كان إعصار ساندي يتجه نحو الساحل والتقارير الإخبارية لم تكن تنذر بخير، إذ كانت تُنبئ جميعها بأنّ هذا الإعصار سيكون الأسوأ في منطقة الشمال الشرقي، ربما على الإطلاق. وذلك نتيجة لمجموعة من العوامل، حيث كان الإعصار بطيء الحركة وواسع الانتشار، واندمج مع عاصفة شتوية قادمة من الغرب ورياح باردة قادمة من الشمال، ووصل إلى اليابسة مع ارتفاع شديد في المد والجزر بسبب اكتمال القمر. كل ذلك ربما يؤدي إلى فيضانات كارثية كبيرة ومعاناة ملايين الأشخاص من انقطاع التيار الكهربائي وحدوث خسائر مادية تقدر بمليارات الدولارات وخسائر كبيرة في الأرواح.

في تلك الأثناء، كان أطفالي سعداء عندما تأكد خبر إغلاق المدارس يوم الاثنين. كانوا يصرخون من البهجة وبدؤوا يضعون الخطط لقضاء الإجازة، فحددوا عدد الساعات التي سيقضونها في مشاهدة التلفاز وكميات الحلوى التي سيتناولونها. كانوا متحمسين جداً أثناء استعدادنا للإعصار بالتسوق لشراء الطعام والمؤن وتعبئة الزجاجات بالماء ووضع الشموع في الغرف والتواصل مع الجيران. كنا نستمع إلى التقارير الإخبارية ونتابع حركة الإعصار عبر الإنترنت. كانت المدينة تضج بالحركة والنشاط أثناء استعداد سكانها للإعصار.

الآن، نحن في صباح اليوم التالي، وحدث الإعصار، وفي الحقيقة دمّر المدينة بالكامل. عندما قمت بتشغيل الكمبيوتر، وكنت محظوظاً لعدم انقطاع الكهرباء، رأيت أنّ المياه غمرت الأنفاق وحدثت حرائق هائلة دمرت 50 منزلاً في منطقة روكاواي وانقطعت الكهرباء عن ملايين الأشخاص. لم أتمالك دموعي عندما قرأت أنّ شجرة سقطت على منزل في مقاطعة ويستتشيستر وقتلت طفلين أحدهما يبلغ 11 عاماً والآخر 13 عاماً.

ولازلت، حتى هذه اللحظة، أسمع أطفالي في الخارج يضحكون ويلعبون “تجمد مكانك” و”الغميضة”، كانوا يستمتعون بإجازة إضافية من المدرسة. ولا يزال هذا الموقف يرسم الابتسامة على وجهي.

هذه القصة ليست بسيطة إطلاقاً، فما أشعر به ليس شعورين مختلفين يأتي أحدهما تلو الآخر، بل أشعر بالألم والسعادة في الوقت ذاته. لا أشعر بهما بالقدر نفسه، ولكنهما يحدثان معاً.

وما يزيد الموقف تعقيداً، هو أنّ السعادة التي أشعر بها ليست نتيجة إحساسي بالراحة للنجاة من الدمار، رغم أنني أشعر بذلك أيضاً.

فالحزن والسعادة اللذان أشعر بهما حدثا بسبب الإعصار، الحزن على ما حدث من دمار والسعادة نتيجة لليوم الذي قضيته مع أطفالي.

يشعرني ما أكتبه أنني قاسي القلب.

ولكن هذه هي طبيعة المشاعر وطبيعة الحياة. فكثيراً ما يثير الموقف ذاته مشاعر متضاربة.

فمثلاً، عند تسريح بعض زملائك في العمل، ربما تشعر بالحزن والغضب والإحباط والخسارة، وتشعر أيضاً بالراحة لأنك لست من بين المغادرين. وهذه المشاعر يمكنك تقبلها بسهولة، لكنك تشعر كذلك بالحماسة، حيث أصبحت لديك فرصة لتولي أحد مناصبهم، أو تشعر بالسعادة لمغادرة شخص لم تحبه قط.

وبعدها، تشعر بالخزي من نفسك لإحساسك بالسعادة والحماسة. في الحقيقة، تشعر بالخزي الشديد لدرجة ألا تعترف حتى لنفسك بأنك تشعر بالسعادة والحماسة، حيث يبدو من غير اللائق أن تشعر بالسعادة حيال أمر يسبب الألم لغيرك.

والمشكلة في ذلك هي أنّ المشاعر المكبوتة تتسرب وتخرج بطريقة غير ملائمة وغادرة، فالمشاعر طاقة إذا لم تظهرها تنحبس في جسمك وتعاود الظهور، ولكن غالباً تأتي في صورة أُخرى.

ومن هذه الصور الآلام العضوية، إذ تشعر بتشنج في رقبتك وألم في ظهرك، أو تصاب بالمرض. ولكن، ليست هذه الخدعة الوحيدة للمشاعر المكبوتة.

فمثلاً، تعبّر زميلة لك في هذا الموقف عن حماستها للفرصة المتاحة الآن أمامها بعد تسريح البعض، فتثير حنقك وترد عليها بغضب شديد لعدم مبالاتها. فلماذا تفعل ذلك؟ ربما لعدم مراعاتها لشعور الآخرين. أمّا إذا كان غضبك مبالغاً فيه قليلاً، فقد يكون نتيجة شعورك بالخزي لمشاركتها الإحساس ذاته. وتبتعد عنها لأنك تحاول الابتعاد عن هذا الإحساس بداخلك.

الآن، أنت تعتبرها بلا قلب ولا مبالية ومتحجرة المشاعر. وأصبحت لا تثق بها. وبعد ذلك تضيع فرصة معها، وتفقد صديقة للأبد. وبعدها، تعزل نفسك أكثر عن مشاعرك وتكبتها أكثر في أعماقك، وعندها تزداد احتمالية إصابتك بالمرض أو التعرض لنوبة غضب أُخرى. وبالتالي، تنفر الناس منك أكثر فأكثر.

وهناك بديل آخر، وهو عبارة عن مهارة تجعلك تعيش بصحة جيدة وتحيا حياة هانئة، وهذه المهارة هي الإحساس بكل شيء.

لا يوجد شعور يتنافى مع شعور آخر، وإنما فقط يجعله شعوراً معقداً. فسعادتي لقضاء يوم مع أسرتي ومراقبة سرورهم وحماستهم لم ينف شعوري بالألم لما حدث من دمار خلّفه الإعصار، ولكنه زاده تعقيداً فحسب.

وإليكم الفكرة، لا يعني الإحساس بكل شيء عن كل شيء.

يعتبر الإحساس بكل شيء أمراً مناسباً تماماً، بل وضرورياً أيضاً. لكن ذلك لا يعني أنه من المناسب أن تُعرب عن ذلك الإحساس لجميع من حولك دون تمييز. إذاً، فماذا عليك أن تفعل؟

  1. اشعر، واعترف لنفسك، بكل ما تحس به

اشعر به من أعماقك، ولا تراقب أي شيء أو تتغاض عنه. فمن غير الطبيعي أن تشعر بإحساس واحد بسيط بداخلك، والطبيعي هو أنّ المشاعر تأتي متداخلة ومختلطة معاً، كأن تشعر بالألم والسعادة، والفرح والحزن، والحماسة والخوف. تجرأ واشعر بها جميعاً دون استثناء أي منها. واعترف أنّ عقلك البشري لا يتمكن من ترتيب كل شيء فليس من الضروري أن تكون منطقية أو تبدو جيدة.

  1. اعرف من يمكنك ائتمانه وإظهار شخصيتك الكاملة والمعقدة أمامه، وثق به

نحتاج جميعاً إلى شخص واحد على الأقل في حياتنا يمكننا الوثوق به وإظهار مكنونات أنفسنا إليه. شخص لا يحكم عليك من تصرفاتك ولا يتغير رأيه فيك بل يزداد عمقاً كلما أظهرت طبيعتك أمامه. ربما يكون هذا الشخص لدى البعض زوج أو زوجة أو صديق مقرب. وإذا لم يكن لديك مثل هذا الشخص، فيمكنك المجازفة بكشف مكنون نفسك إلى شخص يمكنك الوثوق به. وإذا بدا لك ذلك غير آمن، فيمكنك قصد معالج مختص لمساعدتك على تقبّل جميع ما تشعر به. ومرة أُخرى، لا تحاول أن تراقب نفسك.

  1. فكر فيمن يستمع إليك قبل البوح بمشاعرك إليه

تُعتبر هذه النقطة دائماً فكرة سديدة ولكنها تُصبح أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بالمشاعر المعقدة والمتضاربة. أولاً، يختلف موقف كل شخص عن الآخر وبالتالي تختلف المشاعر كذلك. فمثلاً، إذا تم تسريح شخص ما من العمل مؤخراً، فمن المؤكد تقريباً، وبطبيعة الحال، أنه سيشعر بالاستياء من أي مشاعر إيجابية لديك. سوف تجد أنّ معظم الناس يكبتون مشاعرهم ثم يهاجمونك لأنك تقبلت ما بداخلك من مشاعر. فإذا لم تكن واثقاً فيمن تتحدث إليه، فمن الأفضل ألا تقل سوى القليل أو لا تقل شيئاً على الإطلاق. وهنا، يُصبح من الأفضل، بل والأذكى، أن تراقب نفسك.

أنا الآن ذاهب مع أطفالي في جولة إلى حديقة سينترال بارك لنرى الأشجار التي سقطت ونشهد الدمار الذي خلّفه الإعصار. سوف أخبرهم بما أشعر به من ألم لما يعانيه أناس غيرنا من آثار الإعصار، وسأظهر لهم امتناني لنجاتنا منه، وأعبّر لهم عن إدراكي للنعمة الكبيرة بأنّ لدينا منزل دافئ وآمن احتمينا به. كما أنني سوف أُشاركهم سعادتهم وأضحك وألهو معهم تحت المطر وأرش ماء البرك معهم، ونستمتع معاً بيوم إجازة إضافي من المدرسة.

ربما يبدو الاعتراف بذلك وكتابته ونشره مجازفة، أخشى أن يُحكم عليّ من خلالها.

ولكن ما أخشاه أكثر هو البديل الآخر، وهو العيش في عالم لا يقبل سوى بعض المشاعر، بينما تُخزّن المشاعر الأُخرى في أعماقنا، حتى تطغى مشاعرنا الممزقة والمهملة بداخلنا على مشاعرنا المقبولة التي نعترف بها. وتكون النتيجة، إما أن ننفجر أو ندمر أنفسنا.

وهذا ما أشعر به، وما أكتبه، وما أنشره.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!