تخيل أنك رقيت حديثاً لمنصب نائب رئيس التطوير والأعمال في شركة بترول عالمية، وكانت مهمتك الأولى الفوز بعقد لخدمات حقل نفط في الخارج. إنه ليس بالأمر السهل، والمفاوضات صعبة، والجدول الزمني للمهمة ضيق جداً، وعندما تقدم العرض للحكومة الأجنبية، يشيرون إلى احتمالية فوز أقل مالم توظف استشارياً من اختيارهم. ماذا تفعل الآن؟

ليس هذا إلاّ مثالاً واحداً فقط عن الضغوط الشائعة التي تواجه عالم الأعمال، إذ أنّ أحداً لا يستيقظ في الصباح ويقول: سأرتكب جرماً إدارياً اليوم، لكن عندما توضع الأموال على الطاولة يصبح كل شيء وارد، ولنا عبرة من الاحتيال الذي تفشى في شركة فولكس فاجن حول انبعاثات الوقود، وحسابات ويلز فارجو (Wells Fargo) الوهمية، وفضيحة الرشاوي في غلاكسو سميث كلاين (GlaxoSmithKline) المعروفة اختصاراً باسم جي إس كي.

صحيح أن السلوك الأخلاقي مسؤولية الموظف أولاً، ولكن مصداقية الشركة تحتم عليها أيضاً أن تؤسس لثقافة تحث على تفادي الأساليب المشبوهة، بحيث تمنع تضخمها إلى فضائح كبرى لا تدمر سمعة ومصداقية الشركة فحسب، بل وتضع كامل الشركة وعملياتها تحت الخطر.

إذاً، كيف تعرف إن كانت شركتك مؤهلة سواء لمساعدتك أو أذيتك عندما تواجه قرارات مشبوهة في عملك؟ إليك هذه الأسئلة التي عليك طرحها:

هل تتماشى حوافز شركتك مع سياساتها؟

معظم الشركات تتحدث بحماس عن الأخلاق لدرجة تجعل منها أهدافاً معلنة لها، لكن تحفيز الموظفين هو ما يجب النظر إليه حقاً. على سبيل المثال، إنّ ربط المكافآت المالية بالقدرة على الفوز بصفقة، يؤدي إلى سلوك غير أخلاقي ويشجع على إساءة استخدام النظام في الشركة، لهذا يجب أن تربط المكافآت المالية بأهداف ونتائج أوسع من ذلك، وتشمل أموراً مثل رضا العملاء والمعرفة بالمنتجات، بالإضافة إلى النجاح في إتمام الصفقات، أما غياب هذا النوع من الربط بين الحوافز والأخلاق أمر ينذر بالخطر.

فلنأخذ شركة جي أس كي (GSK) الرائدة في صناعة الأدوية كمثال، فرغم وجود قواعد راسخة لدى الشركة فيما يخص مكافحة الفساد الداخلي، انتهى بها الأمر إلى مواجهة تحقيقات جنائية حول تقديم رشاوى للأطباء والمسؤولين الأجانب، ما أدى في النهاية إلى دفع الشركة غرامة قدرها 489 مليون دولار، وهذا ما يوقع اللوم في جزء منه على سياستها التي تربط المكافآت المالية للمندوبين ومبيعاتهم الفردية.

قد تبدو تلك سياسة منطقية للوهلة الأولى، ولكنها أدت لنشوء عقلية مؤسساتية تضع إتمام الصفقة فوق أي اعتبار، ومع اعتماد شيكات المكافآت التي تدفعها جي إس كي على عدد الوصفات الطبية التي يحررها الأطباء من أدوية الشركة بعد زيارة مندوبي المبيعات لهم، كان من السهل اتخاذ قرار تقديم بعض المال للأطباء في محاولة لزيادة حجم المبيعات.

