دراسة حالة: هل تبقى في وظيفة جديدة سيئة أم تضع حداً لخسائرك وترحل؟

12 دقيقة
الاختيار بين البقاء في وظيفة سيئة أو وضع حد لخسائك والرحيل
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تعرض دراسات الحالة التي تصيغها هارفارد بزنس ريفيو على هيئة قصص خيالية لمشاكل يواجهها القادة في الشركات الحقيقية وتقدّم الحلول التي يراها الخبراء.

كان اليوم الأول لميا ريتشي في عملها نذير شؤم على ما تحمله لها الأيام. فقد كانت سعيدة جداً بمنصبها الجديد كمديرة برنامج في “ريسكيو” (Rescue)، أقدم وأكبر مؤسسة متخصصة في تقديم المساعدات لمحاربة الفقر في العالم. كانت قد استيقظت في الصباح الباكر وتناولت طعام الإفطار مع زوجها ماتيو وجهزت وجبة الغداء التي ستتناولها في العمل، وتمكنت رغم كل ذلك من الوصول إلى مكتبها قبل التاسعة صباحاً. كانت تعتقد أن وصولها باكراً سيترك انطباعاً جيداً.

عندما دخلت ميا إلى البهو، رأت وجوهاً مألوفة كانت قد رأتها في زيارتها السابقة، لكن موظف الاستقبال، طوني، كان الوحيد الذي حيّاها. ورغم أنها اعتقدت أن أواصر من نوع ما قد تكونت بينهما في المرة السابقة، إلا أنه نظر إليها متسائلاً وقال: “كيف بوسعي أن أخدمك؟”

“يسعدني رؤيتك مجدداً”، قالت ميا. “أنا ميا، مديرة البرنامج الجديدة”.

“حسناً، هذا صحيح”، قال طوني. “تفضلي بالجلوس، وسأعطيك بعض الاستمارات الرسمية لتملئيها ريثما استدعي مديرك. هو ميشيل، أليس كذلك؟”

لم يمضِ على وجود ميا في المبنى أكثر من خمس دقائق، ومع ذلك فقد شعرت أن همتها مثبطة. كما أن الأمور لم تتحسن بعد ذلك. فطوني لم يتمكن من العثور على ميشيل لذلك رافقها مجدداً إلى غرفة ذات ضوء خافت مليئة بالحجيرات المكتبية (مقصورات العمل المقسمة). الشخص الوحيد في الغرفة كانت جيسي كاربون منسقة الفريق المعنية بالدعم، التي عرّفت بنفسها لميا بسرعة، وشرحت لها أن فريق تقنية المعلومات لم يحضّر مكتب ميا بعد، واقترحت عليها الجلوس إلى مكتب فارغ ثم عادت إلى الكتابة على الكمبيوتر من جديد.

عند العاشرة والنصف وصل ميشيل أخيراً وسلّم ميا رزمة من الأوراق التي يتعين عليها قراءتها، وشرح لها أن نهاره مليء بالمشاغل لكنه يأمل أن يتمكن من الاجتماع بها في وقت لاحق بعد الظهر، لكنه لم يفعل ذلك البتة.1

أمضت ميا خمس ساعات في التنسيق مع قسمي الموارد البشرية وتقنية المعلومات عبر هاتفها المحمول وبريدها الإلكتروني الشخصي. تناولت طعام الغداء على المكتب المعار لها. وقد تردد بضعة موظفين إلى الغرفة خلال اليوم، وهي ابتسمت لهم بحرارة ولوحت لهم، لكن أحداً على ما يبدو لم يكن يعرف من تكون. أخيراً، وصل تقني يحمل كمبيوتراً محمولاً وشاشة وركّبهما على الطاولة الأبعد عن النافذة.

وجدت ميا نفسها تفكر بشيء من اللوعة والحنين بمكان عملها السابق “آزورو” (Azzurro)، وهي عبارة عن شركة ناشئة كانت تستعمل أجهزة استشعار توضع على الحاويات وتعتمد على إنترنت الأشياء لمساعدة شركات التجزئة على تحسين إدارة النفايات لديها. كانت قد انضمت إليها بعد تخرجها مباشرة من جامعة بولونيا التي نالت منها شهادة في الإدارة الدولية، كما كانت قد حصلت على ترقية إلى منصب محللة أنشطة تجارية خلال أقل من أربع سنوات. كانت تحب العمل والموظفين في الشركة.

لكنها التقت وقتها بشاؤول ريزو، أحد كبار مدراء الموارد البشرية في “ريسكيو” في إحدى مناسبات التعارف المهني. وقد ذكر لها منصباً في مكتب المؤسسة الجديد في بولونيا – وهو واحد من 92 مكتباً تابعاً لها في أنحاء العالم. كانت الفكرة آسرة فوراً لميا. وكانت الوظيفة تشمل إعداد أنظمة البيانات والتقارير والعمل مع أحد المدراء المرموقين في “ريسكيو” لتحديد العمليات الأساسية في الشركة ووضع مؤشرات أساسية للأداء.

في مقابلة جرت بعد بضعة أسابيع، كان شاؤول قد عرض عليها راتباً يبلغ ضعف الراتب الذي كانت تتقاضاه في “آزورو” تقريباً، ووعدها أنها لن تكتفي بالعمل وفق خطة للتطوير الشخصي فحسب، وإنما ستكون قادرة أيضاً على العمل في الميدان مرة في الشهر لمساعدة السكان الذين يعانون من أزمة. كان من البديهي قبول العرض. وزوجها ماتيو وافق عليه.

الآن، وبينما كانت ميا تدرس فكرة ما إذا كان يتوجب عليها تحديد موعد للاجتماع مع ميشيل في اليوم التالي – لتجبره بصورة أساسية على تعريفها على الشركة وعلى عملها بصورة مناسبة – تساءلت عما إذا كانت قد اتخذت القرار الصائب.2

لحظتها بالضبط تلقت رسالة نصية من ماتيو يسأل فيها: “كيف سارت الأمور؟؟؟”

ردت عليه بصورة إبهام يشير إلى الأسفل. “أنا بحاجة إلى احتساء فنجان من القهوة. دعنا نلتقي في المكان المعتاد”.

التحقق

“كان الوضع كارثياً”، قالت ميا وهي تستحضر في رأسها تفاصيل يوم عملها. هز ماتيو رأسه في إيماءة تدل على تعاطفه معها.

“هل تعتقد أنني ارتكبت خطأ؟ أعني أنني كنت أحب “آزورو” حباً كبيراً، لكن العمل الإنساني أقنعني أكثر بالانضمام إلى “ريسكيو”.

“لا تنسِ الراتب!” قال ماتيو ممازحاً. فتنهدت ميا. وبما أنها كانت المعيل الأساسي للأسرة (حيث كان ماتيو يعمل فناناً وكان يعاني من مصاعب مالية)، فقد كانت أصلاً تشعر بالضغط.3

لكنه مضى في القول: “دعك من المزاح. أليس من السابق لأوانه الحكم؟ الثقافة هناك مختلفة، و”ريسكيو” منظمة ضخمة. كم كان عدد الموظفين في “آزورو”؟”

“مئة موظف”، قالت ميا. “”ريسكيو” فيها آلاف”.

“صحيح. وهم يفتتحون هذا الفرع للتو. ربما يكون هذا الوقت تحديداً مفعماً بالفوضى”.4

“من الغريب جداً ألا يكون هناك أي ترحيب رسمي، ولا تعريف بالمؤسسة، ولا حتى أي تكليف بمهمة حقيقية. تحدثت إلى ميشيل مرتين فقط – مرة على الهاتف أثناء عملية المقابلة ومرة ثانية باقتضاب اليوم صباحاً. يخال لي أنه يجب أن يخوض معي حديثاً على الأقل في يومي الأول”.

“أنا واثق من أن الأمر لا يعدو حالة شاذة”، قال ماتيو. “غداً سيكون الوضع أفضل. “ريسكيو” ذات سمعة عطرة، وعلى الورق هذه نقلة نوعية في المسيرة المهنية”.

“أعرف ذلك. أعرف. أنت على حق”. احتست ميا قهوتها كاملة. لم يكن بوسعها أن تطرد من رأسها فكرة أن هناك خطباً ما.

