كان لمعظمنا خلال مرحلة ما في حياتنا وظائف شعرنا معها بعدم الرضا أو سوء المعاملة أو عدم وجود هدف. وتنعكس هذه المشاعر بقوة على القيمة الكلية التي نحصل عليها من وظائفنا واحتمال بقائنا في هذا العمل أو تركه. ولكن ماذا لو كان بوسع الشركات أن تقوم بشيء ما للتعامل مع حالة الاستياء لدى الموظفين ومنع الدوران الوظيفي؟ قررنا اختبار فيما إذا كان لتدخل بسيط، يتمثل في طلب آراء تقويمية من الموظفين، القدرة على النجاح في خفض معدلات ترك العمل.

هذه الفكرة متأصلة في نظرية اقتصادية سائدة كان ألبرت هيرتشمان أول من اقترحها عام 1970 في كتاب بعنوان "الخروج والصوت المسموع والالتزام" (Exit, Voice, and Loyalty)، الذي يقول إنّ الموظفين يستطيعون القيام بأحد أمرين عند مواجهة وضع وظيفي غير مرض، وهما الخروج من العلاقة (ترك العمل) أو التعبير عن مخاوفهم ومحاولة تجاوز مشاكلهم. وعلى الرغم من التأثير الكبير لهذه النظرية على الفكر الأكاديمي وسياسات الشركات على حد سواء، إلا أنه لم يتم اختبارها بشكل تجريبي في إطار واسع من العالم الحقيقي.

اخترنا شركات تصنيع وخدمات في بلدان متدنية الدخل لأنها قامت بزيادة قوتها العاملة بشكل سريع في غضون السنوات الأخيرة، مدعومة من الطلب العالمي المتزايد على البضائع والخدمات وزيادة تنقل الموظفين من البيئات القروية إلى البيئات الحضرية. وعلى الرغم من هذه الزيادة، تبقى معدلات تغيب العمال عن العمل ودورانهم، خصوصاً العمال في الخطوط الأمامية، في ارتفاع مستمر، تماماً كقصص الرعب حول ظروف عمل الفقراء.

ومع فكرة المفاضلة بين ترك العمل والتعبير عن الرأي، قررنا أن نختبر فيما إذا كان بإمكان تقديم صوت للعمال في الخطوط الأمامية، في شكل استبانة حول رضا الموظفين، أن يقلص من حالات تركهم للعمل. ولإجراء هذا الاختبار، عقدنا شراكة مع شركة شاهي إكسبورتس (Shahi Exports)، أكبر مصنعي الملابس الجاهزة في الهند. وتتأثر أجور العاملين في الخطوط الأمامية في هذه الشركة بسياسة الحد الأدنى للأجور. وتقوم الحكومة بمراجعة جدولها الزمني الخاص للحد الأدنى للأجور كل عام. وتقوم الشركة بزيادة الأجور وفقاً لقرارات الحكومة. واكتشفنا أنّ الفترة حول رفع الأجور السنوي مضطربة على نحو خاص، حيث يميل مستوى الاستياء لدى العمال إلى الزيادة بعد رفع الأجور، على الرغم من حقيقة حصول العمال على أجور أعلى.

ودفعنا هذا اللغز إلى اختبار تدخلنا بالصوت المسموع في الشهر الذي تلا رفع الحد الأدنى للأجور لعام 2016. ووضعنا فرضية أنّ العمال قد يكونوا غير راضين بعد رفع الأجور لأنهم يتوقعون زيادات كبيرة في الأجور تفوق ما حصلوا عليه فعلاً. وهذا يبدو منطقياً في بيئة الهند، حيث يوجد توجه إلى حالة كبيرة من الشك وافتقار إلى المعلومات الموثوقة حول حجم زيادات الأجور.

وشملت دارستنا جزأين: استبانة أساسية وتجربة ميدانية. قمنا بإجراء استبانة أساسية قبل معرفة العمال بحجم الزيادة في الأجور، لنعلم توقعهم بالنسبة لحجم الزيادة. وبعد رفع الأجور، قمنا بتقديم "صوت مسموع" لنصف العمال بشكل عشوائي من العينة. وطلبنا من العمال في مجموعة المعالجة أن يشاركوا في استبانة دون كشف هويتهم، تطلب منهم التعبير عن آرائهم حول جوانب مختلفة من الوظيفة. ثم تابعنا حالات الحضور وترك العمل لمدة خمسة أشهر باستخدام البيانات الإدارية التابعة للشركة.

وكشفت الاستبانة عن بعض النتائج المثيرة للاهتمام. أولاً، كان العمال، في المتوسط، يشعرون بخذلان من الزيادة في الأجور. وتوقعت الأغلبية العظمى من العمال زيادة أكبر مما حصلوا عليه. وقد يعزى ذلك إلى أنّ الزيادة في الأجور لعام 2014 كانت أكبر من أربعة أضعاف الزيادة في عام 2016. ثانياً، استخدم العمال الاستبانة للتعبير عن استيائهم من وظيفتهم. أجاب أكثر من نصف المستطلعة آراؤهم سلباً على واحدة من ست عبارات خاصة حول بيئة العمل. ومن الجدير ذكره أنّ العمال أبلغوا أيضاً عن مستوى رضا متدن عن الأجور (أقل من الرضا المتعلق بالمشرفين وبيئة العمل والوضع الإجمالي).

وجدير بالذكر أيضاً أنّ إيجاد سبيل للتعبير عن إحباط العمال عزّز استبقاءهم. عندما قمنا بمقارنة سلوك ترك العمل لدى العمال في مجموعتي المعالجة والضبط، وجدنا أنّ ترك العمل كان أقل بنسبة 20% (حوالي 4 نقاط مئوية) في المجموعة التي حصلت على تدخل الصوت المسموع في الأشهر التي تلت رفع الأجور. وعلى نحو ملفت للنظر، قام معظم العمال، وهم من كانوا يتوقعون زيادة أكبر بكثير في الأجور مما حصلوا عليه بالفعل، الذين يشعرون بالإحباط بالتعبير عن هذا التأثير. ويشير ذلك إلى أنّ كفاءة التدخل بالصوت المسموع نشأت من قدرته على تخفيف الإحباط. ونرى نتائج مماثلة عندما ننظر في الحضور، والذي استعملناه كمقياس بديل لمدى صعوبة عمل العمال في وظائفهم. وبالنسبة للعمال المحبطين، فقد قلل التدخل تغيبهم عن العمل بشكل كبير في الأشهر التي تبعت رفع الأجور.

وتتماشى هذه النتائج كثيراً مع توقعات نظرية الصوت المسموع والخروج. ففي بيئة يكون فيها دوران الموظفين عالياً ولا يمتلك العمال عادة فرصاً كثيرة للتعبير عن مخاوفهم إلى الإدارة، يمكن أن يكون تقديم صوت مسموع للعمال طريقة بسيطة ولكنها قوية لمنعهم من ترك العمل. وبالطبع، فإنّ الحل الأكثر استدامة لمشكلة استياء العمال هو إجراء تغيير فعلي في طريقة اتخاذ القرارات الإدارية، بتمكين التعبير عن الرأي ليكون له دور جوهري وفعال في تحسين التجارب الوظيفية لدى العمال.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!