إن للإدارة الرشيدة أثرها الواضح في سير الشركات نحو التفوق والنجاح. ولا أحسب قراء هذا المقال يعوزهم الدليل على ذلك، لكن ما يهمني الإشارة إليه هنا هو الانتهاء من إنجاز دراسة توثيقية عملية حول هذا الموضوع استغرقت سنوات عدة وشكّلت مَعلماً بارزاً في تاريخ الأبحاث الاقتصادية. بل لقد ذهبت ورقة بحثية جديدة إلى أبعد من ذلك حين وصلت إلى نتيجة مؤداها أن الفرق بين الشركات التي تدار بطريقة رشيدة وما سواها من الشركات يمكن أن يُعزى في جزء كبير منه إلى مدى قدرتها على توظيف مدراء كفوئين. وفي عام 2012، نشر نيكولاس بلوم و رافائيلا سادون و جون فان رينين بحثهم العميق والرائع حول الإدارة على صفحات مجلة هارفارد بزنس ريفيو، حيث أظهر أحد الاستبيانات التي أجروها كيف أن إنتاجية الشركة وقدرتها على الاستمرار في العطاء كانتا مرتبطتين ارتباطاً وثيقاً بتطبيق المباديء الإدارية مثل وضع الأهداف، وتنظيم الحوافز، ومراقبة الأداء. أما خلاصة دراستهم فقد أوجزوها في السطور التالية: لقد توصلنا إلى نتائج ثلاثة: أولها، أننا إذا ذهبنا إلى تقييم الأداء الإداري للشركات قياساً على المعايير التي وضعناها، لوجدنا الكثير منها يدار بطريقة بالغة السوء. فالإدارة الرشيدة تضع أهدافاً تتحدى المستويات الراهنة في الإنتاجية وغيرها من معايير الكفاءة، كما تربط علاوة الموظف وترقيته بتحقيقه لتلك الأهداف، ولا تتوانى عن القياس المستمر للنتائج المحرزة على مدار العام. لكن تطبيق هذه الممارسات يكاد يكون معدوماً في كثير من المؤسسات. ثانيها، أن هناك ارتباطاً قوياً بين مؤشراتنا للإدارة الرشيدة والأداء المتفوق وبين معايير إنتاجية الشركات، ومردود رأس المال البشري، وقدرة الشركة على البقاء والصمود في وجه المؤثرات المختلفة. وبحسب مقياس الأداء الإداري الذي صنعناه وجعلناه مكوناً من خمس درجات، فإن صعود درجة واحدة يعادل انتقال تصنيف الشركة بين مثيلاتها من الثلث الأخير إلى الثلث الأول، وهو ما وجدناه مرتبطاً بزيادة في الإنتاجية بنسبة 23%. أما ثالثها، فهو الأثر الكبير للنهج الإداري المتبع في تشكيل الأداء القومي على مستوى الدولة. فقد أظهرت تحليلاتنا – على سبيل المثال – كيف أن اختلاف الأساليب الإدارية بين الولايات المتحدة ودول القارة الأوروبية يعزى إليه ما يقارب الربع من فجوة الإنتاجية التي تم رصدها بينهما والتي بلغت 30% لصالح الولايات المتحدة. نستنتج مما سبق كيف تسهم الإدارة الرشيدة في مسار الشركات، أما الدافع الذي يجعلها تسير في هذا الطريق فهو ما تناولته دراسة حديثة قام بها نيكولاس بلوم و فان رينين وستيفان بيندر وستيفاني والتر ودايفيد كارد حيث توصلوا إلى الدور البارز الذي يلعبه العامل البشري في هذا المضمار. فقد عكف فريق الباحثين آنف الذكر على دراسة البيانات التي أتوا بها من استبيان شمل 361 مصنعاً متوسط الحجم في ألمانيا بين عامي 2004 و 2009 وحاولوا الربط بين أداء الشركات وما تم تسجيله من بيانات حول العاملين فيها. ومع التسليم بالتركيبة المعقدة لكيفية حساب الباحثين لمعدل أداء العامل، إلا أنهم مبدئياً قاموا بعملية حسابية لتقدير مدى إسهام مهارات وقدرات العامل في تحديد ما يتقاضاه من أجر معتمدين في ذلك على التاريخ المهني لكل عامل، مع الأخذ في الحسبان لجودة الأجور التي تدفعها كل شركة مقارنة بمثيلاتها في السوق. "نحن ننظر إلى تأثير العامل أو الموظف على أنه تعبير مباشر عن قدراته وجودة أدائه، إذ أن ذلك هو ما يخوله للمطالبة بأجر مرتفع أينما ذهب، وبغض النظر عن السنة التي باشر فيها العمل" يوضح فان رينين. فالمنطق الذي جرى اعتماده هو أنك إذا كنت قادراً على تحصيل أجر عالٍ بشكل لافت مقارنة بزملائك في كل شركة تذهب إليها، فالغالب أن ذلك مرده إلى قدراتك والمهارات