ماذا تفعل عندما تضطر إلى تنفيذ استراتيجية لا تؤمن بها؟

6 دقيقة
تنفيذ القرارات
رسم توضيحي: جيسون شنايدر

عندما تتخذ القيادة العليا قراراً مفصلياً تعارضه بشدة، مثل تسريح الموظفين أو إعادة هيكلة إدارية، كيف تحافظ على نزاهتك ونفوذك وقدرتك على إحداث أثر؟ عندما يصطدم قرار الإدارة التنفيذية بقناعاتك، لا يتحدد نفوذك بمدى اتفاقك مع القرار، بل بقدرتك على تنفيذه بغاية واضحة وتعاطف و…

عندما يتخذ القادة في المستويات العليا قرارات تعارضها بشدة، تجد نفسك أمام مفارقة قيادية حقيقية: كيف تحافظ على مبادئك وفي الوقت نفسه تنفذ قراراً يتعارض معها؟

واجهت إميلي، نائبة رئيس الموارد البشرية التي عملنا معها في شركة عالمية للرعاية الصحية، هذا المأزق عندما أعلن الرئيس التنفيذي لشركتها عن إعادة هيكلة شاملة، بذريعة المواءمة بين فروع الشركة حول العالم كلها.

قبل ذلك بثمانية عشر شهراً، انضمت إلى الشركة لإعادة بناء قسم كان يعاني التعثر؛ فعملت على استقطاب قيادات قوية، ووحدت الفريق على غاية مشتركة، وطورت استراتيجية أصبحت نموذجاً يحتذى به في مناطق أخرى. كان الفريق يحقق نجاحات متتالية إلى أن صدر توجيه مفاجئ من أعلى الهرم الإداري يقضي بإلزام الموظفين جميعاً دون مستوى نائب الرئيس بإعادة التقدم لشغل وظائفهم من جديد. رأت إميلي أن هذه الخطوة غير ضرورية، بل قد تكون مدمرة. فقد هددت بتفكيك الفريق الذي أعادت بناءه للتو، ووضعتها في موقف تضطر فيه إلى نقل خبر لا تتفق معه، في حين أصر الرئيس التنفيذي على اعتبارها عنصراً أساسياً في تحول الشركة.

عندما تسعى المؤسسة إلى إحداث تغييرات كبرى من دون إشراك القادة الأكثر التصاقاً بسير العمل، فإنها تقوض الثقة والنتائج معاً. فهؤلاء القادة هم الأقدر على استشراف المخاطر وتمحيص الافتراضات وكشف مواطن ضعفها والإسهام في صياغة آلية تنفيذ فعالة.

تؤكد البحوث ذلك بوضوح؛ إذ تشير نتائج ماكنزي إلى أن أقل من ثلث مبادرات التحول تنجح في تحقيق أهدافها، ويعتمد ذلك إلى حد كبير على درجة شعور الموظفين بأنهم مشاركون في العملية. فعندما يشعر الموظفون بأن آراءهم تحظى بالاعتبار، يزداد مستوى التفاعل والانخراط. كما أن الوضوح في شرح كيفية اتخاذ القرارات يعزز تلك الثقة. وتبين دراسات مؤسسة غالوب أن الفرق التي تتمتع بمستوى مرتفع من التفاعل تحقق إنتاجية أعلى بنسبة 18% وربحية أعلى بنسبة 23%. وفي الوقت نفسه، تفيد تقارير شركة ديلويت بأن التغيير المستمر وتزاحم الأولويات وارتفاع التوقعات تفرض ضغوطاً كبيرة على القادة، وأن نحو 4 من كل 10 موظفين ومدراء ومسؤولين تنفيذيين يقولون إنهم يشعرون بالإرهاق أو التوتر "دائماً" أو "غالباً".

واستناداً إلى عملنا مع قيادات تنفيذية عليا، حيث تعمل جيني مستشارة تنفيذية وميسرة للتعلم والتطوير وتعمل كاثرين مدربة تنفيذية ومدربة للفرق، حددنا 4 استراتيجيات تساعد القادة في الحفاظ على نزاهتهم ونفوذهم وقدرتهم على إحداث أثر، عندما يطلب منهم تنفيذ قرار يعارضونه بشدة.

