من سوق الديرة إلى الشانزليزيه: كيف نقلت العربية للعود الروائح الشرقية إلى أنحاء العالم؟

6 دقائق
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

بدأت العربية للعود بهواية وشغف شخصي في عالم العطور، امتلكها والدي الشيخ عبد العزيز الجاسر منذ الصغر، حيث تميّز منذ نعومة أظافره بحسٍّ عال تجاه الروائح والعطور، لذلك كانت لديه هواية مزج أنواع مختلفة من العطور وابتكار “طبقات عطرية” فوّاحة جعلته محل ثقة من الأهل والأصدقاء لاختيار عطورهم وأعوادهم على ذوقه الخاص من الأسواق.

ومنذ ذلك الحين قرر الشيخ عبد العزيز الجاسر أن يحوّل هوايته وشغفه إلى عمل تجاري طموح اسمه “العربية للعود”.

كانت البداية في عام 1982، ومنها بدأت قصة نجاح ملهمة لرواد الأعمال في عالم العطور.

سأحدثكم في هذا المقال عن الدروس المستفادة من هذه الرحلة والتي أوصلت العربية للعود إلى دخول موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأكبر شركة لمبيعات العطور الفاخرة للجنسين في العالم، وعبر ما يزيد على 1,000 فرع في أكثر من 100 مدينة و أكثر من 36 دولة حول العالم.

وكيف ابتكرت شركة سعودية ذوقاً عطرياً وعالماً خاصاً بها من الروائح المتميّزة يحمل رسالة تتجاوز الثقافة السعودية لتعبّر عن الثقافة الخليجية والعربية في عالم العطور العالمي.

وكيف تطوّرت صناعة العطور في العربية للعود وانتقلت من الانتقاء الشخصي والذوقي للشيخ عبد العزيز الجاسر إلى ابتكار خلطات وروائح العطور عبر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بالاعتماد على بيانات دقيقة لاختيارات السوق وتفضيلات العملاء.

ما هو سوق الديرة؟

كان سوق العود المتعارف عليه في السعودية موجوداً بسوق الديرة، إذ كان سوقاً محدوداً يجمع كل بائعي العود والعطور المستخرجة من العود. لكن والدي قرر الخروج “عن المألوف” وافتتاح أول فرع في طريق الأمير عبدالله في حي الملز بالرياض في أوائل الثمانينيات، بعيداً عن هذه السوق التي تعدّ مركزاً مهماُ لتجارة العود في مدينة الرياض، وكان التُجار يشفقون عليه من هذه الفكرة قائلين: “هذا الشاب الصغير سيضيّع أمواله، هل هناك عاقل يترك الرزق هنا ليفتح محله في مكان بعيد عن هذه السوق النشطة في عالم العود والعطور؟”. لكن والدي كانت له رؤية بعيدة المدى تتعدى الرؤية السائدة آنذاك، رؤية تُشبه استراتيجية المحيط الأزرق التي تصف مبتكري الأسواق الجديدة، خاصة وأن قناعته كانت عدم وضع قيود لمجال نشاطه والتفكير المستمر في التوسّع عبر فئات جديدة من العملاء ومناطق جغرافية جديدة.

أثبتت المبيعات المُحققة لفرع العربية للعود الأوّل أن الشيخ عبد العزيز كان محقاً، إذ تزايد الطلب في محله في الرياض سريعاً، ما جعله يفتتح فرعاً تلو الآخر لينتشر سريعاً في المملكة في أواخر الثمانينيات، ويذهب لـ “التدويل” وفقاً لخطوات شبيهة بما يسمّيه المختصون نموذج أوبسالا للتوسع الدولي (Uppsala Model)، وهو نموذج يتمحور أساساً حول التوسّع عبر أقرب بلد مجاور، ثم البلد الذي يليه من حيث الحدود الجغرافية وهكذا دواليك. أول متجر خارج المملكة كان خلال بداية التسعينيات في دبي، لينتشر بعدها في كل الدول المجاورة، ويبدأ في بداية الألفية الثالثة بالتوسّع عبر أوروبا في لندن أولاً، ثم القارات الأخرى لتصبح الآن “العربية للعود” حاضرة بأكثر من 1,000 فرع في 100 مدينة في أكثر من 36 دولة حول العالم.

رحلة إرضاء الأذواق المحلية والعالمية

تعتمد صناعة العطور أساساً على أذواق العملاء، وبما أن طموح شركتنا لم يكن يقتصر على استهداف العميل المحلي أو العربي فحسب، فقد كانت مهمتنا أكثر صعوبة من زاوية إرضاء الأذواق المختلفة لعملائنا الأجانب، ولكنها أيضاً كانت مهمّة ثرية وممتعة، فالهدف الذي وضعناه جميعاً نصب أعيننا هو أن يجد كل عميل يدخل إلى أحد فروعنا، سواء في المملكة أو في القاهرة أو في نيويورك أو في لندن، ما يلامس ذوقه ويجعله سعيداً ومنتعشاً، أدركنا أن هذا هو التحدّي الحقيقي وقررنا أن ننجح فيه.

وكان للشيخ عبد العزيز الجاسر رؤية ثاقبة ومنظور استراتيجي حول العود لأنه مورد طبيعي قابل للنفاد، ما جعل البحث عن منتجات مكمّلة له خياراً ضرورياً إذا أريد للشركة البقاء في السوق المحلي والعالمي، لذلك قررنا أن نبدأ من مكان مختلف وهو ابتكار قسم البحث والتطوير، أوكلنا إليه مهمة غاية في الأهمية هي بناء القصة التي تروي رحلة العطور التي ننتجها، أي إنها مهمة أشبه ببناء “الحمض النووي لعلامتنا التجارية”، أضف إلى ذلك مجموعة من المهمات الأخرى مثل ابتكار العطور مخبرياً وعرضها على عينات مختلفة من مجموعات التركيز (Focus Groups) والعملاء لاستخلاص التقييمات الأولية، ثم دمج النتائج المستخلصة مع البيانات المجّمعة لدينا وآراء الخبراء، لنخرج بالمنتج المناسب الذي يغطي الأذواق السائدة ويمكنّنا من مسايرتها حسب الفترة الزمنية (الموضة السائدة) وحسب الفئة المستهدفة من العملاء (ذكور أو إناث أو فئات عمرية معينة وغير ذلك). هذه التوليفة من الخبرات والمهارات والموارد الطبيعية جعلت من الصعب جداً على أيّ منافس محتمل تقليدها، ما جعلنا سفراء للعطر الشرقي والغربي في العالم.

هواة العطور على الصعيد العالمي كانوا غير معتادين على المنتج الشرقي ولا العطر المستخرج من العود، لذلك نفخر بتقديمه إليهم بأفضل جودة ممكنة، لدرجة أن العطّارين العالميين كانوا يدخلون إلى محالنا ليعرفوا الجديد والرائج وكان هذا يمثل مصدراً حقيقياً لسعادتنا وإشارة واضحة على الإلهام الذي يستمدّه صنّاع العطور ومحبيه حول العالم في فروعنا.

توليفة الحفاظ على التميّز وسط سوق تنافسي شرس

وفقاً لتقارير السوق التي أجرتها شركات الأبحاث مثل نيلسون (Nelson) ويورومونيتور (Euromonitor)، فإن شركتنا تترأس المرتبة الأولى في تصنيف شركات العطور في منطقة الخليج وشمال إفريقيا، ويأتي بعدها في القائمة شركات عالمية مثل ديور وشانيل في المرتبة الثالثة والرابعة على التوالي.