التي تمتاز بها عن غيرك. وقد وجد الباحثون ترابطاً بين الإدارة الرشيدة وارتفاع معدل "جودة" العاملين في المؤسسة. كما اطلعوا على "جودة" العاملين الواقعين ضمن الربع الأفضل في الشركات من ناحية الأجر الذي يتقاضونه، حيث يعتبر الباحثون هذه الفئة من الموظفين وسيطاً مباشراً إلى الأدارة العليا في أي شركة. غير أن الترابط بين وجود مدارء كفوئين كان أكثر وضوحاً وقوة مع الإدارة الرشيدة منه في حالة العاملين الكفوئين. وهذا لا يقلل من شأن العاملين في شيء، بل إن غنى الشركة بالعاملين من أصحاب المواهب والكفاءات له دور لا يمكن إنكاره في نجاحها وريادتها. لكن حين يكون الحديث عن الإدارة الرشيدة بالتحديد، فلا شك أن توظيف أفضل الكفاءات في المواقع القيادية له الوقع الأكبر والأثر الأبعد على مسار الشركة ومستقبلها. فإذا جمعنا بين العاملين الكفوئين والمدراء المتميزين، استطعنا تفسير 25% - 50% من الصلة بين الإدارة الرشيدة والإنتاجية بحسب المقياس السالف الذكر الذي ابتكره الباحثون. (من العوامل والمتغيرات الأخرى في هذه الدراسة: حجم الشركة، وعمر الشركة، والمجال الذي تعمل فيه، ونسبة الإناث العاملات في الشركة من مجموع الموظفين). أعيد وأكرر ما قلته سابقاً بأني لا أتوقع لهذا الطرح أن يكون جديداً على قراء مجلة هارفارد بزنس ريفيو، غير أن قيمة هذا الدليل تكمن في أنه يدعم ويعزز مكانة الإدارة (والمدراء) في الأدبيات الاقتصادية ويربط ربطاً مباشراً بينها وبين عواقب الشركات، والصناعات، بل وحتى الاقتصادات. وبالرغم من عجز الورقة البحثية عن إثبات علاقة سببية بين المدراء الكفوئين والإدارة الرشيدة، إلا أن الظاهر لنا هو أن الأمر كذلك. "أعتقد أن الأمر صحيح في الاتجاهين" يعقب فان رينين حول تلك العلاقة السببية التي يدور البحث حولها، ويوضح أن الشركات التي تدار بشكل رشيد هي في موقع يجعل الغالب عليها أن تستقطب المدراء الكفوئين، كما أن "الغالب في المدراء المتميزين أن يقودوا شركاتهم نحو تبني أفضل الممارسات في مجال عملها". ومما يجدر ذكره أن الباحثين وجدوا خصائص أخرى تتميز فيها الشركات ذات الإدارة الرشيدة. فعلى سبيل المثال، وفيما يخص نوعية الموظفين التي يتمتع بها هذا النوع من الشركات، فالمسألة لا تقتصر على توظيف الكفاءات الأفضل وإنما تتعدى ذلك إلى العمل بجد على التخلص من الموظفين الأقل كفاءة. كما تقوم هذه الشركات بدفع أجور أعلى للعاملين فيها بصورة تتجاوز ما يتقاضاه من يماثلهم في الخبرة والأقدمية عند غيرهم من الشركات، إضافة إلى شيوع العدل وانحسار التمايز غير المبرر بين الموظفين. "تعتمد الشركات ذات الإدارة الرشيدة على الأرجح على منهجيات عادلة تربط بين ما يتقاضاه الموظفون على اختلاف مراتبهم، حيث يساعد ذلك على تعزيز روح الفريق بين الأفراد وبناء ثقافة يمكن التعبير عنها بمقولة "كلنا في مركب واحد"" بحسب فان رينين، مع التنبيه على عدم بروز هذه النتيجة بروزاً إحصائياً راجحاً في الدراسة التي أجراها هو وفريقه. ويضرب رينين مثلاً على ذلك: "إذا شاهد الموظفون الذين يشغلون المراتب الدنيا والوسطى ارتفاع رواتب التنفيذيين بشكل غير معقول مع بقاء أجورهم على حالها، فمن الأرجح أن يترك هذا الأمر أثراً سيئاً على نفسية الموظفين وأدائهم". يتضح مما سبق أن الشركات الأكثر نجاحاً تتمتع بإدارة رشيدة كونها تحرص على توظيف مدراء كفوئين من جهة عدا عن لجوئها إلى مختلف السبل للتخلص ممن تثبت عدم أهليته وانخفاض كفاءته في العمل من جهة أخرى. ويترافق توظيف هذه الفئة المتميزة من المدراء مع أجور وعلاوات تضع في الحسبان ما يقدمونه من قيمة عالية لشركاتهم، لكن دون التخلي عن باقي الموظفين وتركهم خارج دائرة المكافأة والتقدير.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!