وفي أعقاب هذه الفضيحة قامت الشركة بتغيير سياسة الحوافز، حيث أصبحت تقيّم الموظفين الذين يعملون مع العملاء بناء على مقاييس أوسع، بما في ذلك المعرفة الفنية، وجودة الخدمة والالتزام بمبادئ الشركة.

هل تشعر بأنك شخص مختلف في العمل؟

من الطبيعي أن تظهر بصورة مختلفة في عملك، فأنت محترف يعمل ضمن وسط مهني، لكن إن كنت تشعر باختلاف جوهري بين شخصيتك ضمن العمل وشخصيتك في المنزل، فعليك الحذر لأن الانفصال الحاد بين مبادئك ومبادئ الشركة، سيقودك إلى تبرير اختيارات تؤذي المساهمين أو المستهلكين أو الموظفين.

تأمل مثلاً في الثقافة التي أدت بشركة فولكس فاجن إلى سلك دروب مشبوهة. حيث شجعت شركة السيارات الخاضعة لسيطرة صارمة على وضع الموظفين ذوي الرواتب الدنيا تحت ضغوطات ضخمة لتحقيق أهدافها. فكان معروفاً عن الرئيس التنفيذي لفولكس فاجن بين عام 1993 وحتى 2002 استعداده لطرد أو تخفيض رتبة الموظفين الذين يفشلون في تحقيق التوقعات، كما كان خلفائه يقسون على الموظفين ضعيفي الأداء بشكل متكرر.

هذه البيئة القاسية والضاغطة كوّنت خوفاً وكرهاً لدى مهندسي الشركة، تبلور برفضهم طلبات الرؤساء التنفيذيين أو اعترافهم بالفشل، علماً أن أغلب أولئك المهندسين مواطنين شرفاء وصادقين في مجتمعاتهم، لكن الضغط الكبير الذي واجهوه من أجل النجاح دفعهم إلى التحايل على النظام السائد في الشركة.

من تتم ترقيته؟

يجب أن يروج للسلوك الأخلاقي بالقدوة الجيدة، فهل تكافئ شركتك مخالفي القوانين بترقيتهم؟  إذا كان ذلك فإن ترقية من يتجاهلون المبادئ الأخلاقية، عندما تسنح لهم الفرصة ما هو إلا دليل أمام الجميع أن الشركة تريد نتائج فقط ولا يهم كيف يتم الحصول عليها، وفي حين يكون لدى شركة ما سياسة أخلاقية جيدة، لكنها تبقى مجرد حبر على ورق ما لم ترتبط بأفعال موظفيها. وعندما تكافئ الشركة مخالفي القواعد، لن يطول الأمر بها قبل أن يستنتج الموظفون أنها قواعد وجدت كي تخرق.

وعلى سبيل المثال: شركة الخدمات المالية الأميركية ويلز فارجو، لم تكن تشجع على تزوير الحسابات، فكانت ورشات العمل الأخلاقية تحذر الموظفين تحديداً من عواقب إنشاء حسابات مزيفة وبطاقات الائتمان لزيادة أرقام المبيعات. لكن دعاوى قضائية حديثة زعمت أن الشركة كانت تتعمد ترقية موظفين ينتحلون هويات العملاء ويفتحون حسابات وهمية ويضغطون على العملاء لشراء حسابات لا حاجة لهم بها، ما يدل على أن البيئة التي تكافئ هذه التصرفات تصبح أرضاً خصبة للسلوك غير الأخلاقي.

كيف هي نبرة خطاب الإدارة العليا؟

هل يؤكد موظفو الإدارة العليا في الشركة على أهمية التحلي بعقلية الفوز بأي ثمن؟ هل يتحدثون أكثر عن زيادة الأرباح وتحقيق الأهداف ربع السنوية؟ أم عن زيادة القيمة على المدى الطويل؟ إن النبرة الصحيحة لخطاب الإدارة العليا يساعد في تحديد الأهداف الصحيحة للشركة.