أحد أسرار تفوّق العربية للعود هو اتباعها أعلى معايير الجودة حتى وإن لم تكن مطلوبة في سوق معينة، فعلى سبيل المثال، نعمل وفقاً لمعايير منظمة العطور العالمية (IFRA) التي تحدد معايير السلامة والصحة في صناعة العطور عالمياً، رغم أنها غير إجبارية في السعودية مثلاً. كما نحرص على الاهتمام بكل تفاصيل عملية الإنتاج، بداية من القصة الكامنة وراء العطر، مروراً بمكوّناته المميزة والتي تحوى مواد وتوليفات عطرية خاصة جداً وحصرية بالعربية للعود، يصعب على الشركات العطرية تحليل تركيبتها العطرية وتكوينها، فهي تُعدّ “ينبوع العطر” الذي يمكنك الاستمتاع به والتفرد برائحته لكن يتعذر الوصول إلى ماهيّته السرّية، هذا فضلاً عن التصاميم الأنيقة والتغليف الراقي الذي يعزّز من تفّردنا وتفوقنا، لأننا نؤمن أنّ مختلف حواس الإنسان مثل البصر واللمس تشارك حاسة الشمّ في جمال التجربة العطرية وخلق ذكريات جميلة تبقى محفورة في ذاكرة الإنسان، وهذا ما يسمّيه الخبراء “الذكاء الجمالي”.

تحسين تجربة العميل

يوجد جانب آخر لمجال عملنا تأثر كثيراً بالتكنولوجيا، حيث إن الذكاء الاصطناعي أصبح يؤدي دوراً يساعد العطّارين أو المنتجين في ابتكار نكهات جديدة مميّزة بناء على النكهات التي حققت نجاحات سابقة، إضافةً الى اهتمامنا الكبير باستراتيجية القنوات المتعددة (Omni-Channel) والتي تسعى إلى تعزيز علاقات أفضل مع عملائنا من خلال دمج جميع قنواتنا بسلاسة وجعل تكتيكات التسويق المتعددة تعمل معاً بفعالية وكفاءة، حيث استثمرنا في تهئية نظام موحد لاستخدام هذه الاستراتيجية في تحسين تجربة عملائنا ومن خلال فهم كيفية تسوقهم وتتبع أسلوبهم في رحلة عملية التسوق وإجراء عملية الشراء مع المزيد من نقاط التواصل التي تدعم التكنولوجيا وفرص تجربة تسوق فريدة.

وكذلك من الاهتمامات تحسين تجربة وقت التوصيل لطلبات الشراء عبر المتجر الإلكتروني. وفي سبيل تحقيق هذا التحسين استثمرنا في الانتشار الواسع لفروع العربية للعود وربطناها بنظام تكنولوجي ذكي يستطيع أن يوجّه طلب العميل من الموقع الإلكتروني أو التطبيق الى أقرب فرع له، حتى يتسلمه من الفرع  أو يتم توصيله إلى موقعه خلال مدة 30 دقيقة فقط.

كما نفخر بأن لدينا أكثر من 3 مليون عميل نشِط نتفاعل معهم بانتظام وفقاً لأذواقهم ومناسباتهم واقتراح ما يلائم احتياجاتهم المختلفة، وهدفنا أن نصنع معهم ذكريات تخلد في الذاكرة بتأثير رائحة عطورنا.

الهدف الذي وضعناه جميعاً نصب أعيننا هو أن يجد كل عميل يدخل إلى أحد فروعنا، سواء في المملكة أو في القاهرة أو في نيويورك أو في لندن ما يلامس ذوقه ويجعله سعيداً ومنتعشاً.

الحوكمة ممارسة وليست مجرد كلمات رنانة

اعتمد الشيخ عبد العزيز الجاسر في إدارته على سياسة الإنصات والاستماع إلى آراء الآخرين، ونحن بدورنا نشأنا في هذه البيئة الحية والثرية والتي تتقبل تعدد الآراء والأفكار وترحب بها، وبالتالي كان تطبيق ممارسات الحوكمة أمراً يسيراً ومألوفاً بالنسبة لنا. إضافة إلى ذلك، تخضع جميع القرارات للتصويت بدءاً من أعظم قرار استراتيجي كقرار الاستحواذ على شركات في السوق وصولاً إلى قرار طرح منتج جديد يتم عرضه داخل فروع الشركة.

الأمر الآخر الذي نحرص عليه في العربية للعود هو خلق بيئة عمل جاذبة، إذ أن صناعتنا 100% بأيادي سعودية، فمثلاً مصانعنا بالرياض تضم أكثر من 100 موظفة، حيث تعمل المرأة السعودية في المصنع في بيئة نسائية متكاملة ويتوفر لها جميع وسائل السلامة والأمان وقد أثبتت كفاءةً وتميزاً في مواقع متعددة ومهمة كالإدارة العامة للمصنع، والإشراف على عمليات الإنتاج، والتعبئة وضبط الجودة، والتعليب والتغليف. وتسعى “العربية للعود” أيضاً إلى توفير المزيد من الدعم والتسهيلات لموظفاتها بغية تشجيعهن على النجاح والتميز. ومن أجل راحة الأمهات حرصنا على توفير حضانة للأطفال داخل المصنع لتقوم الأمهات بوضع أطفالهن في بيئة مناسبة وآمنة خلال فترة العمل، ولتسهيل عملية التنقل وفرنا لهن وسائل مواصلات تنقلهن من وإلى المنزل بصحبة أطفالهن.

طموح بلا توقف 

نجحنا في تحقيق حضور عالمي مؤثر، ونستعد من خلال توسّع عالمي كبير لطرح العربية للعود للاكتتاب العام خلال السنوات القليلة القادمة، فلدينا على سبيل المثال، 14 فرعاً في مصر، و9 فروع في ماليزيا، و7 فروع في فرنسا، و5 في الولايات المتحدة، و4 في بريطانيا، و2 في هولندا وغيرها الكثير، وما زالت شركتنا في طور التوسع على أكثر من مستوى.

فيما يخص كيفية التوسّع، فنعتمد على عدة معايير أهمها الموقع الجغرافي؛ إذ نفتتح محلاتنا في أهم موقع في المدينة المستهدفة، مثل “أوكسفورد ستريت” و”جادة الشانزليزيه” “تايم سكوير”، بالإضافة إلى الاعتماد على البيانات المؤتمتة التي تعطينا معلومات قيّمة عن الأماكن التي يوجد بها حركة تسوق مزدحمة، مثل مدينة نيس في فرنسا.

وبالنسبة لأسلوبنا التوسعي في دول العالم، فنعتمد بالإضافة إلى استراتيجية التدويل على محورين مهمين في فتح محلات في أسواق عالمية جديدة:

المحور الأول: الاستثمار المباشر وهو ما اعتمدنا عليه في التوسع العالمي بافتتاح الفروع بإشراف مباشر من السعودية.

المحور الثاني: منح حق الامتياز (Franchise).

وقّعنا على اتفاقيات تعاون مع شركاء في كوستاريكا وكولومبيا وبنما، ونتفاوض مع شريك بالهند وآخر بإندونيسيا. كل شيء صار جاهزاً للمضي قدماً في هذه الشراكات، فلدينا دليل جاهز سلفاً لمعاييرنا التي يجب أن يحترمها شركاؤنا في دول العالم إذا أرادوا استخدام علامتنا التجارية، بالإضافة إلى فِرق دعم مالي وفني وتسويقي نتوقعها من شركائنا ونوفرها لهم.

سر تميّزنا الحالي والمستقبلي في العربية للعود هو أننا لا نبيع مجرد زجاجة عطر وإنما نبيع القصة وراءها، والأثر الذي تُحدثه، إذ نهدف أن نشكّل بصمة في حياة كل عميل لدينا.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!