تابعنا على لينكد إن

عندما يكتشف الناس أنّني أعمل كمرشدة ومُدرِّبة للمدراء التنفيذيين، فإنهم غالباً ما يسألونني عن أصعب زبائني. هل هم القادة الذين يفتقرون إلى الخبرة؟ أم كبار المدراء الذين يعتقدون بأنهم يعرفون كل شيء؟ أم القادة الذين يتنمرّون على الجميع ويقللون من شأنهم؟ أم القادة الذين يتهرّبون من تحمّل المسؤولية؟

لكنّ إجابتي ليست أياً ممّا سبق. فأصعب قادة يمكنك أن تعمل معهم كمرشد هم الذين لا يمارسون التأمّل، وخاصّة من لا يتأمّلون في “ذواتهم”.

إنّ التأمّل في أبسط أشكاله هو نوع من التفكير المتأنّي. لكن التأمّل الذي يحتاجه القادة بحق يختلف اختلافاً طفيفاً عن ذلك، لأنّ أكثر الأنواع نفعاً من التأمّل هو الذي يشمل إجراء مراجعة وتحليل واعيين للمعتقدات والتصرّفات بهدف التعلّم. إنّ التأمّل يمنح الدماغ الفرصة لالتقاط الأنفاس وسط حالة من الفوضى، لإجراء عملية فرز وتبويب للملاحظات والتجارب، والنظر في التفسيرات المتعددة المحتملة، والتوصّل إلى المعنى. وهذا المعنى يتحوّل إلى تعلّم، وهذا التعلّم بدوره يساعدنا في تكوين ذهنياتنا المستقبلية وفي تحديد تصرّفاتنا وأفعالنا. وبالنسبة للقادة، يُعتبرُ هذا النوع من “تكوين المعنى” أمراً أساسياً من أجل النمو والتطوير المستمرّين.

أظهر بحث أجراه كل من جيادا دي ستيفانو (Giada Di Stefano)، وفرانشيسكا جينو (Francesca Gino)، وغاري بيسانو (Gary Pisano)، وبرادلي ستاتس (Bradley Staats )، في مراكز الاتصالات الخاصّة بخدمة الزبائن بأنّ الموظفين الذين قضوا 15 دقيقة في نهاية النهار في التأمّل واستخلاص العبر والدروس حسّنوا أداءهم بنسبة 23% بعد 10 أيام بالمقارنة مع الأشخاص الذين لم يمارسوا التأمّل. كما توصّلت دراسة شملت الأشخاص الذين ينتقلون لمسافات طويلة بين العمل والمنزل كل يوم إلى نتائج مشابهة عندما تبيّن بأن الأشخاص الذين طُلبَ منهم أن يستفيدوا من هذه الرحلة بين البيت والعمل للتفكير بيومهم والتخطيط له كانوا أكثر سعادة وإنتاجية وأقل إنهاكاً من الأشخاص الذين لم يُطلب منهم التفكير.

فإذا كان التأمّل مفيداً إلى هذه الدرجة، فلم لا يمارسه القادة؟

• هم غالباً لا يفهمون العملية. العديد من القادة لا يعرفون كيف يمارسون التأمّل. فقد أخبرني أحد المدراء التنفيذيين الذين أعمل معهم ويدعى كين مؤخراً بأنه حتى الآن لم يفِ بالتزامه بأن يقضي ساعة خلال عطلته صباح يوم الأحد في التأمّل. ولكي أساعده في التغلّب على هذا الحاجز، اقترحت عليه أن يستفيد من الدقائق الثلاثين التالية في جلستنا الممتدة على مدار ساعتين وأن يتأمّل بصمت وبعد ذلك جلسنا معاً لنحلل ما حصل. بعد خمس دقائق من الصمت، قال: “أعتقد بأنني لا أعرف ما الذي تريدين مني فعله. وهذا هو ربما السبب الذي جعلني لا أمارس التأمّل”.

• هم لا يحبّون العملية. يفرض التأمّل على القادة القيام بعدّة أمور هم عادة لا يحبّون القيام بها: كالإبطاء من سرعة التفكير، وتبنّي ذهنية من “عدم” المعرفة ومن الفضول المعرفي، والتسامح الفوضوي مع النفس، وعدم الكفاءة، وتحمّل المسؤولية الشخصية. قد تقود هذه العملية إلى آراء قيّمة بل حتّى إلى تحقيق اختراقات، كما أنّها يمكن أن تقود إلى شعور بعدم الارتياح، والهشاشة، والانزعاج، والتقوقع على الذات بهدف الدفاع عن النفس.

• هم لا يحبّون النتائج. عندما يأخذ القائد وقته في التأمّل، فإنّه عادة ما يرى الطرق التي كان فعّالاً فيها والأشياء التي كان يمكنه إنجازها على وجه أفضل. يسارع معظم القادة إلى تجاهل مكامن القوّة لديهم ويشمئزون من مكامن الضعف التي يلاحظونها. والبعض منهم يتبنّى موقفاً دفاعياً قوياً خلال هذه العملية إلى الحد الذي يمنعهم من تعلّم أي شيء، وبالتالي لا تكون النتائج التي يتوصّلون إليها مفيدة.

