في الوقت الراهن، تنشغل شركات كثيرة بالتفكير في كيفية تشجيع مزيد من الموظفين على استخدام الذكاء الاصطناعي. فالوعد بتخفيف عبء بعض الأعمال، مثل إعداد الوثائق الروتينية وتلخيص المعلومات وتصحيح الرموز البرمجية، وإتاحة وقت أطول للموظفين للتركيز على مهام أعلى قيمة، يبدو مغرياً بلا شك.
لكن هل هذه الشركات مستعدة لما قد يحدث إذا نجحت في هذا المسعى؟ ففي حين يركز القادة على مكاسب الإنتاجية الموعودة، يفاجئهم تعقيد الواقع العملي، ولا ينتبهون إلى تبعات هذه المكاسب إلا بعد فوات الأوان.
في بحثنا الجاري، اكتشفنا أن أدوات الذكاء الاصطناعي لم تقلل العمل، بل كثفته باستمرار. ففي دراسة امتدت 8 أشهر، تناولت تغير عادات العمل بفعل الذكاء الاصطناعي التوليدي داخل شركة تكنولوجيا مقرها الولايات المتحدة ويبلغ عدد موظفيها نحو 200 موظف، وجدنا أن الموظفين عملوا بوتيرة أسرع، وتولوا نطاقاً أوسع من المهام، ومددوا ساعات عملهم لتشمل أوقاتاً أطول من اليوم، وغالباً من دون أن يطلب منهم أحد ذلك. ومن المهم الإشارة إلى أن الشركة لم تفرض استخدام الذكاء الاصطناعي، وإن كانت قد وفرت اشتراكات مؤسسية في أدوات ذكاء اصطناعي متاحة تجارياً. وبمبادرة ذاتية، أنجز الموظفون المزيد لأن الذكاء الاصطناعي جعل "إنجاز المزيد" يبدو ممكناً ومتاحاً، وفي كثير من الحالات مجزياً بطبيعته.
قد يبدو هذا التحول غاية سعى إليها القادة طويلاً، غير أن التغييرات التي تصاحب تبني الذكاء الاصطناعي بحماسة واضحة قد لا تكون قابلة للاستدامة، ما يفضي إلى مشكلات لاحقاً. فمع تراجع حماسة التجريب، قد يكتشف الموظفون أن أعباء عملهم قد ازدادت دون وعي منهم، وأنهم باتوا يشعرون بالإنهاك وهم يحاولون التوفيق بين المسؤوليات التي ألقيت فجأة على عاتقهم. وهذا التزايد التدريجي في أعباء العمل قد يقود بدوره إلى الإجهاد المعرفي والاحتراق الوظيفي وتراجع جودة صناعة القرار. كما أن الطفرة الإنتاجية التي تظهر في البداية قد تتلاشى لاحقاً لتحل محلها أعمال أقل جودة وارتفاع معدلات الدوران الوظيفي، وغيرها من المشكلات.
يضع هذا الواقع القائد أمام معضلة حقيقية. فما الذي ينبغي له فعله؟ مطالبة الموظفين بتنظيم أنفسهم ذاتياً ليست استراتيجية ناجحة؛ وبدلاً منها يتعين على القائد تطوير مجموعة من القواعد والمعايير التي تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي، وهو ما نطلق عليه "الممارسة المنظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي". إليك ما ينبغي للقائد الإحاطة به، وما يمكنه فعله لتهيئة موظفيه للنجاح.
كيف يكثف الذكاء الاصطناعي التوليدي العمل؟
من أبريل/نيسان إلى ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي 2025، درسنا أثر أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في تغيير عادات العمل داخل شركة التكنولوجيا محل الدراسة. واعتمدنا في ذلك على الملاحظة الميدانية المباشرة يومين في الأسبوع، ومتابعة قنوات التواصل الداخلية، وإجراء أكثر من 40 مقابلة معمقة شملت فرق الهندسة والمنتج والتصميم والبحث والعمليات التشغيلية.
وحددنا 3 صور رئيسية لتكثيف العمل.
اتساع نطاق المهام
بما أن الذكاء الاصطناعي قادر على سد فجوات معرفية، ازداد ميل الموظفين إلى تولي مسؤوليات أدوار أخرى؛ فقد بدأ مدراء المنتجات والمصممون كتابة الرموز البرمجية، وتحمل الباحثون مهام هندسية، وشرع أفراد في مختلف أقسام المؤسسة في إنجاز أعمال كانوا في الماضي يسندونها إلى جهات خارجية أو يؤجلونها أو يتجنبونها تماماً.
جعل الذكاء الاصطناعي التوليدي هذه المهام تبدو متاحة على نحو غير مسبوق. إذ وفرت هذه الأدوات ما يسميه كثيرون دفعة معرفية محفزة: إذ خفضت الاعتماد على الآخرين، وقدمت ملاحظات وتصحيحات فورية في أثناء التنفيذ. وصف الموظفون ذلك بأنه "محاولات استكشافية سريعة" بمساعدة الذكاء الاصطناعي، غير أن هذه التجارب تراكمت لتفضي إلى اتساع ملموس في نطاق الأدوار الوظيفية، بل إن الموظفين أدوا مهمات كان من الممكن أن تسوغ في السابق طلب دعم إضافي أو تعيين موظفين إضافيين.
أفضى اتساع نطاق المسؤوليات إلى تداعيات لاحقة. على سبيل المثال، أمضى المهندسون وقتاً أطول في مراجعة الأعمال التي أنشأها زملاؤهم بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وتصحيحها وتوجيهها. لم تقتصر هذه المتطلبات على مراجعات الرموز البرمجية الرسمية؛ إذ وجد المهندسون أنفسهم على نحو متزايد يدربون زملاء كانوا يعتمدون أسلوب "البرمجة الحدسية"، وينهون طلبات دمج غير مكتملة. وغالباً ما ظهرت هذه المتابعة في سياقات غير رسمية، مثل النقاشات عبر منصة سلاك أو لقاءات سريعة غير مخططة في مقر العمل، ما أضاف أعباءً جديدة إلى كاهل المهندسين.
تداخل الحدود بين العمل وما هو خارجه
لأن الذكاء الاصطناعي سهل بدء المهام، فلم تعد "الصفحة الفارغة" أو نقطة البداية المجهولة عائقاً، أخذ العمل يتسلل إلى لحظات كانت في السابق مخصصة للاستراحة. فقد لجأ كثيرون إلى توجيه أوامر نصية إلى الذكاء الاصطناعي في أثناء الغداء أو خلال الاجتماعات أو في أثناء انتظار تحميل ملف. ووصف بعضهم إرسال "مطلب أخير سريع" قبيل مغادرة المكتب مباشرة، بحيث يواصل الذكاء الاصطناعي العمل بينما يبتعدون هم مؤقتاً عن العمل.
لم يبد أن هذه الأفعال تمثل عملاً إضافياً، غير أنها مع مرور الوقت جعلت أيام الموظفين محمومة؛ تقل فيها فترات التوقف الطبيعية ويزداد العمل المتواصل. كما أسهم الطابع الحواري لأسلوب توجيه الأوامر النصية في تيسير التجربة أكثر؛ فكتابة سطر موجه إلى نظام ذكاء اصطناعي بدت أقرب إلى الدردشة منها إلى إنجاز مهمة رسمية، ما سهل امتداد العمل إلى المساء أو إلى ساعات الصباح الباكر من دون قصد.
أوضح بعض الموظفين أنهم أدركوا، غالباً بعد فوات الأوان، أن اعتياد توجيه الأوامر النصية خلال فترات الاستراحة ألغى الإحساس بالتعافي الذي كانوا ينعمون به في أوقات التوقف عن العمل. ونتيجة لذلك، تراخت حدود العمل وبات حاضراً باستمرار، إذ يمكن مواصلة التقدم فيه ولو بخطوات صغيرة في أي وقت. لم تختف الحدود بين العمل وما هو خارج العمل تماماً ولكنها باتت أقل صلابة ويمكن تجاوزها بيسر.
تزايد تعدد المهام
أدخل الذكاء الاصطناعي إيقاعاً جديداً إلى العمل، بات فيه الموظفون يديرون عدة مسارات نشطة في آن واحد: يكتبون الرموز البرمجية يدوياً بينما ينشئ الذكاء الاصطناعي نسخة بديلة، أو يشغلون عدة وكلاء بالتوازي، أو يستأنفون مهام طال تأجيلها لأن الذكاء الاصطناعي يستطيع "معالجتها" في الخلفية. وقد فعلوا ذلك جزئياً لأنهم شعروا بوجود "شريك" يساعدهم على المضي في إنجاز أعبائهم.
وعلى الرغم من أن هذا الإحساس بوجود "شريك" عزز الشعور بالزخم، فقد اتسم الواقع بالتنقل المستمر بين المهام، والتفقد المتكرر لمخرجات الذكاء الاصطناعي، وتزايد عدد الأعمال المفتوحة؛ خلق ذلك عبئاً معرفياً وإحساساً دائماً بالتنقل بين مهام متعددة، حتى وإن بدا العمل منتجاً في ظاهره.
مع مرور الوقت، رفع هذا الإيقاع سقف التوقعات من حيث السرعة، لا عبر مطالب صريحة بالضرورة، بل من خلال ما أصبح ظاهراً ومعتاداً في سير العمل اليومي. وقد أشار كثير من الموظفين إلى أنهم باتوا ينجزون أعمالاً أكثر في الوقت نفسه ويشعرون بضغط أكبر مقارنة بما كانت عليه الحال قبل استخدام الذكاء الاصطناعي، على الرغم من افتراض أن وفورات الوقت الناتجة عن الأتمتة سوف تخفف هذا الضغط.
ما الذي يعنيه ذلك للمؤسسات، وكيف يمكن لـ "الممارسة المنظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي" أن تساعد في هذا السياق؟
أفضى ما سبق كله إلى حلقة معززة لذاتها؛ فقد سرع الذكاء الاصطناعي إنجاز بعض المهام فرفع سقف التوقعات من حيث الوتيرة، وأدى تسارع العمل إلى تعاظم اعتماد الموظفين على الذكاء الاصطناعي، كما وسع هذا الاعتماد نطاق ما ينجزه الموظفون، وأفضى اتساع النطاق بدوره إلى زيادة حجم العمل وكثافته. أشار عدد من المشاركين إلى أنهم، على الرغم من شعورهم بارتفاع إنتاجيتهم، لم يشعروا بانخفاض انشغالهم بالعمل، بل شعر بعضهم بأنه ازداد مقارنة بالسابق. ومثلما لخص أحد المهندسين الأمر: "كنت تظن أنك، بفضل ارتفاع إنتاجيتك مع الذكاء الاصطناعي، ستوفر بعض الوقت فتعمل أقل. لكنك في الواقع لا تعمل أقل، بل تعمل المقدار نفسه أو حتى أكثر".
قد تعتبر المؤسسات هذا التوسع الطوعي في العمل مكسباً واضحاً؛ فإذا كان الموظفون يقدمون عليه بمبادرة منهم، فلماذا نعتبره أمراً سلبياً؟ أليست هذه هي الطفرة الإنتاجية التي طال الحديث عنها؟
غير أن بحثنا يكشف مخاطر السماح للعمل بالتمدد والتسارع على نحو غير منظم؛ فما يبدو في الأجل المنظور ارتفاعاً في الإنتاجية قد يخفي تزايداً صامتاً في أعباء العمل وضغطاً معرفياً متنامياً، في ظل إدارة الموظفين لعدة مسارات عمل مدعومة بالذكاء الاصطناعي في آن واحد. ولأن الجهد الإضافي طوعي، وغالباً ما يتعامل الموظفون معه بوصفه تجريباً ممتعاً، يسهل على القائد إغفال مقدار العبء الإضافي الذي يتحمله الموظفون. ومع مرور الوقت، يضعف الإفراط في العمل القدرة على اتخاذ قرارات سليمة، ويرفع احتمال وقوع الأخطاء، ويصعب على المؤسسات التمييز بين المكاسب الإنتاجية الحقيقية وكثافة العمل غير القابلة للاستدامة. أما بالنسبة للموظفين، فيتجلى الأثر التراكمي في الإصابة بالإعياء والاحتراق الوظيفي والإحساس المتزايد بصعوبة الانفصال عن العمل، لا سيما مع ارتفاع توقعات المؤسسة من حيث سرعة العمل والاستجابة.
بدلاً من الاكتفاء بالتفاعل السلبي مع إعادة أدوات الذكاء الاصطناعي تشكيل بيئات العمل، ينبغي للأفراد والمؤسسات اعتماد "ممارسة منظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي": أي مجموعة متعمدة من القواعد والأعراف التي تنظم كيفية استخدامه، وتحدد التوقيت المناسب للتوقف، وتوضح الطريقة المناسبة لتوسيع العمل وحدوده استجابة للقدرات المستجدة. فغياب مثل هذه الممارسات يجعل الاتجاه الطبيعي للعمل المدعوم بالذكاء الاصطناعي لا يميل إلى الانكماش، بل إلى التكثيف، مع ما يترتب عليه من تداعيات تتعلق بالاحتراق الوظيفي والتأثير في جودة صناعة القرار والاستدامة على المدى البعيد.
ومع شروع المؤسسات في بناء الممارسة المنظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، يجدر بها اعتماد ما يلي:
فترات توقف متعمدة
مع تسارع وتيرة المهام وتداخل الحدود بين العمل وما هو خارجه، يمكن أن يستفيد الموظفون من لحظات قصيرة ومنظمة تضبط الإيقاع: فترات محمية لتقييم مدى اتساق العمل مع الأهداف، أو إعادة النظر في الافتراضات، أو استيعاب المعلومات قبل المضي قدماً.
لا تؤدي هذه التوقفات إلى إبطاء العمل عموماً؛ بل تمنع التراكم الصامت لأعباء مفرطة تنشأ عندما يستمر التسارع من دون ضوابط. على سبيل المثال، يمكن اعتماد آلية "وقفة قرار" قبل إقرار أي قرار رئيسي تشترط طرح اعتراض وجيه وتوضيح صلته بأهداف المؤسسة، ما يوسع مجال الانتباه بالقدر الكافي للحيلولة دون الانجراف. ويمثل إدماج مثل هذه الوقفات في سير العمل اليومي إحدى سبل دعم المؤسسات لصناعة قرارات أفضل، ووضع حدود أكثر توازناً للعمل، وخلق أشكال أكثر استدامة للإنتاجية في بيئات يعززها الذكاء الاصطناعي.
تنظيم التسلسل
مع إتاحة الذكاء الاصطناعي نشاطاً متواصلاً في الخلفية، يمكن للمؤسسات أن تستفيد من قواعد تنظم على نحو مدروس توقيت تقدم العمل، لا سرعته فحسب. ويشمل ذلك تجميع الإشعارات غير العاجلة، وتخصيص فترات تركيز تحمي الموظفين من المقاطعات واحترامها.
وبدلاً من التفاعل مع كل مخرجات الذكاء الاصطناعي فور صدورها، يشجع تنظيم التسلسل على دفع العمل قدماً في مراحل مترابطة وواضحة. وعند ضبط التنسيق على هذا النحو، يقل التشتت وتتراجع كلفة الانتقال المتكرر بين السياقات، مع حفاظ الفرق على مستوى الإنجاز العام. ومن خلال تنظيم ترتيب العمل وتوقيته، بدلاً من المطالبة بالاستجابة المستمرة، يمكن للتسلسل المنظم مساعدة المؤسسات على صون الانتباه، والحد من الحمل المعرفي الزائد، ودعم صناعة قرارات أكثر تروياً في بيئات يعتمد العمل فيها على الذكاء الاصطناعي.
تعزيز الحضور الإنساني
مع إتاحة الذكاء الاصطناعي مزيداً من العمل الفردي المستقل عن التفاعل المباشر مع الآخرين، يمكن للمؤسسات أن تستفيد من حماية وقت ومساحة مخصصين للإنصات والتواصل الإنساني. فمن خلال إتاحة فرص قصيرة للتواصل مع الآخرين، سواء عبر اجتماعات تفقدية سريعة أم لحظات مشتركة للتأمل أم حوارات منظمة، يمكن مقاطعة الانخراط الفردي المتواصل مع أدوات الذكاء الاصطناعي ومساعدة الموظفين على استعادة وضوح الرؤية وتوازنها.
وإلى جانب هذا البعد المتعلق برؤية الأمور بصورة أشمل، يسهم التفاعل الاجتماعي في دعم القدرة على الإبداع؛ فالذكاء الاصطناعي يقدم منظوراً واحداً مركباً، في حين تعتمد الرؤى الإبداعية على التفاعل مع تنوع وجهات النظر البشرية. ومن خلال ترسيخ فكرة تخصيص الوقت والمساحة للإنصات والحوار، تعيد المؤسسات إرساء العمل داخل سياقه الاجتماعي، وتساعد على مواجهة الآثار المنهكة والنزعة الفردية التي قد يكرسها إيقاع العمل السريع نتيجة اعتماد الذكاء الاصطناعي.
لا تكمن وعود الذكاء الاصطناعي التوليدي فيما يستطيع إنجازه من مهام فحسب، بل في كيفية إدماجه بعناية في الإيقاع اليومي للعمل. وتشير نتائجنا إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي من دون توجيه متعمد يسهل إنجاز المزيد، لكنه يجعل التوقف عن العمل أصعب. وتوفر "الممارسة المنظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي" عنصر توازن مضاداً: إذ تتيح الحفاظ على لحظات للتعافي والتأمل حتى مع تسارع وتيرة العمل. ولا يكمن السؤال الذي يواجه المؤسسات فيما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير طبيعة العمل، بل فيما إذا كانت ستتولى هي توجيه هذا التغيير بوعي، أم ستتركه يعيد تشكيلها دون وعي منا.