شركاتهم امتداداً لهويتهم المهنية وإرثهم الشخصي. لكن عندما يكون انخراط الرئيس التنفيذي في شؤون المؤسسة متقطعاً، يتعين على باقي أقسام المؤسسة تحمل ما ينشأ عن ذلك من غموض والتباس. فتتباطأ وتيرة صناعة القرارات، وتتشكل مراكز نفوذ داخل فريق الإدارة العليا، ويفوض القادة بإدارة الشركة نظرياً بينما تقوض سلطتهم في الواقع.

يعمل أحد عملائي، سام، رئيساً تنفيذياً للإيرادات في شركة صناعية، ويعايش هذا الوضع عن قرب؛ إذ يقضي رئيسه التنفيذي شهرين كاملين كل صيف بعيداً عن مقر الشركة، وعندما يعود للعمل لا تتجاوز مواعيد حضوره يومين إلى 3 أيام أسبوعياً. ومع ذلك، ما يزال يتوقع أن يكون صاحب الكلمة الفصل في القضايا الكبيرة والصغيرة على حد سواء، دون أي إمكانية للتنبؤ بتوقيت تدخله أو كيفيته. ففي بعض الأيام يصر على الموافقة شخصياً على وصف وظيفي بمستوى مدير، وفي أيام أخرى يعيد النظر في قرارات استراتيجية كبرى أو يغير مسارها. ويواصل فريق الإدارة التنفيذية وضع الخطط، لكن كثيرين يشكون في قدرة هذه الخطط على الصمود متى عاد الرئيس التنفيذي وغير الاتجاه.

وبوصفي مدربة متخصصة في تعليم المهارات التنفيذية ومدربة للفرق، كثيراً ما أرى نسخاً متعددة من هذا المشهد: أحد كبار القادة يريد أن يبقى على صلة وثيقة بأعمال الشركة، ويستمتع في الوقت نفسه بمساحة الحرية التي توفرها سنوات ما بعد التقاعد. يمكن أن تساعدك الاستراتيجيات الأربع التالية على إرساء قدر من الاستقرار، وحماية فريقك من الاضطرابات غير الضرورية، والظهور بوصفك ركيزة للاستقرار جديرة بالثقة، حتى عندما يظل دور الرئيس التنفيذي ومستوى انخراطه في العمل غير محددين.

1. تعامل مع طبيعة هذا التفاعل بمنطق الاستكشاف لا بمنطق إصدار الأحكام.

عندما يكون حضور الرئيس التنفيذي متذبذباً، فمن السهل أن تتراكم مشاعر الإحباط. فهو لا ينخرط في العمل ولا ينسحب منه بالكامل، ما يخلق نمطاً غير قابل للتنبؤ من الانخراط يضطر باقي العاملين في الشركة إلى تحمل تبعاته. وتشير أبحاث ماكنزي إلى أن غياب الوضوح في مستوى انخراط الرئيس التنفيذي يؤدي إلى تشويش التوجه الاستراتيجي للمؤسسة وإبطاء وتيرة التنفيذ. غير أن رد الفعل القائم على اللوم يؤدي في العادة إلى إغلاق مسارات الحوار التي تحتاجها لمناقشة الأمر بفعالية.

وبحسب نموذج "سلم الاستدلال"، وهو أداة لصناعة القرار طورها المتخصصان في السلوك التنظيمي كريس أرغيريس ودونالد شون، فإننا نلاحظ ما يجري ثم نقفز مباشرة إلى تفسيره في أذهاننا ونتمسك بهذا التفسير كما لو كان حقيقة لا تقبل الشك. على سبيل المثال، إذا تغيب الرئيس التنفيذي عن اجتماع يتعلق بالاستراتيجية ثم أرسل رسالة إلكترونية في وقت متأخر من الليل، فقد يدور بذهنك: "إنه لا يثق بنا"، أو "إنه يحاول تقويض قراراتنا". وهكذا تكون قد تفاعلت مع القصة بدلاً من الوقائع، غالباً عبر اتخاذ موقف دفاعي أو التراجع عن المشاركة، أو الاستياء المكتوم.

