منذ سبعينيات القرن العشرين، تحولت الولايات المتحدة الأميركية من اقتصاد صناعي إلى اقتصاد قائم على قطاع الخدمات. وقد كان هذا التحول صعباً بالنسبة للكثير من العمال، وخصوصاً الرجال من الطبقة العاملة الذين تضرروا نتيجة خسارة وظائفهم في التصنيع والإنتاج والتي وفرت لهم عادة أجوراً أفضل وميزات وأمناً وظيفياً مقارنة بالوظائف في قطاع الخدمات. وقد انخفضت نسبة الرجال العاملين في وظائف التصنيع والإنتاج، وهي الوظائف التي كانت تعتبر "وظائف جيدة" للرجال غير الحاصلين على شهادات عليا، بنسبة أكثر من 50% منذ السبعينيات، وانخفضت أجور الرجال خلال نفس الفترة.

وفي الوقت ذاته، كان ثمة ارتفاع في الوظائف في قطاع الخدمات، ومن بينها وظائف الرعاية الصحية التي هيمنت عليها النساء، مثل ممرضات مسجلات رسمياً ومساعِدات صحيات بالمنزل ومساعدات رعاية شخصية. وعلى أي حال، يقوم عدد قليل من الرجال بالالتحاق في هذه الوظائف التي تهيمن عليها النساء على الرغم من الطلب الشديد على هذه الوظائف.

وأحد الأسباب هو أنّ الكثير من هذه الوظائف برواتب متدنية. إذ تجني مساعدة الرعاية الشخصية أو المساعدة الطبية، في بداية تعيينها في مجال الرعاية الصحية، حوالي 10 دولارات – 15 دولاراً في الساعة. وفي المقابل قد يحصل رجل في منتصف العمر يعمل في محطة تصنيع على 20 دولاراً – 30 دولاراً في الساعة. ويمكن أن يعني انتقاله إلى العمل في وظائف الرعاية انخفاضاً كبيراً في الأجر.

وبالإضافة إلى ذلك، توجد نظرة معينة حول "أعمال النساء"، حيث يحجم الرجال عن أخذ وظائف تتطلب مهام مرتبطة بالأنوثة، مثل الرعاية الصحية العملية للمسنين أو الأطفال. وفي أحوال كثيرة، أدى انتخاب دونالد ترامب إلى جعل هذا الإحجام في الواجهة، فأن تحصل على وعد بالعمل في وظائف التصنيع بدلاً من أن يكون عليك العمل في "أعمال النساء" ذلك أمر أكثر جاذبية.

وتنظر دراسة أجريتها مؤخراً مع كيم برايس غلين وكارتر راكوفسكي، ونُشرت في مجلة "النوع الاجتماعي والمجتمع" (Gender & Society)، إلى تطورات الجمع بين النظرة النمطية للنوع الاجتماعي والأجر. وبشكل خاص، فقد اطلعنا على الوظائف في بداية التعيين في مجال الرعاية الصحية. ووجدنا أنه لم تكن هناك أي زيادة في نسبة الرجال في وظائف الرعاية الصحية التي تتطلب مهام مرتبطة كثيراً بالأنوثة، مثل الغسل أو التغذية أو المرافقة إلى الحمام. أما وظائف الرعاية المباشرة التي يشغلها الرجال فمن المرجح أن يشغلها رجال من أبناء الأقليات، وهو ما يشير إلى أن التمييز في سوق العمل على نطاق واسع هو ما يدفعهم إلى العمل في الرعاية. ويتلقى الرجال العاملون في هذه الوظائف أجوراً متدنية أيضاً أو أجوراً أقل بكثير من أجور أقرانهم من الرجال في الوظائف التي يهيمنون عليها.

وفي الوقت ذاته، وجدنا أيضاً دليلاً على أنّ بعض الرجال يصنعون لأنفسهم مساحات في اقتصاد الخدمات. كما وجدنا أنه يوجد بعض الوظائف في قطاع الرعاية الصحية، وظائف جديدة نسبياً، يكون فيها عدد الإناث قليلاً مع نظرة نمطية أقل حدة، وتشهد ازدياداً في عدد العمال الرجال. وتتطلب هذه الوظائف، التي نسميها الوظائف الصحية المساعدة في بداية التعيين، بعض التدريب، ولا يعني ذلك الحصول على درجة جامعية بعد أربع سنوات من التخصص، وتشمل وظائف مثل فني جراحة وأخصائي جهاز تنفسي وفني أشعة وفني علاج حالات الطوارئ. وتوفر هذه الوظائف مزايا وأجوراً مجزية (30,000 دولار – 65,000 دولار سنوياً)، ويميل الرجال العاملون فيها إلى أن يكونوا أفضل من ناحية الأجور والأمن الوظيفي مقارنة بأقرانهم في وظائف التصنيع اليدوي. ووفقاً لحساباتي باستخدام استقصاء الدخل والمشاركة في البرامج، في عام 1996 كان الرجال يشكلون 16% من عمال الرعاية الصحية المساعدة في بداية التعيين، وفي عام 2008 أصبحت نسبتهم 26%.

وكل ذلك يشير إلى أن الرجال، وخصوصاً الرجال القادرين على الحصول على تدريب إضافي، يمكن أنهم يعتبرون بعض وظائف الرعاية الصحية أكثر ميلاً لاستخدام التقنية وملاءمة للذكور، ويحتفظون بالنظرة التقليدية حول الوظائف الملائمة للذكور داخل قطاع الرعاية الصحية. وللأسف، هذا يعني أن النساء والرجال من الأقليات قد يستمرون في التجمع في وظائف رعاية مباشرة قليلة الأجر، حيث يستمر النظر إلى "الأعمال الوضيعة" على أنها "أعمال النساء".

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!