يمثل الاحتفاء بالنجاح تحدياً صامتاً يواجهه العديد من كبار المسؤولين التنفيذيين، فالتقدم الحقيقي والقدرة على التحمل على المدى الطويل يتطلبان الاعتراف بالنجاحات التي تحققت بالفعل. لطالما ركزت أدبيات الأعمال التجارية والقيادة على التعلم من الفشل وكيفية التعافي والتكيف والنمو بعد الإخفاقات، في حين لا تحظى مسألة الاعتراف بالنجاح واستثماره بالاهتمام الكافي في أدبيات القيادة، لا سيما بين كبار المسؤولين التنفيذيين الذين يعملون ضمن بيئة الأعمال الحالية التي تتسم بالضغوط الشديدة والمتطلبات المستمرة.
من خلال محادثاتي مع القادة في القطاعات المختلفة، ومن خلال عملي في مجال التدريب لاحظت أن الاحتفاء بالإنجازات الشخصية نادر ويثير شعوراً بعدم الارتياح بين القادة؛ إذ يعترف العديد منهم بأن أخذ وقفة للاعتراف بإنجازاتهم يبدو أمراً غير مألوف ومحرجاً في بعض الأحيان.
تترتب على هذا الشعور بعدم الراحة آثار سلبية؛ فعندما يواصل القادة التقدم دون التوقف للاحتفاء بإنجازاتهم، يعرضون أنفسهم لخطر الإصابة بالاحتراق الوظيفي، ويحرمون أنفسهم أيضاً من عناصر أساسية لدعم أدائهم مثل الشعور بتأكيد الذات الذي يخفف التوتر، والمكافآت الذاتية التي تمثل مصدراً للتحفيز المستمر، بالإضافة إلى مبدأ التقدم الذي يؤدي دوراً مهماً في تعزيز التفكير الإبداعي والقدرة على اتخاذ قرارات صائبة. وبمرور الوقت، يمكن أن تنخفض القدرة على التحمل ويتراجع الحافز وتتدهور جودة القرارات، ما يضعف الفعالية التي يطمحون إلى تحقيقها.
لماذا يحدث ذلك؟ من الوهلة الأولى، تبدو الأسباب واضحة وبسيطة، عندما تتولى منصباً قيادياً رفيعاً، قد تشعر بأن الإشارة إلى إنجازاتك تبدو محرجة أو محفوفة بالمخاطر أو ربما تعتبر غروراً وتفاخراً، لكن سبب تردد القادة في الاحتفاء بإنجازاتهم يكون غالباً أعمق من مجرد الحرص على صورتهم في أعين الآخرين أو خوفهم من الانطباع الذي يتركونه لديهم. لفهم الأسباب الجذرية وكيفية التعامل معها، أجريت مقابلات مع 10 مسؤولين تنفيذيين في قطاعات مختلفة تشمل التعليم والتواصل والاستشارات والعلاقات العامة وإدارة المواهب. وحرصت على اختيار أشخاص من خارج مجال عملي الأكاديمي، مثل الرئيس التنفيذي السابق للتسويق في شركة ديلويت وأحد رواد الأعمال في مجال البناء ومسؤول تنفيذي مخضرم أصبح مستشاراً، لاستخلاص تجارب متنوعة تمس شريحة واسعة من القادة في قطاعات مختلفة.
استناداً إلى تلك النقاشات، ومن خلال الأبحاث المتوفرة وخبرتي الشخصية المباشرة، حددت 3 عوائق أساسية تمنع القادة من الاحتفاء بإنجازاتهم، بالإضافة إلى الإجراءات العملية التي يمكن استخدامها للتغلب عليها.
العائق الأول: فجوة الجدارة
كشف العديد من المسؤولين التنفيذيين عن فقدانهم الشعور بأنهم يستحقون الاحتفاء بنجاحهم، حتى عندما تكون إنجازاتهم واضحة. عندما ينتاب القادة شك بأنفسهم ويعانون الضغوط المستمرة ووتيرة العمل السريعة في ظروف أشبه بالعمل في ظل الأزمات، كما هي حال كثير من القادة اليوم، يصعب عليهم أخذ وقفة للاعتراف بإنجازاتهم ونجاحاتهم الفعلية. يقول الرئيس التنفيذي السابق للعديد من شركات الخدمات المتوسطة الحجم والرئيس التنفيذي الحالي لشركة تشيزوم كونسلتنغ غروب، مايك تشيزوم: "خلال الأوقات العصيبة، من الطبيعي أن يتحول التركيز إلى حل المشاكل الفورية، مثل حماية الشركة وتوفير الدعم للموظفين والحفاظ على سير العمليات، ولا تترك هذه الضغوط والأزمات المستمرة مجالاً كبيراً للاحتفاء بالتقدم لأنك تركز جهودك كلها على حل المشكلات فقط، فلا تشعر بأن ثمة مجالاً للتوقف قليلاً والاعتراف بالإنجازات التي حققتها".
تصف الرئيسة التنفيذية لمنصة استراتيجي تريننغ دوت كوم، كريس سافاروفا، معاناة مشابهة ولكن من منظور آخر، إذ تقول: "هاجرت 3 مرات في حياتي، ومن الصعب بالنسبة لي أن أدرك حجم الإنجاز والتقدم الذي حققته، لأنني اعتدت العمل بجهد أكبر مما يجب دون أخذ وقت للراحة. لذلك، يبدو الاحتفاء بالنجاحات أمراً غير مألوف بالنسبة لي ولا يمكنني حتى تخصيص وقت له".
الإجراء اللازم: اجعل تقدمك مرئياً وواضحاً أمامك
عندما تزداد التحديات وتكون المخاطر كبيرة ويبدأ القائد يشك بنفسه، فقد يشعر بأن تسليط الضوء على إنجازاته غير مبرر أو غير مناسب في الظروف الحالية. لكن الاحتفاء لا يعني تزييف الواقع أو التظاهر بحل المشكلات جميعها، بل التركيز على النجاحات وتأكيد الأثر الحقيقي الذي حققته، ما يسهم في تعزيز ثقتك بنفسك وقدرتك على التحمل كي تتمكن من مواجهة التحديات المستقبلية.
يشير المسؤول التنفيذي السابق في شركة لينكد إن والمؤسس والرئيس التنفيذي الحالي لشركة نيكست بلاي، فرانك كو، إلى أنه يتغلب على مشاعر عدم الكفاءة من خلال تتبع إنجازاته في سجل شخصي، ووضع علامة على المهام التي أنجزها للاعتراف بالتقدم الذي أحرزه. يمكن لرؤية سجل واضح للإنجازات التي حققها مع فريقه أن تساعده في التغلب على شعوره الداخلي بأنه لم يحقق ما يكفي من الإنجازات، وتمنحه إحساساً بالزخم والاستمرارية خلال الفترات الصعبة. كما أن مثل هذا السجل يعزز ثقافة التأمل الذاتي والنمو للجميع.
يمكنك أن تفعل مثله؛ ابدأ بكتابة بعض التوقعات أو التحديات التي تواجهها، سواء كانت تتعلق بأولويات مجلس الإدارة أم أهداف النمو أم احتياجات الفريق، ثم سجل بجانب كل واحدة منها الخطوات الفعلية التي اتخذتها هذا الأسبوع للتقدم فيها، مثل إتمام مكالمة صعبة مع أحد المستثمرين أو تعيين قائد مهم أو مساعدة فريقك على التكيف في ظل الضغوط. ضع القائمة في مكان واضح مثل تطبيق الملاحظات، أو على ورقة لاصقة، أو في مفكرتك.
خصص 5 دقائق كل أسبوع لمراجعة قائمتك وتحديثها، إنها طريقة بسيطة لكنها فعالة لتدريب نفسك على التعامل مع التقدم بوصفه إنجازاً يستحق الاعتراف به وتقديره.
العائق الثاني: الضغوط الخارجية
يتعامل عدد كبير من المسؤولين التنفيذيين مع الإنجازات بعقلية التقدم المستمر، إذ يرون أن كل إنجاز هو مجرد خطوة عابرة على طريق طويل، وليس نجاحاً بحد ذاته يستحق التقدير. ويتفاقم هذا الشعور بسبب المطالب المستمرة من أصحاب المصلحة والعملاء ومجالس الإدارة، ما يقيد أوقاتهم ويمنعهم من ممارسة التأمل الذاتي. نتيجة لذلك، يتجاهل القادة الذين تحدثت إليهم إنجازاتهم أو يقللون أهميتها في كثير من الأحيان.
تشير الرئيسة التنفيذية لشركة إس آي كونتينر بيلدز، روري روبن، إلى أنها اعتادت أن تسأل نفسها باستمرار عن المهمة التالية التي يجب عليها تنفيذها وعن كيفية الاستمرار في تحسين الأداء والنمو لتلبية توقعات الآخرين، وبسبب تركيزها المستمر على المستقبل، لا تجد في كثير من الأحيان الفرصة لمراجعة تقدمها والاحتفاء بما أنجزته.
الإجراء اللازم: التمييز بين الضغط الحقيقي والضغط الذي تفرضه على نفسك
في كثير من الأحيان، لا يكون الإلحاح الذي نشعر به نتيجة الضغوط الخارجية ومطالب الآخرين. إذا كنت تتولى منصباً قيادياً رفيعاً، فمن المرجح أنك كنت تمتلك حافزاً قوياً وبذلت جهوداً كبيرة للوصول إلى ما أنت عليه، لكن هذا الحافز نفسه يمكن أن يتحول إلى مصدر ضغط ويؤدي إلى نتائج عكسية. فالعديد من أصحاب الأداء العالي يقيدون أنفسهم بمواعيد نهائية غير ضرورية ويشعرون بالذنب عند أخذ استراحة أو يفترضون أنهم يجب أن يكونوا متاحين ومستعدين للعمل طوال الوقت. عندما تحدد المهام الفعلية المطلوبة منك وتتخلى عن الضغوط والالتزامات الوهمية، ستتمكن من تخصيص وقت للتفكير في إنجازاتك والاعتراف بها ووضع حدود تدعم الحفاظ على وقتك وطاقتك وتوقعاتك.
ابدأ بمراجعة التزاماتك من خلال النظر إلى التوقعات الخارجية والمعايير التي تفرضها على نفسك. يشير تشيزوم إلى أنه يتعامل مع كل طلب، سواء كان حقيقياً أم وهمياً، بوصفه جزءاً من مشروع أكبر. تساعده هذه الطريقة على رؤية الصورة الشاملة وتقييم الأولويات وتجنب التعامل مع كل طلب بالقدر نفسه من الإلحاح والأهمية. وقبل أن يلتزم ويخصص وقته وجهده للعمل، يحرص على فهم التوقعات من مجالس الإدارة أو العملاء أو فرق العمل. تكشف هذه الخطوة عن حقيقة مدهشة، وهي أن العديد من المواعيد النهائية لتسليم المهام التي يعتقد أنها ملحة فرضها هو على نفسه. ومن خلال تحديد مصدر الضغط الذي يشعر به، يتمكن من تخفيف التوتر غير الضروري ويسمح لنفسه بالتفكير وملاحظة الإنجازات والنجاحات التي يحققها فريقه. ويمكنه بعد ذلك استخدام هذه الرؤى لقيادة فريقه بطريقة واعية عند ظهور تحديات جديدة.
خاضت روبن أيضاً تجربة مشابهة، فقد كانت تعمل في بيئة تتسم بالمطالب المستمرة والضغوط الشديدة، واعتقدت أن أصحاب المصلحة يتوقعون منها أن تكون متاحة دائماً وقادرة على التصرف والاستجابة الفورية. لكنها أدركت أن العمل بهذا الإيقاع المرهق استنزف طاقتها وحرمها من لحظات مهمة في حياتها الشخصية. وبمجرد أن أدركت مقدار الضغط الذي كانت تفرضه على نفسها، بدأت بوضع حدود صارمة للاستفادة من عطلات نهاية الأسبوع واحترام إجازات أعضاء فريقها وتقليل التركيز على المهام غير الضرورية. وقررت عدم التعامل مع أي مهمة على أنها ملحة وضرورية إلا إذا كان ذلك معلناً بوضوح.
باختصار، ليس من الضروري أن يتغير حجم العمل المطلوب منك، لكن ما يجب أن يتغير هو طريقة تفكيرك. يجب أن يكون التأمل ومراجعة إنجازاتك جزءاً من العمل نفسه، وليس مجرد ممارسة بعد الانتهاء من المهام.
العائق الثالث: الخوف من انتهاك القواعد والمعايير الثقافية
ذكر بعض القادة الذين تحدثت إليهم أن احتفاء كبار المسؤولين بإنجازاتهم علناً في مكان العمل يبدو غير لائق ثقافياً أو تفاخراً مبالغاً فيه، أو قد يسبب مشكلات أو نزاعات داخل المؤسسة. قد يشعر القادة الذين يسعون لتجسيد التواضع وتسليط الضوء على فرقهم بأن إبراز إنجازاتهم الشخصية يبدو تهميشاً للآخرين بدلاً من دعمهم.
الإجراء اللازم: إعادة صياغة مفهوم الاحتفاء بالإنجازات
ليس من الضروري أن يكون الاحتفاء بالإنجازات علنياً؛ إذ يمكن أن تكون الاحتفالات الشخصية البسيطة كافية وفعالة، مثل كتابة اليوميات، أو التأمل في الملاحظات والتقييمات الإيجابية، أو مشاركة تجربتك مع مرشدك أو مع شخص مقرب منك. تقول قائدة بارزة في قطاع التعليم، ديبورا رودر جون: "عندما تحقق نجاحاً كبيراً، تبدأ بالتنافس مع نفسك لا مع الآخرين. لذلك تشعر بأن إنجازاتك شخصية ويجب أن تحتفي بها مع نفسك بهدوء".
وقد تعلمت الرئيسة التنفيذية لشركة تريبل أيه ميديا المتخصصة في العلاقات العامة والتواصل التنفيذي، جينيفر مالوني أداب، هذا الأمر من خلال تجربتها الشخصية؛ إذ تقول: "تأخذ الاحتفالات غالباً شكل الإعلانات الرسمية والحملات الدعائية، وهي فعالة لتحقيق الانتشار وتحسين الصورة العامة، أما بالنسبة للنمو الشخصي، فقد أدركت أن أفضل طريقة للاحتفاء بالإنجازات المهمة هي أن نفعل ذلك بهدوء". بعد بيع أول شركة لها، اختارت عدم إصدار بيان صحفي على الفور، وفضلت الذهاب في نزهة بمفردها للتأمل في هذا الإنجاز وما يمثله بالنسبة لها.
أما الرئيس التنفيذي السابق للتسويق في شركة ديلويت، الذي يعمل الآن أستاذاً في جامعة نورث وسترن، جوناثان كوبولسكي، فيتبع نهجاً قائماً على التأمل والمراجعة الذاتية العميقة. ففي كل عام، يكتب رسالة قصيرة إلى أصدقائه المقربين وعائلته يلخص فيها إنجازاته وما تعلمه. تساعده هذه الممارسة على الابتعاد عن تقلبات النجاح والإخفاق اليومية ورؤية الصورة الشاملة لمساره المهني. عندما كان مسؤولاً تنفيذياً في شركة ديلويت، كان يحرص أيضاً على الاحتفاء بزملائه من خلال استضافتهم على العشاء أو تنظيم أنشطة ورحلات مشتركة. فقد كان يرى أن الاحتفاء بأعضاء فريقه هو وسيلة لتكريمه هو شخصياً على تطوره ونجاحه في قيادتهم؛ إذ كان تقدمهم يعكس الثقافة والنهج اللذين أسهم هو في تشكيلهما.
الاحتفاء بإنجازاتك الشخصية ليس نوعاً من الأنانية أو المبالغة في تقدير الذات، بل هو عامل مهم للاستقرار في بيئة عمل تتسم بالغموض والرقابة الصارمة والضغوط والمطالب المستمرة. في ظل التوقعات المتزايدة من القادة لتحقيق مزيد من الإنجازات بسرعة أكبر وبأقل قدر من الأخطاء، يمكن للاحتفاء حتى بأبسط الإنجازات أن يساعد في الحفاظ على الثبات والنشاط وصفاء الذهن استعداداً لما هو قادم. لا تفوت هذه اللحظات، لأن الاحتفاء بها سيعزز ثقتك بنفسك لمواصلة التقدم بثبات.