تعلم سام هذا الدرس من خلال تجربة قاسية. فعندما وجه الرئيس التنفيذي نقداً مفاجئاً لخطة التسويق الخاصة بالعام المقبل، افترض سام على الفور أنه يمارس عليه الإدارة التفصيلية؛ فوضعه هذا الافتراض في أعلى "سلم الاستدلال" وجعله يتصرف برد فعل آني. ولاستعادة توازنه، عاد إلى الوقائع: تدخل الرئيس التنفيذي وأبدى رأياً، لكن سام لم يكن يعلم السبب. لذا طرح سؤالاً قائماً على الاستكشاف: "كيف تتصور دورك في التخطيط للتسويق خلال الفترة المقبلة؟".

أوضح الرئيس التنفيذي أنه يقدر فريق العمل، لكنه يشعر بالمسؤولية عن الإسهام بخبرته المتراكمة على مدى عقود. وهذه المعضلة شائعة بين الرؤساء التنفيذيين الذين يمرون بمرحلة انتقال تدريجية في دورهم القيادي؛ فهم يعتقدون أنهم يقدمون الدعم، لكنهم لا يدركون كيف يؤدي انخراطهم المتقطع إلى تقويض التوافق مع الاستراتيجية وتنفيذها. وقد ساعد هذا التوضيح سام على فهم أن هذا السلوك نابع من العادة وهوية الدور، لا من الرغبة في ممارسة الإدارة التفصيلية أو إرسال إشارة بعدم الثقة.

إن التعامل مع طبيعة هذا التفاعل بمنطق الاستكشاف لا يلغي التحديات التي يخلقها، لكنه يخفف النزعة الدفاعية ويهيئك للتصرف بقدر أكبر من الفعالية.

2. وضح الأثر الفعلي على الأعمال للرئيس التنفيذي.

عندما يصبح انخراط الرئيس التنفيذي غير منتظم، فإن تبعات سلوكه تتجاوز فريق الإدارة العليا؛ إذ تتباطأ وتيرة العمل في انتظار الموافقات، وتتغير الأولويات دون سابق إنذار، ويتردد أصحاب الأداء المرتفع في خوض المخاطر لأنهم لا يستطيعون التنبؤ بالقرارات التي ستظل قائمة والتي سيعاد النظر فيها. وتؤكد أبحاث ماكنزي حول فعالية فرق الإدارة العليا هذا النمط؛ إذ إن وضوح الأدوار وتحديد صلاحيات صناعة القرار من أقوى المؤشرات على الأداء المؤسسي، في حين أن الانخراط المتقطع يقوض كليهما.

ومع ذلك، فإن كثيراً من الرؤساء التنفيذيين شبه المتقاعدين لا يدركون حجم الزعزعة التي يسببها انخراطهم المتقطع. فهم يحكمون على سلوكهم بناءً على نواياهم ("أنا أقدم المساعدة")، بينما تتحمل المؤسسة أثر هذا السلوك ("نعود إلى نقطة البداية مجدداً").

نجح سام في تضييق هذه الفجوة عندما أسس النقاش على وقائع محددة يمكن ملاحظتها. فقد وضع فريق الإدارة التنفيذية الخطة السنوية للشركة، واتفق على الأولويات وتسلسل العمل بين الأقسام المختلفة والاحتياجات من الموارد. لكن في مرحلة متأخرة من العملية، عاد الرئيس التنفيذي إلى الافتراضات الجوهرية وبدأ يطرح أسئلة تفصيلية في مستويات إدارية أدنى، ما أوحى دون قصد بأن القرارات السابقة ما تزال غير محسومة. وعندما عرض سام عليه تداعيات ذلك من تأخيرات وإعادة عمل وازدواجية في الجهود وتزايد الشعور بالإحباط، فوجئ الرئيس التنفيذي بحجمها.

لم يكن هدف هذا النقاش إلقاء اللوم، بل إظهار الآثار غير المرئية وجعلها ملموسة. وقد أسهم إجراؤه في لقاء ثنائي في تخفيف النزعة الدفاعية ومنح الرئيس التنفيذي مساحة للتفكير في مشاركته في العمل مستقبلاً.

