تعمل الشركات الرقمية العملاقة اليوم على تغيير تعريف المحفظة الاستثمارية المتنوعة. فمع التقسيم الذي تشهده الشركات الصناعية العملاقة مثل جنرال إلكتريك وهانيويل -التي كانت في يوم من الأيام نماذج للمحافظ الاستثمارية المتنوعة- يجب أن تفكر في أسلوب عمل شركات مثل أمازون وآبل وألفابت في العديد من القطاعات غير ذات الصلة، مثل التجارة الإلكترونية والحوسبة السحابية والترفيه والخدمات المالية والمنازل الذكية والخدمات اللوجستية والرعاية الصحية. وفي حين تراجعت أهمية نظريات التنويع التقليدية القائمة على وفورات الحجم والنطاق في العصر الرقمي، يبشر نمو الذكاء الاصطناعي أيضاً بفرص جديدة لخلق القيمة من خلال البيانات والخبرات المشتركة والآثار المترتبة على وجود الشبكات، كما أنه يفرض على قادة الأعمال إعادة تشكيل استراتيجياتهم.
ومن الأمثلة على ذلك شركة إنتركورب بيرو المحدودة، وهي شركة في أميركا اللاتينية قدمنا لها المشورة. فقد كان رئيس مجلس إدارة الشركة، كارلوس رودريغيز باستور، مفتوناً بالإمكانات التحويلية للذكاء الاصطناعي، وقد بنى تكتل شركاته علامات تجارية في مختلف القطاعات مثل الخدمات المالية وتجارة التجزئة والصحة والتعليم. تأسست الشركة في بيرو وكانت تتوسع في أسواق أميركا اللاتينية الأخرى. لكن القادة واجهوا تحدياً مشتركاً بين العديد من الشركات المتعددة الأعمال؛ ففي حين أن هيكلها اللامركزي دعم العمليات المستقلة بفعالية، فإنه حد أيضاً من قدرة الشركة على استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي على نحو منهجي في البيع المتقاطع والبيع التصاعدي وتخصيص العروض لعملائها البالغ عددهم 17 مليوناً.
تقدم قصة مجموعة إنتركورب نموذجاً متطوراً يلهم الآخرين الذين يعيدون النظر في استراتيجياتهم المؤسسية. في محادثات رئيس مجلس الإدارة معنا، سألناه: "ما هو مستقبل إنتركورب في عصر الذكاء الاصطناعي؟" واستخلصنا من هذا السؤال الأساسي ثلاثة محاور لمساعدة الشركة على تطوير خطتها التوجيهية.
يتطلب الانتقال من نموذج التكتلات الصناعية إلى نموذج الشركات القائمة على الذكاء الاصطناعي الإجابة عن الأسئلة الثلاثة بالترتيب الصحيح. تماماً مثل بناء منزل؛ يجب عليك أولاً تأمين الأساس (منطق المحفظة الاستثمارية)، ثم تصميم الهيكل (نموذج التشغيل)، وبعد ذلك تثبيت الأنظمة المتقدمة (الخوارزميات). وبصفتك مخططاً استراتيجياً في الشركة، فإن التحدي الذي يواجهك هو التوصل إلى إجابات مقنعة لهذه الأسئلة الثلاثة:
1. ما هو منطق المحفظة الاستثمارية؟
يفتقر العديد من تكتلات الشركات إلى البنية الملائمة لعصر يهيمن عليه الذكاء الاصطناعي، فهي لا تتمحور حول تنوع الأعمال بل حول إمكانية استفادة الشركات من البيانات والخبرات المشتركة والآثار المترتبة على وجود الشبكات. وضح كيف تتدفق البيانات عبر الشركات للكشف عن الرؤى التي لا يمكن لأي وحدة توليدها بمفردها، وكيف تعزز هذه التدفقات كلاً من التعلم المؤسسي والتميز التنافسي.
طلبنا أولاً من قادة مجموعة إنتركورب تحديد المنطق الذي يربط بين أقسامها في محفظة موحدة، ونصحناهم بألا يركز المنطق على الكفاءة التشغيلية أو الهيمنة على السوق أو إدارة دورات الأعمال فحسب، بل على كيفية إسهام وحداتهم المختلفة في التعلم المشترك وبناء القدرات والاستفادة منها، مدعومة بالبيانات المتعلقة بعملياتها وتفاعلات العملاء.
واجه فريق القيادة سؤالاً أساسياً: لماذا يجب أن تظل مجموعة أعماله المتنوعة تحت مظلة شركة واحدة؟ وبدلاً من أن تقتصر الإجابة على مشاركة الأصول المادية أو الموارد المالية، ساعدناهم في التعرف إلى رؤية أعمق: إمكانية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي والبيانات لتعزيز الشمول المالي والخدمات الموجهة إلى الطبقة المتوسطة من مواطني البيرو. في ورش العمل التي عقدناها مع قادة إنتركورب، استفدنا من الأفكار الواردة في مقالنا المنشور عام 2022 في هارفارد بزنس ريفيو حول قوة البيانات، وطلبنا من المشاركين تصور كيف يمكن لإنتركورب تقديم توصيات مخصصة حقاً من خلال الربط بين كل البيانات المتعلقة بتفاعلات العملاء مع شركاتها كافة.
سرعان ما اتضح أن كل وحدة كانت تعمل وفق رؤية ضيقة ومجزأة تجاه العميل، ومن خلال الربط بين البيانات في جميع شركات الخدمات المالية وتجارة التجزئة والصحة والتعليم، أدركت المجموعة مدى فعالية توقع احتياجات العملاء وتنسيق العروض وتعزيز القيمة لعملائها البالغ عددهم 17 مليوناً.
يتناقض هذا تناقضاً حاداً مع الأسباب التقليدية التي دفعت الشركات إلى تجميع محافظ استثمارية تضم وحدات عمل غير مترابطة على الإطلاق، مثل الأصول المادية المشتركة، أو دورات حياة القطاع المتزامنة، أو القدرة على نقل الموارد المالية عبر الوحدات. كان هذا المنطق مقبولاً في عصر صناعي يرتكز على الأصول الملموسة ودورات الاستثمار التي يمكن التنبؤ بها، لكنه لا يقدم ميزة تذكر في اقتصاد قائم على الذكاء. لا تعمل المصانع أو ميزانيات المشتريات المشتركة على تحسين جودة القرارات، ولا تساعد مواءمة دورة الحياة الشركات على التعلم بسرعة أكبر، ومن السهل تكرار مشاركة الموارد المالية عندما يكون رأس المال وفيراً. ما يخلق ميزة حقيقية يمكن الدفاع عنها اليوم هو القدرة على ربط البيانات عبر الشركات لفهم العملاء، وتوليد توقعات أدق حول احتياجاتهم، والتفاعل معهم على نحو مخصص أكثر؛ وهي عوامل أساسية للقيمة لا يمكن للمحافظ الاستثمارية التقليدية تقديمها.
2. ما هو نموذج التشغيل المؤسسي لدينا؟
في الهياكل التقليدية القائمة على الأقسام الوظيفية المتخصصة أو الهيكلية المصفوفية المصممة للتحكم، تتوفر أشكال أكثر مرونة ومتعددة الوظائف مصممة للسرعة والتعلم. أظهر كيف بنيت أنظمة تتيح التعاون بين الأقران، والتجريب السريع، والنشر السريع للمعرفة. الهدف هو توسيع نطاق قدرات الذكاء الاصطناعي عبر شركات المحفظة الاستثمارية دون خنق طاقة ريادة الأعمال.
طلبنا من قادة إنتركورب تحديد طرق لتعزيز التجريب السريع والتعلم عبر الأقسام من خلال الاستفادة من البيانات والذكاء الاصطناعي. لقد أدركوا أن نموذجهم التشغيلي الجديد يجب أن يحقق التوازن بين استقلالية الأقسام والمعرفة المشتركة وتجنب مخاطر اللامركزية الكاملة التي تعوق مشاركة المعرفة، والنقيض التام المتمثل في المركزية الصارمة التي تخنق الابتكار. وقد أكدنا أهمية إعادة النظر في النماذج الهرمية التي تعود إلى العصر الصناعي والتي تركز على السيطرة بدلاً من التعاون. واسترشاداً بتوجيهاتنا، تبنى الفريق مبدأ أساسياً: البيانات والخوارزميات هي أصول على مستوى الشركة يمكن لوحدات الأعمال جميعها استخدامها ومشاركتها.
غالباً ما تلجأ الشركات إلى وحدة رقمية مركزية توفر البنية التحتية باعتبارها قسم دعم مشتركاً؛ ولكننا شجعنا قادة إنتركورب على تجاوز هذه العقلية وعدم اعتبار الرقمنة مركز خدمة، بل آلية عمل مشتركة تربط البيانات بين الوحدات، ما يتيح التعاون ومشاركة الرؤى عبر التجارب وتنسيق خلق القيمة التي لا يمكن لأي قسم مركزي أن يقدمها بمفرده. على سبيل المثال، شجعنا القادة على التفكير في كيفية تحويل وحدة الخدمات المالية لديهم، إنتربانك، لتصبح مركزاً للتميز في النماذج التحليلية. عندما يطور البنك نماذج جديدة للذكاء الاصطناعي لتقييم مخاطر الائتمان، فينبغي ألا تظل هذه القدرات محصورة؛ بل يمكن تكييف الرؤى الأساسية لتحسين التنبؤ بأداء الطلاب في قسم التعليم في إنتركورب، وتوجيه تحليل سلوك العملاء في عمليات التجزئة. وقد قدم هذا دليلاً ملموساً على كيفية مأسسة التعلم عبر الشركة عملياً.
إن اختيار الاستثمار في نموذج التعاون بين الأقران هذا بدلاً من النموذج المركزي ينبع مباشرة من هدف إنتركورب الشامل لخدمة الطبقة المتوسطة المتنامية عبر نقاط تواصل متعددة. أدركت المجموعة أن بإمكانها تقديم خيارات مخصصة جداً للعملاء على نطاق واسع وبسرعة، وبطرق لم تستطع شركاتها التي تعمل على نحو مستقل تحقيقها ولم تستطع الشركات المنافسة تكرارها. تساعد بيانات الدفع من إنتربانك على تحسين وحدات البيع بالتجزئة، في حين أن الرؤى المتعلقة بسلوك العملاء من البيع بالتجزئة توجه تطوير الخدمات التعليمية. تخلق هذه الروابط حلقة فعالة للتعلم من الملاحظات يصعب تكرارها من خلال معاملات السوق. كما أكدنا أيضاً أنه ينبغي لإنتركورب عدم إنشاء وحدات رقمية منفصلة قد لا تتكامل تماماً مع الوحدات المستقلة داخل الشركة. لذا، فقد عمل القادة على دمج البيانات والتحليلات بسلاسة في النماذج التشغيلية للشركة.
3. ما هي الخوارزميات الفريدة لدينا؟
أخيراً، اشرح كيف تندمج البيانات الحصرية والخبرة التخصصية عبر الخوارزميات لخلق قيمة دائمة. لا يكمن الهدف في التفوق التقني فحسب، بل في التعلم التراكمي؛ الذي يعني الاستفادة من مصادر البيانات الفريدة، وإثراءها من خلال التكامل مع الشركاء، والاستفادة من هذه الرؤى لخلق وفورات من الخبرات التي تنمو مع مرور الوقت.
لقد وجهنا قادة إنتركورب للتركيز على الاستفادة من نماذج البيانات والخوارزميات الخاصة بهم لتأمين ميزة تنافسية عبر محفظتهم. ومن خلال العمل معنا، أدركوا أن الوقت قد حان لتجاوز مهارات العصر الصناعي التقليدية، مثل تكنولوجيا المحركات (شركة هوندا) أو التصغير (شركة سوني) أو رواية القصص (شركة ديزني) أو بناء العلامة التجارية (شركة فيرجن)، لتطوير ميزة خوارزمية مميزة من خلال الاستفادة من بياناتها الحصرية الغنية.
وعلى عكس الشركات التي تتسرع في تبني حلول الذكاء الاصطناعي دون أطر تنظيمية للتنسيق، التزمت شركة إنتركورب بتطوير قدراتها الخوارزمية على نحو تعاوني. وقد شرحنا لهم كيف يمكنهم إنشاء نماذج ذكاء اصطناعي تتعلم من ملايين التفاعلات التي تجريها مع 17 مليون عميل لتسخير الآثار المترتبة على وجود شبكات البيانات. وقد أدركوا أن هذا النهج يمكن أن يساعدهم على بناء قدرات تنبؤية متقدمة، ما يؤدي إلى توصيات إرشادية في قطاعات الخدمات المالية وتجارة التجزئة والتعليم. على سبيل المثال، تمر منصة هيلث بلاتفورم التابعة لشركة إنتركورب في مرحلة نمو سريع، حيث تتخذ قرارات جريئة لا رجعة فيها بشأن أماكن افتتاح مستشفيات جديدة والتخصصات التي ستقدمها. ومن خلال استخدام الخوارزميات لتحليل بيانات واسعة النطاق من الصيدليات ومعاملات بطاقات الائتمان في إنتركورب، يمكن للمنصة تحويل الرؤى إلى قرارات أكثر ذكاء للتوسع.
أهمية التسلسل
تظهر تجربة إنتركورب أنه ليس من الضروري أن يضعف التحول الرقمي روح المبادرة التي تمنح تكتلات الشركات المرونة؛ فمن خلال اتباع تسلسل منضبط، بدءاً من الهدف مروراً بالهيكل وصولاً إلى القدرة التقنية، يمكن للشركات أن تخلق أشكالاً جديدة من المزايا المؤسسية مع الحفاظ على المرونة. يقر كارلوس رودريغيز باستور بأن تحول التكتل من النمط الصناعي إلى النمط القائم على الذكاء يسير خطوة بخطوة: فكل مرحلة ترسي أساساً للمرحلة التي تليها.
ثمة مخاوف من أننا قد نكون في فقاعة ذكاء اصطناعي، مع استثمارات غير مسبوقة في البنية التحتية لهذه التكنولوجيا. لن تسفر هذه الاستثمارات عن عوائد إلا عند دمج قدرات الذكاء الاصطناعي بفعالية في استراتيجيات الشركات وهياكلها. يجب أن تتحول استراتيجية الشركات من المنطق الصناعي القائم على توسيع الحجم والنطاق، كما وصفه ألفريد تشاندلر، إلى منطق ذكاء حديث يركز على توسيع المعرفة والخبرة، وتوضح حالة إنتركورب كيف يمكن للشركة أن تصوغ أساساً للنجاح في عصر الذكاء الاصطناعي.