إذا تصورنا سوق العمل ساحة منافسة، فسنجد أن هناك فريقين رئيسيين يلعبان فيه: فريق الباحثين عن عمل، وفريق أصحاب القرار.
على الجانب الأول، نرى أن 34% من الباحثين عن عمل، بحسب تقرير موقع غلاسدور، لا يتلقون أي رد من الشركات بعد إجراء مقابلات العمل، ما يتركهم في حالة من الانتظار والتوتر.
أما على الجانب الآخر، فنجد الفريق الأقوى: أصحاب القرار ممن يمتلكون سلطة التوظيف. ومع ذلك، فإن 76% من الشركات، وفقاً لتقرير موقع سي.إم.دي للتوظيف (CMD)، تواجه صعوبات كبيرة في العثور على الكفاءات التي تبحث عنها.
وهنا تظهر الفجوة: فريق يبحث عن عمل ولا يجده، وفريق يبحث عن موظفين ولا يعثر عليهم. فكيف يمكن سد هذه الفجوة؟ الإجابة تكمن في تصحيح الأخطاء التي قد تقع فيها دون أن تدرك ذلك.
فما هي الأخطاء التي قد تجعلك غير مناسب للوظائف التي تحلم بها؟ وكيف يمكنك التغلب عليها لتجد وظيفة بسهولة؟ في هذا المقال نكشف لك عن هذه الأخطاء ونقدم لك حلولاً عملية تساعدك على تحقيق هدفك.
1. لا تهتم بجودة السيرة الذاتية وخطاب التعريف
السيرة الذاتية وخطاب التعريف هما العنصران الأساسيان في تكوين الانطباع الأول عنك. تشير الإحصائيات إلى أن 3% فقط من السير الذاتية يُدعى أصحابها لحضور مقابلة العمل، ما يُسلط الضوء على حدّة المنافسة في سوق العمل.
لذا، من الضروري أن تُخصص سيرتك الذاتية بما يتناسب مع كل وظيفة، إذ وجدت مؤسسة جوب فيت (Jobvite) أن 83% من مسؤولي التوظيف يفضلون التواصل مع أصحاب السير الذاتية المكتوبة خصوصاً للوظيفة المتاحة.
تأكد من أن سيرتك الذاتية سهلة القراءة، وأنك تستخدم العناوين والفراغات بشكل مناسب لتقسيم الفقرات، ما يُسهل الوصول إلى المعلومات المهمة، يقول 18% من مسؤولي التوظيف إن التحدي الأكبر الذي يواجههم هو العثور على معلومات الاتصال الخاصة بمقدم طلب التوظيف. وتذكر دائماً أن 63% من مسؤولي التوظيف يُفضلون السير الذاتية التي لا تتجاوز صفحة واحدة، في حين يرفض 68% منهم السير الذاتية غير المنسقة على نحو جيد.
2. لا تهتم بسلامة اللغة
تُعد الكتابة الخالية من الأخطاء اللغوية والنحوية الأساس لتحقيق تواصل مهني ناجح، ولا سيما عند البحث عن وظيفة.
ولنا في الإحصائيات خير شاهد، حيث تُشير أرقام من الكلية الجديدة للعلوم الإنسانية (NCH) إلى أن 59% من مسؤولي التوظيف يعتبرون الأخطاء النحوية أو اللغوية في السيرة الذاتية أكبر خطأ يرتكبه الباحثون عن عمل.
لذا، قبل أن تُرسل أي مستند، توقف لحظة وتأكد من خلوه من أي خطأ. استعن بأدوات التدقيق اللغوي المتوافرة عبر الإنترنت، مثل غرامرلي (Grammarly)، أو اطلب من صديق أو زميل أو مستشار مهني مُراجعة ما كتبت.
3. لا تقنع روبوت التوظيف (ATS)
تعمل أنظمة (ATS) على تحليل السير الذاتية وفقاً لمعايير محددة تشمل الكلمات الرئيسية والخبرة والمهارات، ما يؤدي إلى استبعاد نسبة كبيرة من المتقدمين قبل أن تصل طلباتهم إلى المختصين. لذا، لزيادة فرصك في اجتياز هذه المرحلة، احرص على تضمين الكلمات المفتاحية المستخدمة في وصف الوظيفة دون تغيير صيغتها، واستخدم تنسيقاً بسيطاً يمكن للأنظمة قراءته بسهولة، مثل خط (Arial) أو خط (Times New Roman) مع تجنب الرسوم والجداول المعقدة.
تأكد أيضاً من إرسال سيرتك الذاتية بصيغة مقبولة مثل (Word) أو (TXT) وتجنب حشو الكلمات المفتاحية أو استخدام حيل غير أخلاقية مثل إخفاء النصوص، وحافظ أيضاً على الوضوح في عرض بياناتك وتجنب وضع المعلومات المهمة في الترويسات والتذييلات.
4. تُخفي شغفك
قد تمتلك المؤهلات والخبرات المناسبة، لكن غياب الشغف والحماس يمكن أن يمنعك من التفوق على مرشحين آخرين يمتلكون مؤهلات أقل، لكنهم قادرون على إثبات شغفهم ورغبتهم الحقيقية في الانضمام إلى الشركة.
عادةً ما يبحث مسؤولو التوظيف عن مرشح يتمتع بالفهم الجيد لأهداف الشركة والتوافق مع ثقافتها، لذا يجب أن توضح خبراتك ذات الصلة بالوظيفة المعنية وتبرز مهارات الفريدة التي تميزك عن المرشحين الآخرين، وتعبّر عن حماسك وشغفك لتحقيق رسالة الشركة.
في هذا السياق، تبرز أهمية مفهوم "الانعكاس اللغوي"، الذي تناولته دراسة حديثة في علم النفس التنظيمي أجراها أكسيم سيتش من جامعة ميشيغان وزميله من جامعة هونغ كونغ للعلوم والتكنولوجيا.
يشير هذا المفهوم إلى أن محاكاة أسلوب التواصل لدى الآخرين يسهم إسهاماً ملحوظاً في تعزيز قدرة الفرد على التأثير والإقناع. وعند تطبيق هذا المفهوم في مقابلات العمل، يتضح أن إظهار الحماس يُحسن من انطباع مسؤولي التوظيف عنك.
من هنا، يُعد إظهار حماسك في طلب الوظيفة والمقابلة أمراً حيوياً إذ ينبغي أن تُظهر اهتمامك بالشركة من خلال بحثك الشامل عن رسالتها وأهدافها، مع توضيح الدوافع وراء سعيك للحصول على هذه الفرصة وما لديك من قيمة مضافة تقدمها للمؤسسة.
ولا يقتصر الأمر هنا على إبراز الشغف عبر الكلمات المكتوبة أو المنطوقة، بل يمتد لينعكس على لغة جسدك، عبر التواصل البصري، والاستماع الجيد، وحتى تدوين الملاحظات في أثناء المقابلة.
5. لا تسلط الضوء على إنجازاتك
بحسب تقرير صادر عن منصة لينكد إن، فإن 75% من مدراء التوظيف يفضلون رؤية إنجازات واضحة ومحددة ضمن قسم الخبرات الوظيفية. كما يشير موقع غلاسدور إلى أن 40% من مسؤولي التوظيف يعتبرون عدم إبراز الإنجازات في السيرة الذاتية هو أكبر خطأ يرتكبه الباحثون عن عمل، ما يعني أنه عليك الابتعاد عن ذكر المهام الروتينية فقط وإبراز نجاحاتك العملية.
إليك مثالاً عملياً على هذا، إن كنت تشغل منصب مدير قسم التسويق، فلا تكتب عن مهامك اليومية "إدارة فريق مكون من 5 أفراد"، بل أظهر كفاءتك وقدراتك التقنية والشخصية واكتب: "نجح فريق التسويق في تحقيق عائد استثمار أعلى بنسبة 25% للمؤسسة خلال 6 أشهر بفضل ما وضعناه من خطة مدروسة واستراتيجية استهدفتا فئات صحيحة من الجمهور". اتقن لغة الأرقام لأنها ناجحة دائماً لتأكيد الإنجازات.
6. لا تتحدث عن مهاراتك القابلة للنقل
في عالمنا المعاصر، يندثر العديد من التخصصات والمسميات الوظيفية، في حين تبقى المهارات القابلة للنقل (Transferable Skills) هي العملة النادرة التي تحافظ على قيمتها وتضمن لك فرصاً مستمرة.
إذاً، ما هي المهارات القابلة للنقل؟ هي تلك المهارات التي يمكنك استغلالها في مختلف المجالات والتخصصات، مثل مهارات التواصل، وحل المشكلات، والإبداع، والذكاء العاطفي، والقيادة. إنها المهارات التي تُمكّنك من الانتقال بين الوظائف والمجالات بسهولة وهي التي تجعلك مرشحاً مرغوباً فيه حتى ولو لم تكن لديك خبرة مباشرة في مجال معين.
بدلاً من أن تركز على مسميات وظيفتك السابقة، ركز على تطوير مهاراتك القابلة للنقل، وتعلم كيف تبرزها في سيرتك الذاتية.
7. لا تستعد لمقابلة العمل
عليك الاستعداد قبل حضور مقابلة العمل. أولاً، يجب أن تتدرب على الإجابة عن الأسئلة المتوقعة، وأن تُعد إجاباتك بناءً على أمثلة عملية من تجاربك المهنية السابقة. تأكد من اتباع بعض السلوكيات التي يمكن أن تترك انطباعاً إيجابياً لدى مسؤولي التوظيف، مثل ارتداء ملابس مهنية ملائمة، والوصول مبكراً للمقابلة، وإغلاق هاتفك لتجنب أي إلهاء قد يؤثر في تركيزك.