جرب ما يلي:

حدد النتيجة المثلى التي تطمح إليها.

ما الذي تريد أن يفهمه الرئيس التنفيذي أو يحسم قراره بشأنه؟ وكيف يبدو النجاح بالنسبة لك، حتى لو لم يتغير السلوك كلياً؟

بالنسبة إلى سام، تمثل النجاح في أن يدرك الرئيس التنفيذي تداعيات تدخلاته المتقطعة، وأن يوافق على اعتماد آلية مراجعة أوضح للدورات التخطيطية المقبلة.

حدد الموقف والسلوك.

كن محدداً ومحايداً.

الموقف: "خلال الأسبوع الأخير من عملية التخطيط السنوي".

السلوك: "أعدت النظر في الافتراضات المتعلقة بالتسويق وطرحت أسئلة تفصيلية على 3 مستويات إدارية أدنى".

حدد الأثر بالأرقام.

اربط بين الأفعال وتبعاتها على الأعمال:

"تباطأت وتيرة التقدم لما يقرب من 3 أشهر بينما كان القادة ينتظرون توجيهات واضحة. وتأخرت ميزانيات الأقسام المختلفة لأن أحداً لم يرغب في اعتماد أرقام قد يعاد النظر فيها لاحقاً، وبدأ عدد من أصحاب الأداء المرتفع يشكون في ثبات الاستراتيجية".

إن محادثة واحدة لن تغير سلوكاً تراكم على مدى سنوات. وبعد الوصول إلى فهم مشترك، يتعين على الرئيس التنفيذي وفريق الإدارة التنفيذية أن يرسخوا معايير سلوكية وتنظيمية واضحة تضمن ترسيخ أساليب العمل الجديدة واستمرارها.

3. ابن درجة عالية من الاتساق لتقليل الارتباك وإعادة العمل

حتى مع إجراء حوار ثنائي بناء، يظل من الضروري أن يضع الرئيس التنفيذي وفريق الإدارة التنفيذية معايير مشتركة لكيفية العمل معاً في الحياة اليومية للمؤسسة. إذا لم تكن الاتفاقات صريحة وواضحة، فسيفسر كل قائد تفضيلات الرئيس التنفيذي بطريقة مختلفة، ما يزيد حدة الارتباك ويبطئ وتيرة التنفيذ. ونظراً لأن مستوى انخراط الرئيس التنفيذي سيظل متقلباً بطبيعته، فهذه المعايير توفر قدراً من الاتساق الذي يمكن للمؤسسة التعويل عليه.

تتعامل أكثر فرق الإدارة التنفيذية فعالية مع هذه المسألة بوصفها تمريناً تشاركياً في تصميم آليات العمل مع الرئيس التنفيذي. فهي توضح القرارات التي تتطلب إشراك الرئيس التنفيذي، وتحدد المواضع التي يتعين فيها الرجوع إليه فيها، وكيف يجب أن تتدفق المعلومات. كما تضع وتيرة عمل تشغيلية يمكن للرئيس التنفيذي الانخراط فيها بسهولة.

جرب ما يلي:

  • وضح صلاحيات اتخاذ القرار. ما هي القرارات التي ينبغي أن يتولاها فريق الإدارة التنفيذية بالكامل؟ وأي منها يحتاج الرئيس التنفيذي إلى الاطلاع عليه أو الانخراط فيه؟
  • حدد مسارات التواصل. كيف ينبغي أن تتدفق التحديثات وعمليات التصعيد والمعلومات من الرئيس التنفيذي وإليه وفق وتيرة منتظمة يمكن التنبؤ بها؟
  • حدد وتيرة العمل التشغيلية. ما هي الدورات التخطيطية، وعمليات المراجعة، ونقاط التحقق المشتركة بين الأقسام المختلفة التي من شأنها تعزيز الاستقرار وتقليل التحولات المفاجئة في اللحظات الأخيرة؟
  • التزم بموقف موحد. كيف يضمن فريق الإدارة التنفيذية تقديم توصيات متسقة ومتناغمة، بحيث يتلقى الرئيس التنفيذي رؤى موحدة لا مجزأة؟

تشكل الاتفاقات المشتركة نظام التشغيل لعملكم. فهي تقلل الحاجة إلى إعادة العمل، وتعزز فعالية التنفيذ، وتوفر مرتكزاً ثابتاً ينطلق منه الجميع، بغض النظر عن انتظام انخراط الرئيس التنفيذي.

4. قدم الوضوح والاتساق اللذين تفتقر إليهما المؤسسة.

حتى مع وضوح التوقعات وارتفاع مستوى الاتساق داخل فريق الإدارة التنفيذية، ستأتي لحظات لا يلتزم فيها الرئيس التنفيذي بالمعايير المتفق عليها. وهذا أمر متوقع. فمثلما تشير أبحاث دانيال كانيمان، يتطلب الانتقال إلى سلوكيات جديدة تشغيل نمط التفكير الثاني؛أي التفكير البطيء المتأني والمنطقي، لا السريع التلقائي، ومن دون هذا الجهد المدروس، قد يعود حتى القادة ذوو النوايا الحسنة إلى عاداتهم المألوفة. وفي مثل هذه اللحظات، تظل المؤسسة بحاجة إلى قدر من الاستقرار والثبات، ويؤدي فريق الإدارة التنفيذية دوراً محورياً في توفيره.

ليست مهمتك إصلاح سلوك الرئيس التنفيذي، بل منع عدم قابلية التنبؤ بتصرفاته من التأثير في النظام وإحداث اضطراب أوسع داخله.

جرب ما يلي:

  • توقع الأنماط. استناداً إلى السلوك السابق، متى يكون الرئيس التنفيذي أكثر ميلاً للتدخل مجدداً؟ على سبيل المثال، هل يحدث ذلك في المراحل المتأخرة من العمل؟ أم خلال دورات التخطيط؟ أم عندما تبدو القرارات شديدة الأهمية بالنسبة له؟
  • حدد ما الذي ستعمل على استقراره. ما هي المشاريع أو القرارات التي يجب أن تظل على المسار المخطط له بغض النظر عن تدخلات الرئيس التنفيذي المفاجئة؟ وما هي الإجراءات التي ستتخذها لحماية هذا الزخم والمحافظة عليه؟
  • قدم استجابة موحدة. كيف سيتعامل فريق الإدارة التنفيذية مع التوجيهات المفاجئة بصورة جماعية، بحيث تتلقى الفرق إرشادات متسقة بدلاً من رسائل متضاربة؟
  • قدم نموذجاً للثبات. عندما يتقلب مستوى انخراط الرئيس التنفيذي، ما هي السلوكيات التي ستجسدها أنت ونظراؤك لإظهار الوضوح والهدوء والاستمرارية أمام فرقكم؟

ومع مرور الوقت، بدأ العاملون في مختلف أقسام المؤسسة ينظرون إلى فريق الإدارة التنفيذية، لا إلى التدخلات المتقطعة للرئيس التنفيذي، بوصفه المصدر الثابت للتوجيه.

يشكل سلوك القائد شبه المتقاعد مشكلة غير مرئية إلى حد كبير بالنسبة لفرق الإدارة التنفيذية في الوقت الراهن، ولن يعالجها مجرد انتظار تغير الرئيس التنفيذي. ولا يمكنك التحكم في تصرفات الرئيس التنفيذي غير المتوقعة، لكن يمكنك ترسيخ طريقة إنجاز العمل داخل المؤسسة. ومن خلال التعامل مع طبيعة هذا التفاعل بمنطق الاستكشاف، وتوضيح الأثر الحقيقي لسلوك القائد، وبناء مستوى أعلى من الاتساق والتماسك بين أعضاء الإدارة العليا، تصبح أنت ركيزة الاستقرار التي يمكن أن تعول عليها المؤسسة.

 

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2025.

المحتوى محمي