مهمة مزعجة

بعد ظهر اليوم التالي، التقت ميا أخيراً بميشيل. “أهلاً بك يا ميا”، قال ميشيل بشيء من الفظاظة. “أعتذر لعدم تمكني من اللقاء بك في وقت أبكر، فقد كنت عالقاً في مجموعة من الاجتماعات المخصصة لوضع الاستراتيجيات. وكما ترين، فإننا مازلنا نحاول ترتيب أنظمتنا. دعينا نتحدث عن مشروعك الأول”.

قال إنه يريد منها تدقيق عمليات ثلاثة أقسام هي المخزن، وسلسلة التوريد، والتسليم، وهي كانت أقساماً في غاية الأهمية بالنسبة لمهام “ريسكيو”. كانت كل وحدة تضم موظفين نُقِلوا من مكاتب أخرى تابعة للمؤسسة وموظفين جدداً عُيّنوا للمساعدة في تجريب الاستراتيجيات الجديدة. كانت مهمة ميا تتمثل في تحديد ما إذا كانت هذه الاستراتيجيات أثر كفاءة من الاستراتيجيات الحالية المطبقة في “ريسكيو” أم لا.

لم تكن المهمة مطابقة لما كانت ميا قد توقعت، لكنها هزت رأسها موافقة وابتسمت.

“هل من شيء آخر؟” سأل ميشيل، وهو يعود إلى العمل على كمبيوتره المحمول.

قالت ميا: “في الحقيقة، عندما وظفت، ذكر شاؤول أن لديّ فرصة للمشاركة في بعض المشاريع الميدانية”.

نظر إليها ميشيل مندهشاً وبدا عليه الانزعاج قليلاً. “ممممم. لا أريد أن أخيب أملك يا ميا، لكن هذا ليس ما كنت قد وضعته في بالي لهذا المنصب. نحن بالكاد نبني هذه العملية، ونريد من الموظفين الداخليين أن يحافظوا على تركيزهم على مسؤولياتهم هنا”.

هز رأسه وقال: “أنا آسف، ولكنني لا أعتقد أن هذا الأمر سيحصل قريباً”.

“لا بأس”، قالت ميا وهي تحاول أن تخفي عدم رضاها.5

المزيد من الإحباط

أمضت ميا الأسابيع الثلاثة التالية وهي تكدح جاهدة في إنجاز مشروع التدقيق، لكن الأمر لم يكن سهلاً. كان ميشيل قد نسي أن يعرّفها على عدد من رؤساء الأقسام. لذلك وعلى الرغم من أن بعضهم كان لطيفاً ومتعاوناً، إلا أن البعض الآخر تجاهل رسائلها الإلكترونية المتكررة أو لم يمنحها المعلومات المطلوبة إلا على استحياء. كانت قد طلبت النصح من ميشيل عدة مرات، لكنه تهرّب من لقائها. وعندما أنهت عملها، احتاجت إلى خمسة أيام لتحصل على نصف ساعة من وقته لتعرض عليه نتائجها. أثنى عليها لكنه طلب منها تتبع بعض المقاييس الجديدة. سألت عن توسيع نطاق واجباتها، لكن هاتفه رن، وأشار إليها بمغادرة المكان قائلاً: “آسف أنا مضطر إلى الرد على المكالمة. دعينا نناقش الأمر في المرة المقبلة التي نجتمع فيها”.6

في محاولة يائسة منها للعثور على إنسان آخر تثق برأيه غير ماتيو، سألت ميا جيسي ما إذا كانت قد عانت من أي مشكلة في الحصول على انتباه ميشيل.

“ليس الذنب ذنبه”، قالت جيسي. “إنه ذنب المؤسسة. هي مؤسسة شديدة البيروقراطية. يجب عليه أن يطرح أي فكرة جديدة على كل التسلسل الهرمي للإدارة. نحن دائماً ما نعاني من نقص في الموظفين لأنهم دائماً ما يفتتحون مكاتب جديدة. وهم ينقّلون الموظفين من مكان إلى آخر كثيراً إلى حد أن الجميع يظل في حالة تعلّم، ويحاول التعرف على منطقة جغرافية جديدة. لا تفهميني خطأ. نحن نبلي بلاء حسناً في الميدان ونقوم بعمل رائع. نحن نساعد الناس. لكن الأمور داخل المؤسسة لا تخلو من المعاناة”.7

“هل تشاركين في ذلك العمل الخارجي في أي وقت من الأوقات؟” سألت ميا.

“لا. نحن نعمل في المكاتب الخلفية فحسب. وظيفتنا هي مساعدة الناس الذين يمتلكون الخبرة في العمل الميداني في أداء واجباتهم”.

هبط قلبها. قررت ميا أنها يجب أن تبعث برسالة إلكترونية إلى شاؤول تطلب فيها الاجتماع به عبر الفيديو. وتفاجأت برده الذي جاء بعد أقل من ساعة وقال فيها إن لديه نصف ساعة متاحة في تمام الخامسة.

كانت ميا عازمة على التعبير عن خيبة أملها صراحة. حددت كيف كانت مهمتها الأولى صعبة دون مبرر، وكيف أنها لم تتواصل مع ميشيل إلا بشكل نادر، رغم أنها كانت تعتقد أن جزءاً من عملها يقتضي منها التشارك معه في وضع مؤشرات الأداء. “إضافة إلى أنه لا يبدو منفتحاً على فكرة قيامي بأي عمل إنساني مباشر، رغم أن هذا الأمر كان عاملاً أساسياً في انجذابي نحو هذه الوظيفة”، قالت ميا.

بدا شاؤول قلقاً. “أعلم ذلك وقد أخبرته بالأمر. لدي إحساس أن عمليات التدقيق هي مجرد خطوة أولى وأنك ستنخرطين في الأعمال الممتعة قريباً. ربما يكون قد نسي نقاشنا لأنه مشغول جداً في الوقت الحاضر”. طلب منها التحلي بالصبر ووعدها بالحديث مع ميشيل. “نحن محظوظون بوجودك معنا هنا يا ميا. دعينا نرى إذا كان بمقدورنا إحداث تغيير إيجابي”.8

رسالة غامضة

في ذلك المساء، كانت ميا تجلي الصحون بعد العشاء عندما ظهر إشعار على هاتفها ينبئها بوصول رسالة إلكترونية جديدة. كانت واردة من ميشيل. نادت ماتيو ليحضر إلى المطبخ ويسمع الرسالة: “عزيزتي ميا، أكتب لك لأُعلِمَكِ أنني قد تحدث إلى شاؤول هذا المساء. ناقشنا دورك وحالات عدم التطابق التي أدت إلى تجربة سلبية لديك. نظراً لمتطلبات منصبك، من الصعب عليّ أن اجتمع بانتظام مع جميع أعضاء فريقي، لكنني يسعدني تحديد موعد أسبوعي لتفقّد الأمور ودعمك. هناك عدد من المهام التي ستكون مفيدة كثيراً للمؤسسة وأود أن تظل في عهدتك. لكن قد تكون هناك بعض المسؤوليات الأخرى التي بوسعنا إضافتها وستكون أكثر توافقاً مع اهتماماتك. مع أطيب التمنيات، ميشيل”.

“مممممم”، قال ماتيو. “هل هو نادم لأنه كان مديراً سيئاً جداً منذ أن بدأت العمل، أم أنه غاضب منك لأنك تحدثت إلى شاؤول؟” فردّت عليه ميا قائلة: “لست واثقة من الإجابة”.

“هو يقول الأشياء الصائبة، لكن الرسالة الإلكترونية ذات نبرة شديدة البرودة والرسمية، لذلك لا أستطيع مقاومة الشعور الذي يقول لي إنه قد بعث بالرسالة فقط لأنه وقع في ورطة. ربما كان تجاوز ميشيل خطأ”.9

“حسناً، أنت حاولت الحديث إلى ميشيل ولم تحصلي على نتيجة. ومن الواضح أنه لم يفهم ما وعدك به شاؤول، لذلك هما بحاجة إلى أن يخوضا حديثاً معاً. حتى لو كان يقول كل هذا الكلام تحت الضغط، على الأقل هو يقوله”.

“ولكن هل بمقدوري أن أثق به؟ هل بوسعي الثقة بالمؤسسة؟ هي تتمتع بسمعة طيبة للغاية، ولكنها من الداخل تبدو في حالة فوضى”.

عانقها ماتيو قائلاً: “لم تكوني في حياتك من النوع الذي يتنازل. إذا كانت الأمور بهذا السوء، فربما حان الوقت لكي تضعي حداً لخسائرك وترحلي”.

“وماذا سأفعل؟ أحتاج إلى وظيفة”.

“بالطبع. فنحن نعتمد على دخلك. ولكن ماذا قالت مديرتك عندما غادرت “آزورو”؟ هي قالت إن بوسعك دائماً أن ترجعي”.

“أليس هذا ما يقوله الجميع؟”

“لا. هم كانوا يحبونك هناك”. ابتسمت ميا، لكنها كانت ما تزال تشعر أن هناك صراعاً يدور داخلها. “أعتقد أن بوسعي التواصل مع مكاتب التوظيف أيضاً”.

“كما ترين أنت لديك خيارات كثيرة”.

“أعلم ذلك. يجب عليّ أن أفكر ملياً فيما يتوجب عليّ فعله”.

“أنا هنا وجاهز للكلام معك كلما كنت بحاجة إليّ. وسوف أدعم قرارك”.

ملاحظات على دراسة الحالة

1- تُظهرُ الدراسات أن الموظفين الذين يتجاهلهم مدراؤهم يشعرون بحالة نفور أكبر مقارنة بالموظفين الذين يُعاملون معاملة مفرطة في السوء.

2- أحد الأسباب الأساسية لترك الموظفين المعينين حديثاً لوظائفهم هو الطريقة السيئة التي يُعرّفون بها على المؤسسة لدى دخولهم إليها. والمؤسسات التي لديها عمليات معيارية محددة للترحيب بالموظفين تسجل نسبة إنتاجية أعلى بواقع 62% لدى الموظفين الجدد، بينما تسجل نسبة احتفاظ بالوظيفة أعلى بمقدار 50% لدى الموظفين الجدد.

3- غالباً ما يعاني الموظفون المعرضون للتوتر من الإنهاك العاطفي، ما يصعّب عليهم مهمة إيجاد الطاقة اللازمة لتغيير أوضاعهم.

4- ما مقدار التسامح الذي يجب على ميا أن تبديه مع ميشيل لأن المكتب قد افتتح حديثاً؟

5- بعض خبراء الموارد البشرية يقولون إن الموظفين وقبل استلام وظيفة جديدة يركزون على مستقبل وظيفتهم أكثر من تركيزهم على المهام الفعلية التي سينجزونها – وهذا غالباً هو سبب شعورهم بخيبة الأمل.

6- كيف يجب على ميا أن تتعامل مع مدير يغلق الأبواب في وجهها؟

7- هل تجربة ميا السلبية ناجمة عن سوء القيادة، أم سوء التعريف الأولي بالمؤسسة، أم الهيكل التنظيمي للمؤسسية، أم هذه العوامل الثلاثة مجتمعة؟

8- هل توقعات ميا مرتفعة زيادة عن اللزوم؟

9- يقول خبراء القيادة إن فكرة محاولة الحديث مع مدير جديد بخصوص الأشياء التي تعاني منها هي فكرة جيدة. لكنهم يقولون أيضاً إن المدراء السيئين نادراً ما يكونون منفتحين على سماع الآراء التقويمية بخصوص النقاط الفاشلة لديهم.

 

رأي الخبراء

هل يجب على ميا أن تبقى في وظيفتها أم تبحث عن وظيفة جديدة؟

لورين باراكو (Lauren Barraco): مديرة تسويق المنتجات في “سيندوسو” (Sendoso).

إذا كنت لا تفضل وضعك الحالي، فإنك تمتلك القوة لتغييره.

أنا أشجع ميا على أن تبدأ بالسعي بحثاً عن وظيفة جديدة. فهي بحاجة إلى أن تعيد النظر في تجربتها السلبية في “ريسكيو” بحيث ترى فيها فرصة لتدرس الأشياء التي ستمنحها السعادة حقاً. هل تريد أن تكون أكثر انخراطاً في مسار مهني يشمل العمل الميداني؟ هل بيئة العمل المكتبية التي تضم إضاءة طبيعية ومكاتب بالطول (في مقابل مكان مظلم مليء بالحجيرات الصغيرة) هي شيء مهم بالنسبة لصحتها النفسية؟

نحن نعلم أصلاً أنها مرشحة ممتازة قابلة للتسويق. فقد استقطِبت وعُرِض عليها ضعف الراتب للعمل في مؤسسة محترمة لا تتوخى الربح. وبما أنها تحصل على دخل ثابت، فإن لديها الوقت لتنتهج مقاربة استراتيجية وتدرس خيارات لشغل وظائف أخرى. البحث عن عمل هو عمل بحد ذاته، لكنه سيستحق العناء، إذا ما تمكنت ميا من العثور على عمل أنسب لأهدافها واحتياجاتها الشخصية.

أنا شخصياً مررت بوضع مشابه. فقبل عدة سنوات، انضممت إلى مؤسسة إخبارية مرموقة. وحالها حال “ريسكيو” كانت مؤسسة كبيرة تعاني من مشاكل بيروقراطية جدية. لم تكن العمليات فيها سلسة، وكان الناس بحاجة إلى الحصول على الموافقات على عدة مستويات لكي ينجزوا المهام. كان غياب المرونة يعني معاناة المؤسسة في تطوير موظفيها.

نتيجة لذلك، كان لدي أنا ومديري توقعات مختلفة بخصوص دوري. ميا تواجه الشيء ذاته. في المؤسسة البيروقراطية، قد يستغرق تغير الوضع في غياب المدير الداعم أشهراً، بل وحتى سنوات. كما أن الرسالة الإلكترونية الباردة التي بعث بها ميشيل تعني ضمناً انزعاجه من تجاوز ميا له، وهذا ناقوس خطر يدل على أنه قد لا يكون منفتحاً على التغيير. حتى لو كانت أسبابه مبررة، فإن علاقتهما ستظل مُرهِقة عاطفياً ربما لميا.

ما تستطيع ميا التحكم به هو ردود أفعالها. بوسعها أن تفكر فيما تبحث عنه في بيئة العمل وثقافة العمل وأن ترسم خارطة طريق تقودها إلى المكان الذي تريد أن تكون فيه بعد خمس أو عشر سنوات. بمقدورها تحديث سيرتها الذاتية وسرد قصة تشرح بها سبب بقائها لفترة قصيرة في “ريسكيو”. أنا أوصيها بإخبار الحقيقة كأن تقول: “عيّنت في المؤسسة، ولكن في نهاية المطاف كان هناك عدم تطابق بين الدور الذي قيل لي إنني سأؤديه والعمل الذي كنت أنجزه”. هي ليست بحاجة إلى الخوض في الكثير من التفاصيل.

تركت المؤسسة الإعلامية منذ سنوات طويلة وعثرت على وظيفة في شركة أصغر بكثير كانت ثقافتها تناسبني أكثر. كما أنني مُنحْتُ فرصاً أكثر لأداء أدوار قيادية، وهذا الشيء سمح لي أن انطلق في مسيرتي المهنية على المدى البعيد. في وقت لاحق، عرفت أن المشاكل البنيوية التي كانت تعاني منها المؤسسة الإعلامية أدت في نهاية المطاف إلى الإضرار بها لأنها لم تكن قادرة على مواكبة التكنولوجيات المتغيرة.

إذا بقيت ميا في “ريسكيو”، فإنها معرّضة لخطر المراوحة في المكان وإيقاف عجلة تطورها المهني. يجب أن تكون شخصاً قادراً على الانطلاق بذاتها ويجب أن تعطي الأولوية لسعادتها.

دانييلا بينداك (Danielle Piendak): مديرة إدارة التبرعات المقدمة من الأفراد ومعلومات المتبرعين في مؤسسة “ناينتي سكند ستريت واي” (92nd Street Y).

يجب على ميا أن تبقى في “ريسكيو” لفترة أطول قليلاً.

لم يمر على عملها في المؤسسة سوى شهر ويجب أن تمنح نفسها المزيد من الوقت.

أنا أشجعها على إعادة النظر في دوافعها الأصلية لتولي هذا المنصب. أولاً، المؤسسة أكثر توافقاً بكثير مع اهتمامها بالعمل الإنساني بالمقارنة مع ما كان عليه الحال في “أزورو”. ورغم أنني أتفهم سعادتها الكبيرة باحتمال نزولها للعمل في الميدان، لكنها سرعان ما سوف تدرك الدور الحاسم للموظفين الداخليين مثلها في إمكانية إنجاز هذا العمل. فالمؤسسات التي لا تتوخى الربح تعتمد اليوم على البيانات القوية وتحليلاتها للمحافظة على تنافسيتها في مجالات عملها ولتقديم تقارير صحيحة ومسندة بالبراهين إلى شركائها.

ثانياً، هذا المنصب يتسم بقدر أكبر من التحدي مقارنة مع منصبها السابق. فهي تتولى مسؤوليات جديدة ومختلفة، وهذا الأمر لا يخلو بطبيعته من فترة من عدم الراحة. لكن ذلك أمر طبيعي. ففي نهاية المطاف، سوف تساعدها هذه الوظيفة على توسيع قدراتها بطرق لم يوفرها لها منصبها السابق. وسوف تتمكن من تعزيز مهاراتها في مجال تشعر بالشغف تجاهه.

دون توجيه أصابع اللوم إلى أي كان بالتحديد، يبدو أنه كانت هناك بعض الإخفاقات التي حصلت في عملية المقابلة، وهي قادت إلى حالة من عدم التطابق بين توقعات ميا وتوقعات ميشيل. لا يبدو لي أن هذا الشيء ناجم عن ضعف قيادة أو مشكلة تتعلق بالهيكل التنظيمي في المؤسسة، وأي منهما سيكون مبعث قلق أكبر.

كما هو مكتوب في التوصيف الوظيفي لمنصب ميا – إعداد أنظمة البيانات وتحديد مؤشرات أساسية للأداء – فإن هذه الوظيفة داخلية للغاية. لو كان بمقدورنا العودة شهراً إلى الوراء، لكنت قد طلبت منها توخي الحذر وإلقاء نظرة وثيقة لتحديد المهمة التي وظفت لتنجزها بالضبط وتوضيح مسؤولياتها اليومية. فعلى سبيل المثال، “هل تحديد مؤشرات أساسية للأداء يعني أنني سأذهب إلى الميدان، أم أن هذا الشيء سيحصل في المكتب؟”

ما تستطيع ميا فعله الآن هو مراجعة التوصيف الوظيفي من جديد لترى ما إذا كان يتطابق مع المهام الموكلة إليها حتى الآن. فالمعنيون بالتوظيف عادة ما يُعطون الوعود بتوسيع المناصب عندما يحاولون استقطاب المرشحين، وبما أن شاؤول كان قد وعد ميا فعلاً بالعمل الميداني، فإن هناك مسؤولية تقع على عاتق ميشيل بالإيفاء بهذا الوعد. ولا بد من توضيح متى وكيف سيحصل ذلك.

إنها علامة جيدة أن ميشيل قد تطرّق إلى هذا الموضوع مباشرة، حتى لو كان قد فعل ذلك في رسالة إلكترونية. ربما يكون قد أقدم على هذه الخطوة على مضض، لكنه على ما يبدو يمد إلى ميا غصن الزيتون، ويعطي فرصة للطرفين للتوصل إلى تفاهم.

إذا ما اختارت ميا البقاء في الشركة لمدة ستة أشهر على الأقل، فسيكون بوسعها اتخاذ خطوات صغيرة واستباقية لتحسين وضعها. فمسؤولية ميشيل تحتم عليه تخصيص وقت معيّن كل أسبوع لمراجعة أداء الموظفين معهم، لكن واجب ميا يقتضي أن تكون هي من يحدد جدول أعمال هذه الاجتماعات. وقبل أن تذهب إلى هذه الاجتماعات، ينبغي لها أن تحدد ما تريد مناقشته، بما في ذلك الأسئلة التي لديها بخصوص المشاريع المقبلة وكيفية التغلب على التحديات التي قد تواجهها. هي بحاجة إلى أخذ زمام المبادرة للحصول على الإرشاد والتوجيه من ميشيل عوضاً عن أن تنتظره لكي يقدّمهما. فإذا ما ظلت غير سعيد في منصبها بعد مرور ستة أشهر، فإنها ربما تكون ساعتها بحاجة إلى التفكير في احتمالات أخرى. لكنها ستخرج وهي مزودة بسيرة ذاتية أقوى ومجموعة مهارات أفضل ما سيضعها في موقع تكون لديها فيه خيارات أكثر.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .