كيف تكتشف الإنهاك الذي يعانيه فريقك قبل فوات الأوان؟

7 دقيقة
الإنهاك
هيل ستريت استوديوز/غيتي إميدجيز

في عالم اعتدنا فيه المتطلبات المتواصلة وتداخل الحدود بين العمل والحياة، لم يعد الإنهاك حالة عرضية تظهر بين حين وآخر، بل غدا سمة مميزة لواقع العمل الحديث. ومن السهل أن تتجاهله حين تعتبره مجرد توتر يعانيه موظف يتعرض لضغوط كبيرة، أو أن تخلط بينه وبين الاحتراق الوظيفي. لكنه…

نظرياً، بدا كل شيء في المشروع على ما يرام؛ إذ كان الفريق يلتزم بالمواعيد النهائية، وكان العمل يسير وفق الخطة المرسومة، وكانت الاجتماعات تدار بكفاءة. لكن في واقع الأمر، قالت لنا هذه المديرة العالية الأداء: "كنت متماسكة ظاهرياً، لكنني كنت أتعذب من الداخل؛ لم أستطع النوم، ولم أستطع التركيز، وحتى المهام الصغيرة كانت تبدو مستحيلة. كنت منهكة تماماً".

للوهلة الأولى، يسهل أن ننظر إلى هذه الحالة على أنها مجرد توتر يعانيه موظف يتعرض لضغوط كبيرة، أو أن نخلط بينها وبين الاحتراق الوظيفي. لكنها ليست هذا ولا ذاك. فالضغط قد يكون محفزاً؛ إذ يزيد التركيز ويعزز الطاقة إذا بقي ضمن حدود يمكن السيطرة عليها. أما الاحتراق الوظيفي فينتج عن ضغط مزمن لا يحظى بالإدارة الفعالة، ويتطور تدريجياً مع مرور الوقت.

فالإنهاك يمثل نقطة تحول مرهقة، وغالباً غير مرئية، تبدأ فيها الضغوط التي تواجهها بتجاوز قدرتك المتصورة على التعامل معها. وفي حالة الإنهاك، قد تبدو حتى المهام البسيطة التي كانت فيما مضى قابلة للإدارة مستحيلة فجأة. وقد يتصاعد هذا الإنهاك على نحو مفاجئ وبصورة غير متوقعة. وهذه التقلبات هي ما يجعله شديد الخطورة؛ فعندما نتجاهله، يتحول إلى مدخل للإصابة بالإعياء ثم الاحتراق الوظيفي في المستقبل. وهو أكثر شيوعاً بكثير مما يظن معظم القادة.

أجرينا بحثاً شمل 94 مهنياً عاملاً لفهم تجربة الإنهاك في بيئة العمل. ومن خلال أوصاف سردية مقرونة ببيانات استقصائية، رصدنا وصفهم لهذه الحالة وأسبابها والأثر الذي تتركه في أفكارهم ومشاعرهم وعلاقاتهم ونتائج عملهم. ووجدنا أن نحو 9 من كل 10 مشاركين قالوا إنهم شعروا بالإنهاك خلال الشهر الماضي، ووصفوا هذا الشعور بأنه نقطة تحول تميزت بفقدان مفاجئ للسيطرة وتراجع في الثقة والقدرة على إنجاز مهام العمل التي كانت في السابق قابلة للإدارة.

وغالباً ما يحرص أكثر موظفيك كفاءة على إخفاء إنهاكهم أكثر من غيرهم؛ إذ يوارونه خلف هدوء ظاهر أو انسحاب صامت. وبحلول الوقت الذي يظهر فيه الإنهاك للعيان، حين يتراجع الأداء أو تتضرر العلاقات أو يستقيل أحدهم فجأة أو يتعرض للاحتراق الوظيفي، يكون الوقت قد فات في كثير من الأحيان. وإذا تركنا الإنهاك دون معالجة، فإنه يقوض الإنتاجية والثقة والرفاهة بصورة منهجية. وأصبح التعرف إلى نقطة فقدان التوازن، أي اللحظة التي يفقد فيها أشخاص أكفاء توازنهم بهدوء، مهارة قيادية بالغة الأهمية اليوم.

التعرف إلى الإنهاك داخل فريقك

كيف يمكنك أن تتعرف إلى الإنهاك عندما يتوارى خلف التماسك الظاهري؟ غالباً ما تكون الدلائل خفية ومتناقضة. وقد وصف المهنيون الموظفون الذين شاركوا في دراستنا تجارب متناقضة تجعل الإنهاك صعب الملاحظة، لا سيما لدى الموظفين المجتهدين الذين يحافظون على ثباتهم الظاهري كي يلبوا التوقعات.