1. استعادة الاتزان

عند اتخاذ قرار لم يعد بالإمكان التراجع عنه، لا تتمثل مهمتك الأولى في محاولة إصلاحه، بل في استعادة اتزانك. فكثيراً ما يتجاوز القادة هذه الخطوة، ويندفعون مباشرة إلى التفاصيل التنفيذية، وهم يحملون في داخلهم إحباطاً أو شعوراً بالذنب لم يتعاملوا معه بعد. غير أن الاتزان الانفعالي هو سر وضوح الرؤية الاستراتيجية.

في البداية، غمر إميلي شعور بالذهول والذنب؛ لأنها كانت قد عينت بنفسها معظم أفراد فريقها، ووجدت نفسها الآن مضطرة إلى إبلاغهم بإلغاء وظائفهم جميعها. ولم يكن الهيكل الجديد ليستوعب سوى مناصب قليلة جداً؛ إذ ستعلن الشركة عن عدد محدود من الوظائف، وستطلب من كل فرد إجراء مقابلة للتنافس على موقع ضمن الفريق بعد إعادة هيكلته. وبين ولائها لفريقها ومسؤوليتها أمام القيادة العليا، أدركت أن إعادة الهيكلة ستمضي قدماً مهما كانت اعتراضاتها. وكان خيارها الحقيقي يتمثل في شكل حضورها القيادي: هل تنسحب محبطة، أم تخفف وطأة التجربة على الآخرين؟ وقالت لاحقاً: "إن لم أستطع تغيير القرار، فبوسعي على الأقل تغيير الطريقة التي ستنعكس بها تبعاته على أعضاء الفريق". هذا التحول من المقاومة إلى تحمل المسؤولية مكنها من التصرف بنزاهة وتعاطف، حتى تحت الضغط. وكانت استعادة اتزانها أولاً هي ما أرسى الأساس لاتخاذ قرارات رشيدة.

القبول لا يعني الموافقة؛ بل يعني تبني الواقعية الاستراتيجية. فعلى القادة أن يتراجعوا خطوة إلى الوراء لرؤية الصورة الكلية بموضوعية وفهم الأنماط الأوسع، والتمييز بين الوقائع والتفسيرات الشخصية، وتحديد ما هو ثابت وما يظل قابلاً للتغيير بفعل القيادة والتأثير. إن ترسيخ الاتزان الانفعالي قبل المضي قدماً يساعدك على تركيز طاقتك فيما يقع ضمن دائرة تأثيرك، بدلاً من الانشغال بالجوانب التي خرجت عن نطاق سيطرتك.

2. تحديد المجالات التي يمكنك إحداث أثر فيها

بعد استعادة الاتزان، يحول القادة الفعالون انتباههم من الإحباط إلى التحرك العملي نحو التنفيذ. وحين يخيم عدم اليقين على كل شيء، يصبح تحديد الأولويات فعلاً قيادياً بحد ذاته.

خلال تلك الأسابيع، اتخذت إميلي قراراً واعياً بتوجيه طاقتها المحدودة إلى ما يهم حقاً. فرسمت حداً واضحاً بين ما يعد حاسماً لإنجاز المهمة وما لا يعد كذلك. والتقت بمديرها المباشر لاستعراض المفاضلات وتسليط الضوء على المواضع التي كانت فيها المهام المنخفضة القيمة تستهلك وقتاً ثميناً. واتفقا معاً على الأعمال التي ستحقق أكبر أثر في مسار إعادة الهيكلة. وقد مكنها هذا الوضوح من الاعتذار عن مكالمات متأخرة ليلاً وأعمال في عطلة نهاية الأسبوع لا تسهم مباشرة في تقدم مسار إعادة الهيكلة أو دعم فريقها. ومن خلال توجيه طاقتها إلى المحادثات والقرارات العالية الأثر، قادت فريقها بهدوء واتزان وتجاوزت منطق الاندفاع وردود الفعل الآنية، محافظة على التعاطف وسلامة التقدير في الوقت الذي كان فيه فريقها بأمس الحاجة إليهما. وإذا كنت تواجه ضغوطاً مشابهة، فابدأ بتحديد الأولويات التي تولد أكبر قيمة، ثم شارك تبعات ذلك بوضوح حتى تتضح لمديرك أولويات تركيز الجهد.

