تقرير خاص

حوكمة الشركات: من الالتزام القانوني إلى أداة استراتيجية للنمو في رؤية 2030

3 دقيقة

لم تعد الحوكمة في المملكة العربية السعودية نموذجاً من اللوائح النظرية التي يمكن استكمالها سنوياً. وتحولت إلى قرار قيادي ينعكس مباشرة على تكلفة التمويل، وثقة المستثمرين، وسرعة التوسع.

وتعزز رؤية 2030 هذا التحول حين تربط بين الحكومة الفاعلة ومعايير الشفافية والمساءلة، وتقرن الحوكمة بالإدارة الفعالة، لتصبح جزءاً من البنية الاستراتيجية للشركات.

وعندما تتعامل الشركات مع الحوكمة بوصفها طريقة لاتخاذ القرار، تظهر النتائج بوضوح: قدرة أعلى على الوصول إلى رأس المال، وتقييم أدق للمخاطر، وقرارات أكثر انضباطاً. وقد صاغت رؤية 2030 هذا التحول من الامتثال إلى الاستراتيجية داخل قاعة المجلس التنفيذي.

 

لماذا تغيرت قواعد اللعبة؟

تبدلت بيئة الأعمال خاصة أن رؤية 2030 ربطت الحكومة الفاعلة بالشفافية والمساءلة. كما اهتمت بتعزيز حوكمة التحول الرقمي من خلال مجلس وطني يشرف على المسار الرقمي، ما رفع سقف التوقعات من الشركات نفسها، لتتمثل مخرجات نتائجها في بيانات أدق، وإفصاحات أذكى، وتتبع لحظي للمخاطر.

وحين تتوافر هذه البيئة، فهي تمنح المستثمر قدرة على التفريق بين شركة تفصح عن نتائجها لأنها مضطرة، وأخرى تفصح لأنها تدير المخاطر بالفعل.

 

الحوكمة ليست ورقاً

لا يقف الأثر الحكومي عند القواعد النظرية. لذا نجد أن نظام هيئة الرقابة ومكافحة الفساد "نزاهة" الذي صدر عام 2010، تضمن صلاحيات تحقيق للمبلغين وحمايتهم، ضمن مسار مؤسسي يجعل الفساد أقل قابلية للنمو في بيئة شفافة خاضعة للمراجعة، وهي رسالة ثقة تقرأها السوق.

وفي المالية العامة، أدت حوكمة إعداد الميزانية واعتماد منصات رقمية مثل منصة "اعتماد" إلى تسريع الإجراءات ودقتها، وأسهمت في وضوح التعامل المالي ورفع مستوى الثقة.

 

حيث تقاس الثقة بالمال

في المعاملات المالية، لا يترجم الامتثال الورقي إلى تسعير أفضل للمخاطر، لكن تترجمه الحوكمة الفعلية إلى شروط تمويل بموافقات أسرع.

وخلال العقد الماضي، تزايد تركيز المستثمرين على الحوكمة بصورة لافتة؛ إذ تظهر قراءات السوق أن ما يقارب 70% من مطالب المستثمرين انصبت على عناصر الحوكمة، لأنهم يرون فيها اختصاراً لطريق الشك نحو قرار استثماري مدعوم بالبيانات والإفصاح.

ويأتي تدرج لوائح الحوكمة في المملكة ليعمق هذا الاتجاه؛ فالشركات المدرجة تخضع لمعايير أعلى بحكم أثرها في السوق. كما تمنح الشركات غير المدرجة إطاراً أخف يسمح لها بالنمو دون أعباء تعيق تطورها. بهذه المقاربة العملية، تصبح الحوكمة ممارسة قابلة للتطبيق والتدرج، وليست نماذج مكتبية ورقية.

 

القطاع العام: لماذا يهم الشركات؟

لا يعد تحسين فاعلية الحكومة وجودة التنظيم شأناً داخلياً منعزلاً. ونلاحظ أن الفترة الممتدة بين عامي 2017 و2022، سجلت تحسناً يقارب 10 إلى 12 نقطة في مؤشرات فاعلية الحكومة وجودة التنظيم. فعندما تدار الأجهزة العامة بالنتائج والشفافية، وتيسر الخدمات من خلال القنوات الرقمية، تنخفض تكلفة الوقت والمخاطر التي لا تتوقع بسهولة، وتصبح التراخيص والمشتريات وتسوية المنازعات أكثر قابلية للتوقعات الصحيحة.