• هم منحازون إلى الفعل أكثر من التفكير. إن العديد من المدراء يشبهون حرّاس المرمى في كرة القدم من حيث ميلهم إلى الفعل والتصرّف. فقد كشفت دراسة شملت حرّاس المرمى المحترفين في عالم كرة القدم والذين يذودون عن مرماهم ضد ضربات الجزاء بأن الحرّاس الذين يبقون وسط المرمى، عوضاً عن الاتجاه إلى اليمين أو اليسار لديهم فرصة بنسبة 33% لصد الكرة، ومع ذلك فإن هؤلاء الحرّاس لا يبقون وسط المرمى إلا في 6% من الوقت. فحرّاس المرمى يشعرون بشعور أفضل لمجرّد “القيام بشيء ما”. والأمر ذاته يصح على العديد من القادة. فالتأمّل يمنح إحساساً مشابهاً للبقاء وسط المرمى وتضييع فرصة التحرّك.

• هم غير قادرين على رؤية العائد الذي يمكنهم تحقيقه من الاستثمار في التأمّل. فالمدراء ومنذ حداثة عهدهم في العمل يُدرَّبون على الاستثمار في المجالات التي تسمح لهم بتحقيق عوائد إيجابية على هذه الاستثمارات – أي النتائج التي تشير إلى أن ما قُدِّم من وقت ومواهب وأموال قد أعطى النتائج المرجوّة. وفي بعض الأحيان، من الصعب على القائد أن يرى العوائد الفورية التي يمكنه تحقيقها من الاستثمار في التأمّل، ولاسيما عندما يقارنها مع الاستخدامات الأخرى لوقته.

فإذا كنت قد وجدت بأنك أنت أيضاً ممّن يضعون هذا النوع من الذرائع، فإنك قادر على أن تصبح شخصاً أقدر على التأمّل من خلال التدرّب على ممارسة بعض الخطوات البسيطة التالية.

• حدّد بعض الأسئلة المهمة. ولكن لا تحاول الإجابة عنها فوراً. وفيما يلي بعض الاحتمالات:
o ما الذي تحاول تجنّبه؟
o كيف تساعد زملاءك في تحقيق أهدافهم؟
o وكيف أنت “لا” تساعدهم في تحقيق أهدافهم أو حتى تعيقهم عن التقدّم؟
o ما هي الأشياء التي بوسعك أن تقدّمها إلى أقل علاقة إمتاعاً بالنسبة لك في العمل؟
o كيف كان يمكن أن تكون أكثر فعالية في اجتماع عُقِد مؤخراً؟

• حاول اختيار أسلوب التأمّل الذي يناسب ذوقك. يحاول العديد من الناس ممارسة التأمّل من خلال كتابة مذكراتهم. فإذا بدا ذلك الأمر مريعاً بالنسبة لك في مقابل الحديث مع زميل والذي يبدو أسلوباً أفضل، فعليك بالخيار الذي تميل إليه أكثر. فطالما أنّكما تتأمّلان معاً ولا تدردشان فقط عن مباراة كرة القدم الأخيرة أو تتذمّران من أحد الزملاء، فإن الأمر يعود لك لكي تختار المقاربة الأنسب. بوسعك الجلوس، أو المشي، أو ركوب الدراجة الهوائية، أو الوقوف لوحدك أو مع شريك، أو الكتابة، أو التحدّث، أو التفكير.

• حدّد جدولاً زمنياً واضحاً للتأمّل. يعتمد معظم القادة على التقويم الذي يحدّد لهم مواعيدهم ويقودهم. لذلك، حدّد سلفاً وقتاً معيُناً لممارسة التأمّل وحاول الالتزام به. وإذا وجدت نفسك تحاول تحاشيه أو القفز فوقه، عليك أن تتأمّل في هذا الأمر بالذات!

• لتكن البداية صغيرة. إذا بدا لك بأنّ ساعة من الزمن هي وقت طويل للغاية، حاول أن تتأمّل لمدّة 10 دقائق فحسب. فقد توصّلت تيريزا آمابايل (Teresa Amabile) وزملاؤها إلى أن أهم محرّك للعواطف الإيجابية والدافعية هو إحراز التقدّم في المهام الموجودة بين يدي الشخص المعني. هيئ نفسك لإحراز التقدّم، حتى لو كنت تشعر بأنّ الإنجاز ضئيل أو صغير.

• افعلها. عد إلى قائمة الأسئلة التي وضعتها وحاول استكشافها من جديد. حافظ على رباطة جأشك. فكّر. وادرس الموضوع من عدّة زوايا. أنظر إلى نقيض ما كنت تؤمن به في البداية. مارس العصف الذهني. ليس بالضرورة أن تكون مُعجباً بجميع أفكارك أو أن تتفق معها كلها. كل ما عليك فعله هو أن تفكّر وأن تدرس طريقة تفكيرك.

• اطلب المساعدة. بالنسبة لمعظم القادة، يمكن لغياب الرغبة، أو الوقت، أو التجربة، أو المهارة أن يقف حجر عثرة في طريق ممارستهم للتأمّل. لماذا لا تفكّر في العمل مع زميل، أو معالج، أو مرشد ليساعدك في إيجاد الوقت، ولكي يصغي إليك بإمعان وليكون شريكك في التفكير ولكي يُخضعك للمساءلة.

على الرغم من التحدّيات التي تقف في طريق ممارسة التأمّل، إلا أن أثرها واضح. وكما يقول بيتر دروكر: “حاول أن تُتبعَ العمل الفعّال بشيء من التأمّل الصامت. فالتأمّل الصامت سيقودك إلى المزيد من العمل الفعّال.”

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz