منذ انضمامه إلى شركة كلاينر بيركنز (Kleiner Perkins) في العام 1980، ساهم المستثمر الجريء جون دوير في تمويل شركات مثل إنتويت (Intuit)، وأمازون وجوجل وتويتر وعدد كبير من الشركات التقنية المعروفة، حيث كانت العديد من هذه الشركات تستخدم نظام إعداد أهداف يدعوه دوير بـ: "أو كي أر" (OKR) وهو اختصار لكلمتي "الأهداف" (objectives) و"النتائج الرئيسية" (key results). ويحتوي كتابه الذي صدر حديثاً، "قياس ما يهمّ بالفعل" (Measure What Matters) تحليله لكيفية عمل هذا النظام ولماذا هو ناجح، فضلاً عن دراسات حالة للرواد الذين تبنوه وعملوا به، من ضمنهم بيل غيتس ولاري بيج وبونو (Bono). وبهذا الصدد، استضفنا جون دوير في هارفارد بزنس ريفيو للحديث عن شغفه في وضع الأهداف وتحقيقها. وفي ما يلي مقتطفات من اللقاء الذي أجريناه معه:

هارفارد بزنس ريفيو: لماذا كتبت هذا الكتاب؟

دوير: قدمت إلى وادي السيليكون في منتصف السبعينيات، وحصلت هناك على وظيفة في شركة إنتل. وقد كان ذلك الوقت فترة نشطة جداً في حياة الشركة. لأنهم كانوا قد اخترعوا للتو الرقاقة الإلكترونية الدقيقة (microchip)، والتي أصبحت أساس الحواسيب الشخصية في وقت لاحق. حظيت هناك بشرف أن أتتلمذ على يدي أندي جروف، وهو أحد المدراء العظماء في زمنه، وفي أي زمن آخر. أنشأ أندي هذا النظام لوضع الأهداف والذي كان بسيطاً بشكل مضلل، وفي ذات الوقت النقيض التام لأنظمة الإدارة التقليدية باستخدام الأهداف والتي تعرف اختصاراً بـ: "أم بي أو" (MBO)، والتي ترتبط عادة بالمنهجية "من الأعلى إلى الأسفل"، وتكون هرمية وتستند إلى التعويضات.

وعندما غادرت شركة إنتل سنة 1980 لمساعدة الآخرين في إطلاق شركاتهم وكذلك لأنشئ شركتي الخاصة، أخذت معي العرض التقديمي الذي كان يستخدمه أندي في نظام الأهداف والنتائج، حيث كان يضم 30 شريحة أو نحو ذلك. وعلى مدى عقود قليلة، أعطيت هذا العرض التقديمي لمئة مؤسسة أو أكثر، حيث تبنته بعضها في ما رفضته أخرى. وبهذا الصدد، أحدث هذا النظام أثراً كبيراً على بعض المؤسسات التي تبنته، وهكذا أردت أن أشارك ما تعلمته من هذه العملية.

كيف يعمل هذا النظام؟

يتمثل الهدف في ما أريد أن أحققه. في ما تمثل النتائج الرئيسية الطريقة التي سأقوم بها بتحقيقه. غالباً ما تبقى الأهداف لفترة أطول. وتكون جريئة وطموحة. في ما تتعلق النتائج الرئيسية بالنضال، تكون دائماً قابلة للقياس، ومرتبطة بالوقت ومحدودة العدد.

وبهذا الصدد، تتمثل إحدى نقاط قوة هذا النظام في قدرتك، في أي مستوى من مستويات المؤسسة أو الشركة أن تضع هدفين أو ثلاثة فقط أو ربما أربعة أو خمسة بالكثير. وثلاثة أو أربعة من النتائج الرئيسية. وهذه الأمور تتطلب صرامة وانضباطاً في تحديدها، لأنها أهم العناصر التي تجري في المؤسسة. وبالمناسبة، لا يمثل هذا النظام المجموع الإجمالي للمهام. كما أنه لا يمثل نظام العمل في المؤسسة أيضاً. بل يمثل ما الذي نعتبره نحن كفريق عمل أنه موضوع يحتاج تركيزاً خاصاً، وأنه بالفعل أمر مهم. ولما كنت في شركة إنتل، كان أندي جروف يجعلنا نرسل (الأهداف والنتائج الرئيسية) الخاصة بنا خارج مكاتبنا، بحيث يستطيع الجميع الاطلاع عليها ورؤيتها.

