منذ أن التقيت بزوجتي وعلى مدى 23 عاماً، قضينا معاً أوقاتاً طويلة وأنفقنا أموالاً كثيرة وبذلنا الكثير من الطاقة على تطوير أنفسنا. قمنا بالالتحاق بورشات عمل ودراسة التأمل وممارسة اليوغا والكتابة في المجلات والتحدث عن أحلامنا والمشاركة في برامج للتدريب، كما خضعنا لجلسات علاج نفسي أيضاً. ومنذ عدة أسابيع، كنا نمشي في طريق ريفي ونتساءل عن سبب قيامنا بكل ذلك. هل عملنا على دواخلنا أم ما هو إلا مجرد تأمل ذاتي؟ وهل ينعكس على حياتنا بصورة حقيقية؟ وفي أثناء مناقشتنا لهذا السؤال، تجاوزنا منعطفاً وسمعنا أصوات حفل صاخبة آتية من منزل على جانب الطريق. وعندما اقتربنا من المنزل استطعنا رؤية حوالي 12 رجلاً جامعياً على الشرفة يضحكون. اضطرب جسدي واشتدت مشاعري. شعرت بمزيج من الخوف وانعدام الأمان والتنافس والغيرة. رأيت أنهم من النوع الذي يثير إعجاب زوجتي ويجذبها، فهم طويلو القامة أقوياء وواثقون من أنفسهم. وشعرت أنهم يتفوقون علي. وذلك ما جعلني أشعر بعدائية تجاههم. احتجت إلى أكثر من دقيقة كاملة لإدراك ما كنت أشعر به وسببه. استدرت إلى زوجتي وأخبرتها ما شعرت به فضحكت. ولكنها أيضاً شعرت بشيء من العدائية ورد فعل عاطفي غريزي فوري، ولكنه كان معاكساً لما شعرت به. فقد رأت أنهم بغيضون وأنانيون وذكوريون وغير جذابين. وشعرت أنها تتفوق عليهم. كما شعرت بالاستياء لاحتمال أن يصبح لهم نفوذ في عالمنا مستقبلاً. في تلك الثواني، حصل أمران يبدوان بسيطين ولكنهما غاية في الصعوبة والأهمية. فقد أدركنا ما كنا نشعر به وتحدثنا بشأنه. يُعتبر مجرد القدرة على الشعور إنجازاً بحد ذاته. فغالباً ما يبذل عقلنا الباطن جهداً كبيراً في تجاهل ما نشعر به لأنه يمكن أن يكون مؤلماً. لا أحد يرغب بأن يشعر بالخوف أو الغيرة أو انعدام الأمان. لذلك، نكبت شعورنا ونقنع أنفسنا بعدم وجوده، أو نشغل أنفسنا بأعمال غير مهمة أو بمحادثات قصيرة. ولكن عدم إدراكنا لشعور ما لن يجعله يختفي. بل على العكس تماماً، في الواقع، عدم إدراك الشعور يضمن بقاءه طويلاً. يجعل عدم الاعتراف المشاعر تغلي ببطء تحت السطح بانتظار أن تنفجر بوجه من لا يتوقعها ولا يستحقها. فعدم الرد من قبل مديرك على رسالتك يجعلك تشعر بالضعف، على الرغم من عدم اعترافك بذلك، وستجد نفسك في نهاية الأمر تصرخ بوجه أحد الموظفين لسبب لا علاقة له على الإطلاق. لماذا يحصل ذلك؟ لأن غضبك حبيس جسدك، وهو قوي ومؤلم ومستعد للانفجار. بالإضافة إلى أنّ صراخك بوجه موظف يبدو لك أكثر أماناً من إثارة شكوى مزعجة عن المدير. نعاني جميعنا من هذه المشكلة شديدة الأذى في أماكن عملنا ذات الفعالية المفرطة والتي تركّز على الإنتاجية، حيث تبدو المشاعر، مهما كانت، مجازفة خطيرة. فمن المتوقع منّا أن نتجاوز عن الأمور التي تزعجنا ونركّز اهتمامنا على العمل دون تشتيت. ولكن الكبت ليس طريقة فعالة. فهو منشأ المشاعر السلبية العدوانية، وهو قاعدة معظم السياسات التنظيمية المختلة، وهو ما يقوّض التعاون الذي هو جزء لا يتجزأ من أي شركة. في إحدى المرات، كنت أقدّم عرضاً أمام 60 شخصاً حين قاطعتني زميلتي وطلبت مني أن أكمل العرض بطريقة مختلفة. فاتخذت قراراً فورياً بعدم الدخول في شجار معها أمام الجميع وأكملت عرضي كما طلبت. وكان العرض جيداً. ولكن، لم تكن بحاجة لمقاطعتي، فالعرض كان جيداً سواء أكملته بطريقتي أو طريقتها. شعرت بالغضب وبالإهانة، وظننت أنها فضّلت خطة عملها على خطتنا المشتركة. كانت لدي رغبة بالانتقام منها وإحراجها كما أحرجتني. أردت أن أكسب تعاطف الآخرين ودعمهم بالتحدث عنها وعما فعلته. لقد أردت أن أشعر بالارتياح. ولكنني لم أفعل شيئاً على الفور. وعندما اختليت بشعوري أدركت أنني شعرت بخليط من المشاعر كان أقواها شعوري بالجرح وانعدام الثقة بي. استجمعت شجاعتي وأرسلت رسالة إلكترونية لها، واعترفت بصعوبة اتخاذ قرارات فورية وأخبرتها بأنها جرحتني ولم تثق بي. أتاني ردها في رسالة رائعة، اعترفت فيها بغلطها وشكرت استعدادي للتحدث إليها عند ارتكابها خطأً. وبلمح البصر تحررت من غضبي. ربما كنت محظوظاً. كان يمكن أن ترسل رسالة لتقول أنني لم أكن كفؤاً، وأنني احتكرت المنصة لنفسي وأنني كنت فاشلاً في إيصال ما أملك. ولكن صدقاً، كنت سأتقبل ذلك أيضاً لأنني كنت سأتعلم منه حتى لو لم يكن ذلك سهلاً في البداية. وأكثر ما يهمني في الأمر أنّ علاقتي بها توطدت بعد هذه المواجهة. ولكن، لو تحدثت عنها بسوء وأقمت تحالفات ضدها كي أحصل على دعم الآخرين وقلّبتهم عليها لشعرت بالرضا في البداية، ولكن سينتهي الأمر بأذيتنا أنا وهي والمؤسسة بأكملها. يبدو إدراك مشاعرنا والتحدث عنها أمراً سهلاً، ولكنه يحتاج إلى شجاعة كبيرة. شعرت برغبة في إرسال رسالة إليها أتحدث فيها عن غضبي، فقد كان ذلك أكثر أماناً وكان سيبقيني في موضع القوة، لأن الجرح يجعلنا نبدو أكثر ضعفاً من الغضب. ولكن كان لقدرتي على إيصال حقيقة مشاعري الهشة الأثر الأكبر في طريقة تواصلنا مع بعضنا البعض. كيف تستطيع الوصول إلى هذه المشاعر؟ خذ بعض الوقت والمساحة كي تسأل نفسك عما تشعر به حقاً. استمر بالسؤال إلى أن تشعر بشيء يبدو خطراً بعض الشيء ويحمل مجازفة، لربما كان هذا الإحساس بالخطر هو سبب ترددك في إدراك شعورك والاعتراف به، وهو دليل جيد على استعدادك للتحدث إلى الآخر. يُعتبر تأجيل النقاش إلى أن تشعر بالضعف مناف للمنطق، ولكنه قاعدة عامة أثبتت جدارتها فعلياً. لو أنني لم أخبر زوجتي بما شعرت به عندما رأيت تلك الشرفة المليئة بالرجال لكنت التصقت بها بحثاً عن إثبات أنها لا زالت تحبني لأطمئن. وإن لم أحصل عليه، لابتعدت عنها وشعرت بالاستياء وانعدام الأمان. ولكن كيف كنت سأحصل عليه وهي لا تعلم بما يدور في خلدي؟ ولكن عوضاً عن ذلك، ضحكنا وركزنا اهتمامنا على نقاش آخر أكثر تشويقاً. على ما يبدو، كل ذاك التأمل الذاتي، يؤثر فعلاً في حياتنا بصورة حقيقية.

متابعة القراءة

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!