في حوارات إميلي مع الرئيس التنفيذي والقيادات العليا، أعادت صياغة الاعتراض بوصفه سؤالاً استكشافياً: "هل يمكنك مساعدتي على فهم كيفية الحفاظ على المعنويات خلال عملية إعادة إجراء المقابلات؟". أدى هذا الأسلوب إلى استمرارية انخراطها في بناء الحلول بدلاً من التمركز في موقع مقاومة القرار. وبحمايتها وقتها وانتباهها، حمت في الوقت نفسه مصداقيتها.

تشير أبحاث مؤسسة غالوب إلى أن المدراء يتحملون نحو 70% من التباين في مستوى تفاعل الفرق، وأن التصدي لتفاقم الضغوط والاحتراق الوظيفي لدى المدراء شرط أساسي لتحسين الإدارة اليومية. ولا يعني تحديد الأولويات أداء عمل أقل، بل توجيه الجهد إلى الجوانب الجوهرية، وإنجازها بإتقان.

واستناداً إلى إطار القيادة المتمركزة لدى ماكنزي، يستطيع القادة استخدام المراجعة الذاتية التالية للحفاظ على التركيز والطاقة في أوقات التحدي والتغيير:

  • المعنى: هل أذكر نفسي وفريقي بالغاية الأساسية لعملنا خلال الفترات المليئة بالضغوط؟
  • إعادة الصياغة: هل أحول الحديث الذاتي السلبي إلى فضول وبحث عن حلول؟
  • التواصل: هل أعزز الثقة والحوار المفتوح للحفاظ على التفاعل؟
  • التمكين: هل أمكن الآخرين من المبادرة في ظل عدم اليقين؟
  • استعادة الطاقة: ما الحد أو العادة التي سألتزم بها اليوم لتجديد طاقتي؟

إن القائد الذي يدير طاقته على نحو مدروس يقدم للآخرين مثالاً يحتذى به في القدرة على الصمود ويحول دون انتقال الإعياء العاطفي عبر المؤسسة. فالحفاظ على طاقة متوازنة يتيح التفكير بوضوح والتصرف بوعي واستدامة الأداء في أهم اللحظات.

3. قيادة الفريق خلال المرحلة الانتقالية

بعد أن تستعيد اتزانك أنت أولاً، تأتي الخطوة التالية: مساعدة فريقك على استعادة اتزانه بدوره. وتشير البحوث إلى أن عمليات إعادة الهيكلة الناجحة توازن بين السرعة والاستقرار، من خلال الجمع بين هياكل مرنة وقابلة للتكيف، وانضباط تشغيلي متسق. كما تزيد فرص النجاح بنسبة تصل إلى 7 أضعاف عندما يبادر القادة إلى إشراك الموظفين مبكراً وتوضيح المسؤوليات والحفاظ على اتساق الرسائل.

لم تستطع إميلي منع إعادة الهيكلة، لكنها استطاعت التأثير في كيفية تنفيذها وتبعاتها على أفراد فريقها. فقد عملت مع شركاء الموارد البشرية لضمان الشفافية والإنصاف في عملية إجراء المقابلات، وأن يشعر المرشح بالتقدير والاحترام في كل مرحلة. كما دافعت عن إتاحة خيارات الانتقال إلى فرق أو أقسام أخرى بالشركة، حتى يبقى الموظفون الذين ستتأثر مواقعهم داخل الشركة متى أمكن ذلك. وتمحور سؤالها حول النقطة التالية: إذا كان هذا التغيير حتمياً، فما هي السبل التي تكفل التعامل معه بأسلوب يراعي الاعتبارات الإنسانية إلى أقصى حد ممكن؟ ومن خلال تركيزها على جودة التنفيذ والأثر الإنساني، حافظت إميلي على الثقة، وقللت الاضطراب، وقدمت نموذجاً للنضج القيادي في ظروف لم تخترها.