نعرف أنّ شركات ومؤسسات مثل جوجل وإنتويت ومؤسسة غيتس تعمل بهذا النظام. لماذا رفضت المؤسسات الأخرى تبنيه؟

بالنسبة للعديد من المؤسسات، يعتبر تهديد الثقافة المؤسساتية والضعف الذي يأتي مع الشفافية، وهذا النوع من المسؤولية المترتب عن كشف الأهداف، تغييراً كبيراً لا يمكن تحمله. وحتى لو رغبت إحدى المؤسسات في العمل به، أنصحها بشدة ألا تطبقه بين ليلة وضحاها أو أن تجعل 50,000 موظف -على سبيل المثال- يقومون بذلك. معظم الشركات التي تبنته تبدأ برائد يطبق هذه المنهجية. فإن وجدت القائد غير ملتزم به، فلا تزعج نفسك. لا تحاول تطبيقه لأنه لن ينجح. وابقَ مع منهجية العمل التي تستخدمها.

نجد أنّ معظم الأمثلة ضمن الكتاب هي أمثلة عن شركات ناشئة. هل قامت بعض الشركات البارزة بتطبيق هذا النظام بنجاح؟

نعم، هناك شركات بارزة طبقته بنجاح. ولا أخفيك أني متحمس جداً بشأن الموضوع لدرجة أني أسست شركة سميتها باتر ووركس (BetterWorks) مهمتها مساعدة الشركات على تطبيقه. نجح هذا النظام في شركة بي أم دبيلو وشنايدر إلكتريك (Schneider Electric). وفي هذا الجانب، نجد أنّ كثيراً جداً من الرؤساء التنفيذيين لهذه الشركات يودون إجراء تغيير في ثقافة الشركة، وهم يدركون أن امتلاك أداة تعزز هذا التغيير من خلال سلوكيات جميع الموظفين المعنيين يعد مفتاحاً رئيسياً للقيام بذلك. أخبرني أحدهم مؤخراً، أنه لاحظ الموظفين العاملين في محلات هول فودز (Whole Foods)، الذين كانوا من جيل الألفية، يتفقدون "الأهداف والنتائج الرئيسية" الخاصة بهم على هواتفهم المحمولة. وهذا ليس مستغرباً، لأن شباب الألفية يميلون إلى معرفة كيف يبدو عملهم ضمن الصورة الكبيرة للشركة، ويريدون الحصول على ردود أفعال مستمرة على الدوام تقريباً، لكن من دون أن يفرض عليهم إشراف إداري يدقق في كل تفاصيل عملهم. لذلك تعتبر منهجية "الأهداف والنتائج الرئيسية" التي تعد نوعاً من النظام التوزيعي، حيث يستطيع فيه الموظفون أن يضعوا النتائج الرئيسية الخاصة بهم وتحقيقها ثم مشاركتها، منهجية مثالية بالنسبة لهم.

لاحظنا أنّ هذه الأهداف منفصلة عن قرارات التعويض والترقية التي تتخذها الشركات. لماذا؟

لأن نظام التعويضات والترقية يجعل الناس غير مرتاحين ومتوترين جداً. لكن بصفتك المدير إن لم تفعل ذلك، وقمت بدفع مكافآت نظير المجموع الإجمالي للأهداف والنتائج الرئيسية، فهذا سيؤدي حتماً إلى خفض التوقعات أثناء وضع الأهداف. وبهذا الصدد لن تحصل على المجازفة التي تريدها في الثقافة المؤسساتية. وبتطبيق هذه المنهجية، يستطيع فريق المبيعات أن يعد الأرقام، ويُدفع لهم عمولات بناء عليها وتكون في ذات الوقت جزءاً من النتائج الرئيسية مع ذلك ليس الغرض من الأهداف والنتائج الرئيسية تحديد المكافآت التي ستدفعها للموظفين.

وضعت الكثير من الشركات أهدافاً على مستوى المؤسسة، لكنها لم تترجمها إلى "أهداف ونتائج رئيسية" فردية. ما تعليقك؟

هذا صحيح، وهنا تبرز إحدى نقاط قوة المنهجية التي نحن بصددها، والمتمثلة في إسقاط وتوزيع الأهداف والنتائج الرئيسية إلى وحدات فردية. وضحت في كتابي أنّ هناك أربعة عناصر فائقة لهذه المنهجية. وبالتأمل في ذلك، أعتقد أنّ هناك خمس فوائد يمكن أن تحصل عليها باستخدام هذا النظام. يتمثل أولها في التركيز، لأنه عنصر محدود العدد. ثم يأتي "الترتيب" الذي تحتاجه بالفعل إذ لا بدّ عليك من ترتيب جميع الموظفين ووضعهم في الصورة. في ما يتمثل العنصر الفائق الثالث في الالتزام. عندما تقوم بوضع هذه الأهداف بشفافية، ويطلع عليها جميع زملائك في العمل، فسرعان ما سترى آثار الالتزام في الأداء. أما العنصر الفائق الرابع فيتمثل في تتبع التقدم المحرز. وهذا ما جعل بيل غيتس يستخدم هذا النظام في مؤسسة غيتس التي يديرها. والعنصر الفائق الخامس هو "التوسع". وفي هذا المجال، يعد لاري بيج مؤسس شركة جوجل المعلم الكبير لتسريع كل شيء بوتيرة (x10)، وتوسيعه إلى مدى أبعد. وبهذا الصدد سيقول أنه يفضّل أن يضع هدفاً للذهاب للمريخ، فإن لم ينجح في ذلك، فسنصل إلى القمر على أقل تقدير. وهذه هي الطريقة التي تجعلك تذهب للقمر (كناية عن تحقيق النجاح). التركيز والترتيب (وضع الأعضاء في الصورة)، التتبع والتوسع، وأنا أحب هذه الكلمات لأن أولها يمثل كلمة "حقائق" (FACTS) باللغة الإنجليزية. ولأنها سهلة التذكر.

عندما تفكر في تمويل إحدى الشركات الناشئة، هل تضع في اعتبارك استخدامها لنظام "الأهداف والنتائج الرئيسية"؟

كعضو في مجلس الإدارة أو كمستثمر أحث بشكل دائم وقوي الشركة والأشخاص على استخدامه، لكني لا أفرضه عليهم.

ما هو وجه الاختلاف في نظام "الأهداف والنتائج الرئيسية" أو بماذا يكمّل نظام الإدارة الرشيق؟

يقوم نظام الإدارة الرشيق بتوجيه عملك يوماً بعد يوم. أما نظام "الأهداف والنتائج الرئيسية" فلا يتحكم بسلوكك بشكل يومي. بوديّ أن أقول أنه يشبه أكثر عمليات التحقق الأسبوعية. في ذات الوقت لا تعتبر منهجية "الأهداف والنتائج الرئيسية" مجموعة من الأهداف توضع ثم تلقى في الأدراج وننساها. لأن الموظفين مهتمون حقاً بما إن كان الرئيس التنفيذي يطّلع على أهدافهم أم لا وما هو رأيه بشأنها. وفي هذا السياق، إن أراد أحد القادة طريقة يصل بها إلى جميع الموظفين بمختلف مستوياتهم، فمنهجية "الأهداف والنتائج الرئيسية" تعد أداة رائعة للقيام بذلك.

هل تستخدم منهجية "الأهداف والنتائج الرئيسية" في حياتك الشخصية؟

نعم، لأنها منهجية يمكنها العمل مع أي جدول أعمال. ولذلك لدي بالفعل مجموعة من الأهداف والنتائج الرئيسية الشخصية. وهي تتعلق في معظمها بشؤون العائلة. تدرس بناتي الآن في الجامعة، لكن قبل سنوات قرأت وصدّقت بأن الاجتماع العائلي حول مائدة العشاء معاً من الأمور الضرورية في العائلة السعيدة. لذلك كان من ضمن نتائجي الرئيسية حينذاك الحضور للمنزل لتناول العشاء بحلول السادسة مساء على الأقل 20 يوماً في الشهر، وأن أكون حاضراً بالفعل ومنتبهاً حيث كنا نضع هواتفنا في غرفة أخرى. وكان ذلك أمراً صعباً جداً في تنفيذه. حققت نسبة 70% من هذه النتيجة الرئيسية، وهي جيدة لأنها تعني وجودي في المنزل للعشاء لـ14 أو 15 يوماً في الشهر. وهذا مثال على كيفية تطبيق منهجية "الأهداف والنتائج الرئيسية" وصلاحيتها في أي جانب من جوانب الحياة الإنسانية. تعد عناصر هذه المنهجية أدوات شفافية يمكنها وصف أسئلة "ماذا" و"كيف". في ما تمثل القيم التي نضعها في هذه الأدوات الإجابة عن سؤال "لماذا؟".

ملاحظة المحرر: تم تحديث قائمة الشركات التي تعمل مع شركة باتر ووركس. تضمنت النسخة السابقة من هذا المقال شركة أنهايزر بوش (Anheuser-Busch) كأحد عملاء شركة باتر ووركس. وهو أمر خاطئ تم تصحيحه في هذه النسخة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!