لم تكن وظيفتي الأولى بعد المرحلة الجامعية كافية لتهيئتي للمضي في مستقبلي المهني، لكنها علمتني شيئاً عن السلطة، كما علمتني أنه ينبغي على جميع الشركات تبني سياسة القبول أو الرفض عندما يتعلق الأمر بالعلاقات الخاصة بين المشرفين وموظفيهم.

عندما كان عمري 22 عاماً، كنت أعيش وحيداً في مدينة جديدة، وأتعامل مع المرحلة الانتقالية من الحياة الجامعية إلى العالم الحقيقي بشيء من التردد. بدأت في البحث عن عمل بطريقة عشوائية، وسرعان ما وجدت نفسي أعمل في مكتبة تابعة لإصلاحية دنفر للنساء في الولايات المتحدة.

وبما أنني كنت شاباً ومحاطاً بالسجينات؛ فكثيراً ما حظيت بالاهتمام الشديد. كانت الدوافع تميل أحياناً لأسباب شريرة، لكن في الغالب جاء ذلك الاهتمام من جانب نساء محبطات للغاية وتبحثن عن الراحة.

لا شك أنني كنت أشعر بالإطراء، لكنني كنت أشعر بالخوف في الوقت نفسه، أدركت – ويعود ذلك في معظمه إلى التدريب الذي تلقيته في بداية عملي- أنّ ديناميكية السلطة بيني وبين السجينات، جعلت من فكرة القبول مستحيلة. إذ أنّ أي تواصل غير مبني على الاحترام المهني يحاسب عليه القانون.

كانت الأخلاقيات والمقايضة جلية في الإصلاحية، فالنساء هناك ضعيفات جداً وأي إيماءات تظهر الترحيب بعلاقات خاصة من قبلي ستكون بمثابة انتهاك واضح لهنّ وللثقة بيني وبين المكان الذي أعمل فيه.

في العالم المهني، لا تكون الحدود الفاصلة بين الرؤساء والمرؤوسين واضحة – على الرغم من أنها يجب أن تكون كذلك. وفي حين أنّ العديد من المدراء والموظفين ربما ينظرون إلى ديناميكيات السلطة في السجن على أنها مختلفة تماماً عن مكان العمل، لكنني رأيت ما يكفي في كلا العالمين لأقول بأنها ليست مختلفة، فالسلطة هي السلطة أينما كنت. وتتفق الكثير من إدارات الموارد البشرية على هذا، حيث أظهر استطلاع الجمعية الأميركية لإدارة الموارد البشرية (SHRM) لعام 2013 أنّ نسبة الـ40% من الشركات التي تتبع سياسة معينة حول العلاقات العاطفية في أماكن العمل، قد حظرت على المشرفين مواعدة موظفيهم بنسبة 99%. ومن المحتمل أن يكون عدد أكبر من الشركات اليوم لديها سياسات كهذه؛ وتعتريني الدهشة من عدم تطبيق كل الشركات لذلك النهج. ربما نكون جميعاً قد سمعنا عن قصة أو اثنتين حول نشوء علاقة عاطفية ناجحة بين رئيس ومرؤوس، لكن يجب النظر إلى هذه الحكايات على أنها استثناءات نادرة، وليست قاعدة. فديناميكية السلطة بين المدراء وموظفيهم المباشرين يجعل من “إقامة العلاقات الشخصية” أمراً مستحيلاً؛ ويتوجب على المؤسسات والمدراء النظر إلى هذا النوع من التواصل على المستوى الشخصي على أنه تحرش، وأنْ يُوضّح ذلك من خلال السياسات المتبعة والتدريب.

يُعد التحرش من المشاكل الشائعة، ومن المفترض أن تكون واضحة في هذه المرحلة. إنّ تسليط الضوء على الرجال المعتدين بمواقع السلطة جذب الانتباه إلى هذه القضية، لكن قبل أن يتصدر التحرش عناوين الصحف اليومية، أظهر تقرير لجنة تكافؤ فرص العمل الأميركية أنه في العام 2015 كان هناك ما يقارب 30,000 شكوى تتعلق بالتمييز الآخذ شكل التحرش، وهو رقم بالتأكيد أدنى بكثير من عدد حالات التحرش الفعلية التي تحدث في مكان العمل.

إنّ البحث في كيفية تثقيف الناس حول مسألة التحرش محدود وغير مشجع أيضاً. وقد وجدت بعض الدراسات أنّ التدريب على مسألة التحرش لا يؤدي إلى رفع مستوى المعرفة بين المتدربين. في إحدى الدراسات التي قامت على تدريب المدراء، تبين أنه لم تتحسن القدرة على تحديد مواقف التحرش بين من تلقوا التدريب. وأظهرت دراسة أخرى بأنّ التدريب كان له أثراً بسيطاً – وربما سلبياً – على موقف الرجال تجاه التحرش. كما أظهرت دراسات أخرى أنّ الموظفين غالباً ما يفسرون سياسات التحرش على أنها تهديد – تحوّل المذنبين إلى ضحايا إدارة الموارد البشرية – لأنّ هناك سلوكيات معينة يمكن اعتبارها تحرش بنظر شخص شديد الحساسية أو غير منطقي.

إلا أنّ هناك شيء يدعو للتفاؤل. إذ أظهرت أبحاث حديثة مجموعة نتائج مشجعة لكنها معقدة بنفس الوقت. فيبدو أنّ نجاح التدريب على مسائل التحرش يتوقف على ثقافة مكان العمل. وجدت إحدى الدراسات أنّ الموظفين كانوا أكثر تجاوباً مع التدريب عندما علموا بأنّ أصحاب العمل لا يتسامحون مع تلك السلوكيات. ووجدت دراسة أخرى أنّ الموظفين تعلموا أكثر أثناء التدريب وكانوا أكثر استعداداً لتغيير مواقفهم حول التحرش إذا كانوا يعتقدون أنّ صاحب العمل يتحلى بالأخلاق الحميدة. وفي دراسة حول سياسات التحرش، كان الموظفون أكثر ميلاً إلى فهم السياسات على أنها نوع من الحماية، بدلاً من التهديد، عندما كانت السياسة تندرج فيها لغة قائمة على القيم (مثل وصف سلوك التحرش بأنه مؤذ) وتسمح للآخرين بمحاولة التدخل عند حدوث مثل تلك المضايقات أمامهم.

كل هذه الأدلة تشير إلى أنه للحد من هذه المضايقات، يجب التوجه إلى الأشخاص بمواقع السلطة. لكن لسوء الحظ، فإنّ التحرش غالباً لا يصدر عمن هم أقل شأناً، إذ أنّ أولئك في المراتب الأعلى هم أكبر المخالفين.

هكذا كانت تجري الأمور في الإصلاحية، حيث كنا نتبع قواعداً واضحة وتدريباً فعالاً لا يترك مجالاً للشك في ما يتعلق بالعلاقات التي كانت محظورة تماماً. في العديد من أماكن العمل، لا سيما تلك التي تتصف بهياكل تنظيمية مبسطة أو حيث ينظر إلى الرؤساء على أنهم موظفين ومدراء في ذات الوقت، قد لا تكون القواعد بتلك الوضوح. ويمكن للمدراء الاعتقاد بأنهم لا يمتلكون ذلك القدر من السلطة على الآخرين، لكنهم بذلك يضللون أنفسهم. في أي تسلسل هرمي، حتى ذلك المنبسط نسبياً، يصعب إبداء الموافقة بين الموظف والمدير – أو أي شخص يعلوه في ذاك التسلسل. والحجة القائلة أنّ “البالغين يستطيعون اتخاذ قراراتهم الخاصة” غير صحيحة؛ عند الأخذ بعين الاعتبار أهمية الراتب الشهري للموظف وحقيقة أنّ العديد ممن يبلّغون عن التحرش يتعرضون لرد انتقامي من أصحاب العمل. بعبارة أخرى، فإنّ النظام القائم حالياً يُشعر الأشخاص الذين هم على الطرف المستقبل كما لو أنهم لا يملكون خياراً سوى الاستسلام.

قامت بعض الشركات بتقديم مقترح وهو نقل المدير أو الموظف، لكن من الممكن أن تؤدي هذه الاستراتيجية إلى تعزيز ثقافة التحرش الموجودة حالياً. بالنسبة للموظف، يُمكن تفسير ذلك على أنه عقاب لأنّ المدير هو الشخص الملزم بالتصرف بطريقة أخلاقية في هذه الحالة. أما بالنسبة للمدير فيبقيه ذلك في مركز السلطة، حتى لو كان بشكل غير مباشر، ولن يعرف الموظف على وجه اليقين إذا كان رفض التقرب من قبله سيُنقل إلى المدير الجديد أم لا، والذي سيظل النظير المباشر للمدير السابق. بالإضافة إلى ذلك، لا تتوافق أي من هاتين الاستراتيجيتين مع الرسالة القائلة أنّ المؤسسة أخلاقية وتتبع سياسة عدم التسامح في مسألة التحرش.

ينسى المشرفون عادة أنهم في موقعي السلطة والتفضيل. فإذا كان الانجذاب إلى الموظف حالة لا يمكن تجاهلها، فالمشرف لديه خيارين: إما خفض رتبته، أو ترك العمل قبل أن يفصح عن مشاعره. وإذا كان احتمال إنشاء علاقة ضعيفاً بحيث لا يستحق هذه الإيماءات العاطفية فالأمر إذاً لا يستحق أيضاً معاكسة شخص لديه قدرة محدودة على إبداء الموافقة.

هناك حاجة لاتخاذ تدابير صارمة للحد من تفشي وباء التحرش في مكان العمل. وكما تشير الدراسات، فإنه يجب على الشركات أن تتخطى مرحلة التدريب النمطي من خلال التوصل إلى صياغة تُلزم التقيد بقواعد واضحة وأي خرق لهذه القواعد هو تصرف غير مقبول على الإطلاق. إحدى الطرق للمضي قدماً هي وضع سياسة واضحة تفيد بأنّ الإيماءات غير الأخلاقية من قبل المشرفين لا يُمكن أبداً أن يقابلها موافقة، ولذلك تعتبرها الشركة بمثابة تحرش – بغض النظر عما إذا كان المتلقي نفسه يرى الطرف الآخر كشخص مرغوب فيه أم لا.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!