لكن الاستعداد لا يقتصر فقط على الممارسة الفردية، فمعرفة الشركة التي تتقدم للعمل بها أمر بالغ الأهمية. ابحث عن قيمها، رسالتها، وأحدث أخبارها. اطلع على حساباتها على لينكد إن لتفهم هيكل فريق العمل وتتعرف على المدراء التنفيذيين. كما يمكنك زيارة المواقع الإلكترونية المخصصة لمشاركة تجارب الموظفين الحاليين والسابقين لتتعرف على نوع الأسئلة التي قد تُطرح في المقابلة وطبيعة بيئة العمل في المؤسسة.
8. لا تسرد قصتك
تتزاحم اليوم الحسابات والملفات الشخصية الرقمية ، لكن يبقى التميز هو السمة البارزة لتحقيق النجاح. ولكل منا قصة فريدة، تماماً مثل بصمة الإصبع. فلماذا لا تستغل هذه القصة في رحلتك للبحث عن وظيفة؟
تحدث عن تجاربك الحقيقية، عن التحديات التي واجهتك وكيف تغلبت عليها، عن إنجازاتك التي حققتها بطريقتك الخاصة.
وهنا لا يتذكر مسؤول التوظيف مهاراتك فحسب بل أيضاً قصتك وشخصيتك وتميزك. وبالطبع، ستكتسب ميزة تنافسية كبيرة في سوق العمل لأنك تتميز بين المرشحين الآخرين.
9. لا تهتم بصقل حضورك الرقمي
بحسب هارفارد بزنس ريفيو، فإن 40% من مسؤولي التوظيف عيّنوا مرشحاً بناءً على ملفه الشخصي على لينكد إن فقط. في الواقع، يستخدم 75% من مسؤولي التوظيف وسائل التواصل الاجتماعي لتقييم المرشحين كما ذكرت مؤسسة ماكنزي
كيف يمكنك تحسين بصمتك الرقمية وجعلها نقطة قوة؟ راجع حساباتك على وسائل التواصل الاجتماعي وتأكد من أن ما تنشره من صور ومحتوى يتسق مع صورتك المهنية.
حدّث ملفك على لينكد إن واجعله مرآة تعكس خبراتك ومهاراتك وإنجازاتك بدقة واحترافية. استخدم الكلمات المفتاحية المناسبة التي يبحث عنها مسؤولو التوظيف في مجال عملك.
انشر محتوى مهنياً قيّماً وشارك مقالات أو منشورات أو فيديوهات تعليمية تُظهر فهمك العميق لمجال عملك وتُسهم في إثراء النقاش المهني.
10. لا تستغل كنز العلاقات المهنية
لم تعد الفرص حكراً على الإعلانات أو منصات التوظيف، فالعديد من الفرص القيمة يحدث من الترشيحات الشخصية والتوصيات التي تحصل عليها من شبكة علاقاتك المهنية. وتُظهِر الدراسات أن العلاقات العابرة والمؤقتة، واللقاءات الاجتماعية العرضية، أو أصدقاء الأصدقاء تزيد من فرصك المهنية.
ومن هنا، فإن بناء شبكة قوية من العلاقات أمر بالغ الأهمية. لذا، تواصل مع معارفك في الشركات التي تتقدم إليها واطلب منهم ترشيحك للأدوار المناسبة لك، واستفد من خوارزمية "أشخاص قد تعرفهم" لبناء العلاقات المناسبة وزيادة نطاق الوصول إلى مسؤولي التوظيف، ولا تنسَ شبكتك من الدرجة الثانية؛ أي شبكة العلاقات المتصلة بشبكة علاقاتك المباشرة، لأنها تمثل بوابة إلى عالم جديد من الفرص المهنية.
11. لا تُدرك اتجاهات سوق العمل
تشهد مجالات واعدة مثل الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي نمواً متسارعاً، فهل ستكون مستعداً لاغتنام هذه الفرص؟
تابع الأخبار الاقتصادية لتفهم التغيرات في السوق وتكتشف الفرص المتاحة، واستشر الخبراء للحصول على رؤى حول الاتجاهات الحالية والمستقبلية، وشارك في الندوات وورش العمل لتتعرف على أحدث التطورات في مجال عملك، واستخدم منصات التواصل المهني مثل لينكد إن للتواصل مع خبراء في مجال عملك، وكن مرناً ومُنفتحاً لاستكشاف مجالات جديدة تطور مهاراتك فيها لتصبح المرشح المثالي لكل من يبحث عن موظف متميز مهما كانت الاتجاهات من حولك.
بتجنبك الأخطاء الشائعة التي ذكرناها، ستتمكن من تحقيق قفزات نوعية نحو أهدافك. وتصحيح مسارك، لتفتح أمامك أبواباً واسعة من الفرص. فأنت صانع فرصك، وأنت من يكتب فصول قصة نجاحك.
لا تتردد في العودة إلى هذه النصائح كلما احتجت إليها وشاركها مع كل من يسعى إلى تحقيق التميز في سوق العمل.