نادراً ما يملك القادة السيطرة على كل قرار، لكنهم يملكون دائماً خيار الكيفية التي يمارسون بها حضورهم القيادي عند التنفيذ. ومن خلال إدارة التغيير بتعاطف ودقة واتساق، يستطيع القادة تحويل الامتثال إلى التزام وترك إرث من الثقة حتى في خضم التحولات الصعبة.

4. الحفاظ على الثقة

في أوقات تباين المواقف وعدم الانسجام، تصبح الثقة أثمن عملة يمتلكها القائد. ويظهر مؤشر إيدلمان للثقة أن الموظفين يولون أهمية كبرى للإنصاف والشفافية والتواصل الصادق من جانب جهات عملهم. والقادة الذين يقدمون الوضوح ويحافظون على الاتساق يكتسبون المصداقية اللازمة لعبور المراحل الانتقالية الصعبة.

لا يكتسب القادة الثقة بمجاراة كل قرار أو الموافقة عليه، بل يبنونها عبر الوضوح والاتساق والاهتمام الحقيقي بالآخرين. وهذا يعني التواصل بصراحة والوفاء بالالتزامات وإظهار اهتمام صادق بمن يتأثرون بالقرارات.

أدارت إميلي ذلك التوازن الدقيق بين الشفافية والولاء بمنتهى الحذر. فقد شاركت ما أمكن مشاركته، وكانت صريحة بشأن حدود معرفتها، وحافظت على نبرة وحضور متسقين. وأجرت لقاءات ثنائية منتظمة، وقدمت دعماً لإعداد السير الذاتية، وتعاونت مع زملاء عبر الشركة لمساعدة الموظفين المتأثرين على العثور على أدوار جديدة. وقدمت للرئيس التنفيذي والقيادات العليا تحديثات ثابتة وقائمة على الوقائع، بما في ذلك التنبيه البناء إلى المخاطر التي قد تطال المعنويات، مع إظهار انضباط صارم في التنفيذ. وبهذا، حافظت على الثقة من الجانبين: ثقة فريقها بأنها تدافع عنهم، وثقة القيادة بأنها قادرة على إنجاز المهام الموكلة إليها.

ولتعزيز هذه الثقة، استخدم آلية واضحة للتواصل:

  • حدد ما هو غير قابل للتغيير، وما يقع ضمن نطاق تأثير الفرق.
  • حافظ على اتساق النبرة والتوقيت والرسائل عبر مختلف المستويات التنظيمية.
  • تواصل بانفتاح: شارك ما تعرفه، واعترف بما لا تعرفه، واحرص على الإنصاف في كل قرار.
  • راجع أسلوبك في التواصل: هل تحافظ على الشفافية والاتساق مع الفئات جميعها، أم تحابي فئة على حساب أخرى؟

وفي المحصلة، لا يتمحور الحفاظ على الثقة حول تحقيق انسجام كامل، بل حول سلوك موثوق يمكن الاعتماد عليه. وقد تأملت إميلي كيف تطورت عبر هذه التجربة، لا بتغيير القرار، بل بتغيير أسلوب قيادتها خلال تنفيذه. وقالت: "يمكنك أن تختلف، لكن عليك أن تحرص على القيادة برقي".

نادراً ما تتعلق القيادة بامتلاك السيطرة الكاملة، بقدر ما تتعلق بكيفية حضورك عندما لا تملكها. فعندما يضعك قرار الإدارة التنفيذية أمام اختبار لقناعاتك، لا يتحدد نفوذك بمدى اتفاقك مع القرار، بل بقدرتك على تنفيذه بوعي وتعاطف ودقة. والطريقة التي تتعامل بها مع تنفيذ قرار لم تكن طرفاً في اتخاذه هي ما يميز نمط قيادتك على حقيقته.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2025.

المحتوى محمي