ونأخذ كمثال شركة جنرال موتورز (General Motors) لصناعة السيارات، حيث ظلت مشكلة مفتاح تشغيل السيارة مخفية لوقت طويل جداً لدرجة تسببت بحالات وفاة، وكان من الممكن تفادي وجود ضحايا لو لم يكن هناك خوف من إبلاغ قيادات الشركة بالأخبار السيئة.

كما يمكن تعلم درساً آخر عن أهمية نبرة خطاب الإدارة العليا من الفضيحة المحاسبية الأخيرة لشركة توشيبا. فعند مواجهة الشركة لخسائر محرجة جداً بسبب الأزمة المالية، أمر رئيس الشركة حينها فريق عمله أن يصلحوا الأمر وكأن حياتهم تعتمد عليه، وذلك كان يعني استخدام أساليب محاسبة احتيالية لإخفاء خسائر الشركة وتحقيق مكاسب مزيفة. ويذكر أن هذه الممارسات استمرت تحت قيادة تنفيذية كانت تمقت الجدال مع المسؤولين الأعلى، الأمر الذي أدى في النهاية إلى أرباح متضخمة بقيمة 1.2 مليار دولار.

هل تحمي شركتك الموظفين الذين يقعون في أخطاء أخلاقية؟

يجب تحميل أي شخص يسلك طرقاً مشبوهة مسؤولية تصرفاته عند اكتشاف أمره، أما قيام الشركة بحماية موظفين صدرت عنهم تصرفات غير أخلاقية فليس إلا مؤشراً على ضعف موقفها الأخلاقي، لأن المساءلة أمر مهمة.

اعتقد بعض الموظفين في شركة سيمينز (Siemens) الرائدة في مجال الهندسة الكهربائية والالكترونية أنهم كانوا يعملون في صالح شركتهم عندما دفعوا رشاوى للفوز بعقود أجنبية، لكنهم علموا عندما كُشف أمرهم أن تلك العقود لم تكن في صالح الشركة ولا في صالح مستقبلهم الوظيفي، عندها قامت الشركة برفع دعاوى ضدهم. وهذا التصرف يوضح أهمية المساءلة.

ويقدّر المدّعون في المحكمة هذا التعاون أغلب الأوقات، وفي بعض الأحيان يتخذون قراراً بعدم محاكمة المؤسسة إن تم الكشف عن أسماء المتورطين في السلوك المخالف للقانون. ومع ذلك، قد يدفع خوف الشركة من الإضرار بسمعتها إلى إخفاء السلوك غير الأخلاقي لموظفيها. مثل ما حدث، في فضيحة رشاوى شركة وول مارت (Walmart) عام 2002، حيث أدى خوف الشركة من إلحاق الضرر بسمعتها إلى تسريع إيقاف تحقيقاتها المتعلقة بالرشاوى التي دفعها موظفوها لمسؤولين حكوميين في المكسيك، وهذه الطريقة في تعامل الشركة مع موظفين تصرفوا بشكل غير أخلاقي ليست في صالح الشركة.

إذاً، ماذا تفعل إن وجدت بعد إجابتك على هذه الأسئلة أن أخلاقيات شركتك لا ترقى للمستوى المطلوب؟ أولاً، عليك أن تسأل نفسك إن كنت في مركز يتيح لك قيادة التغيير أم لا؟. هل يمكنك التأثير إيجابياً أو قيادة تغييرات لصالح الشركة كتحقيق اتساق في الحوافز، أو تطوير أهداف أخلاقية، أو الحرص على عدم ترقية من يتلاعبون بالنظام؟

إن كانت الإجابة على هذه الأسئلة بالنفي، ابحث لك على عمل في شركة أفضل من الناحية الأخلاقية، لأن بناء مسيرة مهنية من الإنتاجية الإيجابية والتعلم صعب جداً في شركة عادية، فكيف بشركة غير أخلاقية؟

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!