وعبر عينتنا، أفاد أكثر من نصف المشاركين بتراجع حاد في قدرتهم على التركيز، حتى إن استراتيجياتهم المعتادة في حل المشكلات لم تعد تجدي نفعاً. ورأى ما يقرب من ثلث المشاركين أن أداءهم تراجع بصورة واضحة، بينما قال ثلث آخر إنهم لم يحافظوا على إنتاجيتهم إلا عبر تأجيل التعافي؛ بتقليص وقت النوم أو تفويت الوجبات أو الانسحاب اجتماعياً. وأشار نحو نصف المشاركين إلى تراجع الحافز والثقة بالنفس لديهم خلال فترة الإنهاك. وتشير هذه الأنماط إلى أن الإنهاك لا يظهر دائماً في صورة فوضى أو ضيق واضح؛ فقد يبدو على هيئة انفصال وجداني هادئ أو تماسك مصطنع، أو عبر المضي في العمل بطاقة شبه مستنزفة.

ووجدنا أن التجارب التي عاشها هؤلاء المهنيون من خلال ما تعكسه هذه الأرقام جاءت متسقة على نحو لافت. وقد برزت 3 أعراض شائعة للإنهاك، لكنها تنطوي على قدر واضح من التناقض:

  1. متأهب لكن مستنزف: يشعر الموظف بأن هرمونات التوتر تبقيه في حالة استنفار، بينما يستنزفه الإنهاك جسدياً. بعبارة أخرى، يكون في أمس الحاجة إلى الراحة لكنه يعجز عن إيقاف نفسه. وقد عبر أحد المشاركين عن ذلك بقوله: "كانت لدي طاقة مكبوتة تتمثل في الرغبة الدائمة بالعمل، بينما كان عقلي منهكاً لدرجة أنه لم يعد قادراً على التفكير بوضوح".
  2. مشلول ذهنياً لكنه يريد الهرب: تنشأ رغبة قوية، وقد تكون بالغة الأثر أحياناً، في الفرار من الموقف المنهك، وفي الوقت نفسه تتعطل المعالجة العقلانية للأفكار، فيشعر الموظف بأنه غير قادر على التقدم أو الإنجاز، ويغدو الهروب فكرة مثالية، ويصبح التفكير المنظم مستحيلاً. على سبيل المثال، قال لنا أحد المشاركين: "أتذكر أنني فكرت بجدية في أن أسبب لنفسي إصابة بسيطة حتى أتمكن من تأجيل العرض التقديمي". ووصفت مشاركة أخرى تجربتها مع "الشلل الذهني تحت الضغط" وهي تقف عند مكتب الاستقبال قبل مقابلة عمل مهمة: "أصبح ذهني فارغاً. يصبح ذهني فارغاً دائماً عندما أكون تحت الضغط".
  3. انهيار داخلي خلف مظهر هادئ: يحرص الكثيرون على إخفاء ضيقهم كي يظهروا تماسكهم. ومثلما قالت إحدى المشاركات: "كنت متماسكة ظاهرياً، لكنني كنت أتعذب من الداخل".

الظروف التي تسبب الإنهاك

كانت بيئة العمل سبباً مباشراً في 60% من حالات الإنهاك التي رصدناها في بحثنا، وغالباً ما ارتبطت بأعباء العمل الثقيلة أو تضارب الأدوار أو محدودية الاستقلالية أو الضغط المباشر من المدراء. ويمثل القادة أنفسهم أبرز العوامل المؤثرة في الإنهاك. ففي الواقع، أشار 56% من المشاركين إلى أن مديرهم هو مصدر رئيسي للإنهاك، أما بقية المشاركين فأشاروا إلى أن نقاط فقدان التوازن لديهم تأتي من خارج العمل، مثل اقتراب فعاليات كبيرة أو تعارض مسؤوليات العمل مع مسؤوليات الأسرة.

وعبر هذه السياقات المختلفة، وجدنا أن الإنهاك يظهر عندما تتصدع 3 ركائز أساسية تقوم عليها الإنتاجية:

  1. التحكم (القدرة على التنبؤ): يتصاعد الإنهاك عندما يشعر الموظف بالعجز عن التأثير في وضعه، أو عندما لا يرى المشكلات قبل وقوعها. وصف أحد المشاركين ذلك بأنه "لعبة سريعة الإيقاع للتكيف مدة غير معروفة، فأنت لا تعرف إلى متى سيستمر ذلك، ولا تعرف ما الذي ينتظرك بعده". ويؤدي غياب القدرة على التنبؤ إلى تضخيم مشاعر الإنهاك بسبب تراجع الإحساس بالقدرة على التحكم في الأمور.
  2. معايير العمل وتوقعاته (الأعراف والإنصاف): شعر كثير من المشاركين بأن التوقعات غير الواقعية أو غير العادلة تسحقهم، سواء فرضها الموظف على نفسه أم فرضها عليه الآخرون. وقد تحدثوا عن حوار داخلي قاس مفاده: "من المفترض أن أستطيع فعل ذلك، أتقاضى أجراً مقابل ذلك، يتوقع الآخرون مني ذلك؛ ربما لا أكون بالكفاءة المطلوبة". وزادت توقعات الهوية من حدة الضغط لدى بعضهم، مثل أحد المشاركين الذي قال إنه ينبغي أن يكون قادراً على التحمل على أساس "أنه رجل وعليه أن يعيل أسرته".
  3. الموارد (التعافي): كثيراً ما يداهم الإنهاك الموظف عندما يكون مستنزفاً أصلاً بسبب عدم كفاية الوقت أو الكوادر أو الدعم أو الطاقة. وقد أشار ثلث المشاركين إلى أن ضغط الوقت هو المحفز الأساسي. ومثلما قال أحدهم: "تشعر كأن مواردك كلها قد نضبت، وأنك بصراحة لا تعرف كيف تتصرف أو كيف تستجيب أو ماذا تفعل بعد ذلك".

وعندما تتصدع هذه الأسس الثلاثة، التحكم والمعايير العادلة والموارد الكافية، قد يبلغ حتى أكثر الموظفين كفاءة الحد الأقصى لتحملهم. ويعد التعرف إلى هذه الظروف ومعالجتها مبكراً من أقوى السبل التي تتيح للقادة الوقاية من الإنهاك قبل أن يتفاقم ويتحول إلى احتراق وظيفي.

إدارة الإنهاك: الممارسات المجدية وغير المجدية

لسنا مضطرين إلى التحامل على أنفسنا لتجاوز حالة الإنهاك أو تجاهلها؛ بل ينبغي أن نفهمها ونديرها ونعمل على الوقاية منها. غير أن كثيرين يفعلون العكس تماماً. فقد لاحظنا أن المشاركين، عندما يمرون بحالة إنهاك، يلجؤون إلى مضاعفة الجهد عبر العمل ساعات أطول وتجاوز فترات الاستراحة ومحاولة الصمود مهما كلف الأمر. وقد تنجح هذه التصرفات فترة قصيرة، لكنها غالباً ما ترتد بنتائج عكسية. فعندما تضع أنت أو مديرك معايير أداء غير واقعية وتتراكم المتطلبات باستمرار، تبدأ مواردك بالتآكل وتزداد عزلتك عن زملائك الداعمين أو أصدقائك أو أفراد أسرتك. قال لنا أحد المشاركين: "نجحت في تنظيم الفعالية تماماً كما أرادوها، في الموعد المحدد وفي حدود الميزانية المقررة. كان مديري سعيداً للغاية. لكنني انهرت بعد ذلك، واحتجت إلى أكثر من شهر حتى أستعيد توازني".

وهنا تبرز "مفارقة الإنتاجية"، أي مواصلة الأداء في ظل الإنهاك ثم الانهيار بعد ذلك، وهو ما يسلط الضوء على الحاجة إلى استجابات أكثر استدامة تستند إلى العلم.

ويضطلع القادة بكلا الدورين في قصة الإنهاك؛ فقد يكونون سبباً في نشوئه، وقد يكونون جزءاً من الحل. وتبدأ الوقاية من الإنهاك بالطريقة التي يصوغ بها القادة ظروف العمل. وكي يتجنب القادة الإسهام في المشكلة، ثمة 5 إجراءات يمكنهم اتخاذها للحد من الإنهاك وبناء بيئات عمل أكثر صحة واستدامة:

رصد الصمت والإجهاد معاً:

غالباً لا يعبر الإنهاك عن نفسه بصورة ظاهرة، لأن الموظفين يكبتونه حفاظاً على تماسكهم، أو لأنهم يتجمدون في مواجهة متطلبات تفوق طاقتهم. ويمكن للقائد ملاحظة المؤشرات المبكرة من خلال ملاحظة التحولات في السلوك أو مستوى الطاقة؛ مثل الانسحاب أو الشلل في اتخاذ القرار خلال الاجتماعات، وهي علامات قد تفسر خطأ على أنها فقدان للحافز، أو مثل التململ والعمل المحموم دون استراحات، وهو ما قد يفسره البعض على أنه حماس. وعندما يساعد القائد الآخرين على التعرف إلى هذه التغيرات وملاحظتها في أنفسهم، ويطرح أسئلة مفتوحة؛ فإنه يشجع الموظفين على مشاركة ما قد يسهم في الإنهاك، أو يقوض قدرتهم على التعامل مع المتطلبات.

إرساء قدر من السيطرة الجزئية داخل عالم يسوده عدم اليقين:

يمثل انعدام القدرة على التنبؤ أحد المحفزات الأساسية للإنهاك؛ فعندما يمر الموظف بحالة إنهاك، يبدأ غالباً بمعاناة صعوبة ترتيب الأولويات. وقد رأينا أن دعم الموظفين بجرعات صغيرة من القدرة على التنبؤ، كأن يعرفوا الخطوة التالية وما يحظى بالأولوية وما يمكن تأجيله، يقلل بدرجة كبيرة إحساسهم بأن المتطلبات تفوق طاقتهم. ولا يستطيع القائد إزالة التقلبات، لكنه يستطيع استعادة الإحساس بالقدرة على التحكم عبر مساعدة الموظفين على تقسيم ما يبدو أكثر مما يمكن احتماله إلى أولويات صغيرة وواضحة للأسبوع التالي، وتقسيم الأهداف الكبيرة إلى خطوات ملموسة، والاتفاق معهم على جداول زمنية معقولة.

إعادة ضبط المعايير، بدءاً من معاييرك الشخصية:

يزدهر الإنهاك في الثقافات التي تكرس المثالية وتستند إلى توقعات غير مرئية، لذلك ينبغي أن يكون القائد قدوة في توضيح معنى "الحد المقبول من الجودة"، واستخدام معايير صريحة ومشتركة بدلاً من المعايير الضمنية للأداء. وعند مناقشة المشروعات والأهداف، فإن طرح أسئلة مثل: "كيف يبدو إنجاز 80% من العمل؟" أو "أين يمكننا أن نتخلى عن بعض التفاصيل؟" يمثل وسيلة بسيطة لإعادة صياغة التوقعات، ما يقلل الضغط الجماعي دون خفض مستوى الطموح.

ترسيخ مساحة نفسية تتيح للموظف أن يقول: "بلغت طاقتي حدها":

لا تعتمد الوقاية الأكثر فاعلية من الإنهاك على حلول فردية، بل على ثقافة جماعية داعمة. اجعل البيئة النفسية آمنة بحيث يستطيع الأفراد وضع حدود دون وصمة أو خوف من العواقب. على سبيل المثال، بدلاً من طرح سؤال: "هل يمكنك تولي هذا الأمر؟" اسأل: "ما الذي تحتاج إليه حتى يصبح هذا قابلاً للتنفيذ؟". وأظهر التقدير لمن يعبرون عن حدود طاقتهم أو يصرحون بما يواجهونه. ومع مرور الوقت، يعيد ذلك تشكيل الثقافة المؤسسية، فتنتقل من ثقافة التحمل الصامت إلى ثقافة الأداء المستدام.

تصميم العمل على أساس التعافي، لا على أساس التحمل والاستمرار:

ينشأ الإنهاك عندما تتآكل الموارد تحت وطأة متطلبات مستمرة لا تهدأ. لذلك على القائد أن يجعل فترات الاستراحة القصيرة المنتظمة والانفصال الذهني المؤقت وممارسة التمارين ونيل قسط وافر من النوم ممارسات طبيعية ومشروعة لتعزيز الأداء، لا علامات على التراخي. شجع إيقاعاً صحياً للعمل، أي التناوب بين بذل الجهد واستعادة الطاقة، بدلاً من حالة الاستنفار المستمرة.

يمكن لهذه التحولات الخمسة معاً أن تعيد تشكيل كيفية استجابة القادة والمؤسسات للموجة المتصاعدة من الإنهاك، بحيث تنتقل الفرق من إدارة الأزمات إلى الوقاية وبناء المرونة.

في عالم اعتدنا فيه المتطلبات المتواصلة وتداخل الحدود بين العمل والحياة، لم يعد الإنهاك حالة عرضية تظهر بين حين وآخر، بل غدا سمة مميزة لواقع العمل الحديث. وأثبتت أبحاثنا أن الإنهاك لا يمثل مجرد ضغط مرتفع، بل نقطة تحول عاطفية مميزة ذات عواقب خطيرة على الأداء والحافز والرفاهة. كما يمكن الوقاية منه؛ فمن خلال التعرف إلى مؤشرات الإنهاك مبكراً، وإعادة تشكيل طريقة تنظيم العمل، وترسيخ ثقافات تثمن التعافي والأمان النفسي، يستطيع القادة بناء بيئات عمل أكثر صحة تحقق أداء مستداماً.

 

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2025.

المحتوى محمي