وبالمحصلة، تمكن هذه البيئة، المستثمرين من معرفة نتائج القوائم المالية للشركات بكل وضوح.

 

الشركات العائلية: الاستدامة قبل الأرقام

تشكل الشركات العائلية في المملكة نحو 95% من إجمالي الشركات، وتسهم بنحو 65% من الناتج المحلي الإجمالي، كما أن 50% تقريباً من الوظائف تصنعها هذه الشركات. يمكن ترجمة ذلك إلى ثقة تمويلية لحوكمة حقيقية تستند إلي ميثاق عائلي واضح، ومجلس مستقل نسبياً، وضبط لتضارب المصالح، وانتقال منظم للثروة والقرار بين الأجيال.

حين تدار هذه العناصر بجدية، يصبح خطاب الشركة للعائلة والسوق معاً أكثر اتساقاً، ويقرأ الممولون إشارات استدامة لا مجرد قصص نجاح.

 

القطاع غير الربحي: الأثر هو العملة

تعتمد القيمة في القطاع غير الربحي على الأثر. وقد بلغ مستوى الحوكمة في مؤسسات القطاع غير الربحي في المملكة نحو 80%. لذا، أصبح قياس النتائج وربطها بالتمويل أيسر، وتحسن مستوى الثقة بين المانحين والجهات المنفذة، وتحول الإفصاح إلى أداة تعبئة موارد لا عبء إداري.

 

من الورق إلى الفعل: إيقاع يتعلم ويتكيف

تسقط الحوكمة في فخ الورق بسبب غياب الإيقاع المؤسسي الذي يتعلم ويتكيف. إذ تراقب الحوكمة الحية مختلف المؤشرات الجوهرية، وتفهم الانحرافات وأسبابها، ثم تعدل السياسات والتفويضات، ويعاد التقييم دورياً.

وبالتالي، فإن هذه الروح، لا الجداول الزمنية الصارمة، هي التي تجعل الحوكمة حية ومتصلة بالواقع وتنتج قرارات أدق في الوقت المناسب. وتتضح أهمية هذا النهج في سياق الإدارة التكيفية التي تجمع بين مراقبة المؤشرات، والتعلم المستمر، وتحديث السياسات، بما يعزز مناعة المؤسسة أمام التقلبات ويحول الحوكمة إلى ممارسة مستمرة.

 

ماذا يريد المستثمر أن يراه داخل قاعة المجلس؟

يريد المستثمرون مجلساً يعمل بجدول أعمال موجه للقرارات، وشهية مخاطر معروفة ومعتمدة، وإفصاحاً يسبق الأسئلة بدلاً من التأخر عنها، وثقافة تكافئ جودة القرار لا حجمه.

حين تتكرر هذه الممارسات بثبات، يتغير حوار الشركة مع البنوك والمستثمرين من "اطمئنوا" إلى "إليكم الدليل". ومن هنا، يعاد تسعير المخاطر لصالح الشركة. هذا هو الانعكاس الحقيقي لمفهوم الشفافية في رؤية 2030، الذي لا يقل أهمية عن رأس المال.

ختاماً، يحتاج التحول من الورق إلى الفعل ذراعاً تنفيذية تفهم اللوائح والمالية والمخاطر والإفصاح على طاولة واحدة. من هذا المنطلق، يبرز دور الفريق القانوني المتخصص الذي يعمل مباشرة مع رئيس المجلس، ولجان التدقيق والمخاطر. ويترجم المتطلبات النظامية والحوكمية إلى آليات قابلة للقياس داخل التقارير والإجراءات اليومية. كما يعتمد على مواءمة سياسة الإفصاح مع إيقاع التقارير المالية، وضبط تضارب المصالح في عقود الأطراف ذوي العلاقة، وتحويل شهية المخاطر إلى حدود عملية على مستوى الميزانية والتمويل، وبناء مواثيق عائلية تحول القيم إلى مؤسسية قابلة للاستثمار.

وبالتالي، يحول هذا النهج العملي المجلس إلى أكثر جرأة وثقة، ويقنع السوق أن الشركة تجيد التنفيذ.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2025.

المحتوى محمي