أنا شخصياً أعشق حياتي المهنية في مجال استراتيجيات التنافس، والأبحاث، والتدريس. فهي تجعل عقلي لا يتوقف عن التفكير والتأمل. وأنا أشعر بأنني أخوض رحلة دائمة من الاستكشاف. كما أنني أحب مساعدة الناس في اتخاذ القرارات التي ستجعلهم يحصلون على قدر أكبر من الأمور التي يطمحون إليها.

ومع ذلك، وعندما أعود بذاكرتي إلى أيام الطفولة، لا أتذكر أنني كنت قد حلمت يوماً بأنني عندما أكبر سوف أرغب في مساعدة الشركات الكبرى على أن تصبح أكبر. فعندما كنت طفلاً لم يكن لدي أي اهتمام بقطاع المواد الصيدلانية، أو الاتصالات، أو الحواسب، أو النفط والغاز، أو المستحضرات الطبية والتجميلية، أو الأجهزة الطبية، أو شركات الطيران، أو بناء السفن، وكلّها قطاعات تعتبر جزءاً أساسياً من حياتي المهنية اليوم. ولم أفكر يوماً بأنّ مسؤولية حماية ثروة المساهمين في أية شركة تقع على عاتق الإدارة العليا حصراً. ولم أكن تواقاً إلى تغيير الطائرات في اطلنطا.

ولكن بطريقة ما، وبشكل تدريجي أخذت هذه الأمور– مثل الشركات الكبرى، والقطاعات، والمساهمين، واطلنطا – تشغل وقتي وحياتي. فقد حصلت على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال، وتعلّمت طرقاً أعقد في المحاسبة (على الأقل أعقد مما كنت أريد سابقاً)، ودرست هذه الأمور كلها في كلية هارفارد للأعمال التي تعتبر العرين الأكاديمي للرأسمالية تماماً كما هي ويست بوينت العرين الذي يدرس فيه الضباط العلوم العسكرية في أميركا. وهذه الدراسة كانت تؤهلني لقيادة جيوش مؤلفة من الوحدات الاقتصادية. نعم أنا أعشق مسيرتي المهنية، لكنها لم تكن ما توقعته بالضبط، ويعود ذلك جزئياً إلى أنني لم أكن أعلم ما الذي أتوقعه ولم أقم باختياره.

وفي هذه الأيام أتساءل عن بعض الممارسات التي نراها في قطاع الأعمال والشركات، والتي يقوم بها أناس ربما لم يتوقعوا أو يطمحوا يوماً إلى الانخراط فيها عندما كانوا أطفالاً. أتساءل مثلاً ما الذي يدفع الناس إلى تصميم برنامج حاسوب يساعد السيارات على إخفاء حجم الانبعاثات الحقيقية الملوثة الصادرة عنها، وأقصد بذلك فضيحة شركة فولكس فاغن. وأتساءل أيضاً ما الذي يجعل الناس يسوّقون منتجات يعلمون بأنّها تتسبب بالإدمان والموت. وأتساءل ما الذي يجعل الناس يُجبرون الحيوانات على العيش والموت ضمن أمتار مربعة قليلة باسم الكفاءة.

في كتاب بعنوان “مجرّد أطفال رضّع: أصول الخير والشر” (Just Babies: The Origins of Good and Evil)، يُظهر باول بلوم بأنّ الأطفال الرضع يرفضون الغش والظلم. لكنهم بعد ذلك يكبرون وينضجون. وفي كتاب بعنوان “النقاط العمياء: لماذا نفشل في فعل الأشياء الصحيحة وكيف يمكننا أن نعالج ذلك” (Blind Spots: Why We Fail to Do What’s Right and What to Do about It) يقول كل من ماكس بازرمان وآن تينبرونزيل أنّ رجال الأعمال وسيّدات الأعمال يتعاملون مع المشاكل الأخلاقية التي تعترضهم في عملهم بوصفها مشاكل مرتبطة بالعمل والتجارة، ويصفون الأمر بأنّه “جزء من طبيعة العمل”، ما يجعلهم يضيفون المشروعية على ممارسات مشكوك في سلامتها الأخلاقية. وحتى موضوع واجب الإدارة العليا في حماية حقوق المساهمين الذي أشرنا إليه أعلاه يتم التعامل معه أحياناً بوصفه “مجرد ألاعيب سياسية” وبأنّه “ليس أمراً شخصياً”.

أما أنا فقد واجهت تحولي الشخصي من طفل إلى شخص حائز على الماجستير في إدارة الأعمال عندما قال لي أحد المراهقين كلمتين فقط. لم يكن الأمر دراماتيكياً بما يشبه مواجهة التلوث أو الإدمان أو الكفاءة. لكنه كان كافياً لدق ناقوس الخطر لدي. وأنا ممتن بعمق لذلك المراهق.

قبل 19 عاماً خلت، حضرت جلسة للوعي الذاتي، كانت عبارة عن “جلسة أساسية” من ندوات شركة بي إس آي (PSI). وفي أحد التمارين، كان المفروض أن يتحدّث كل شخص لمدة دقيقة واحدة حول الأشياء التي يفخر بها، في حين كان يتعين على البقية أن يصغوا إليه بصمت. وكان الأمر صعباً بالنسبة لبعض الناس لأنهم شعروا وكأنهم يتبجحون. بعد ذلك كان يتعين على الشخص أن يجلس بصمت وأن يصغي إلى الآخرين وهم يعطون رأيهم الإيجابي بما قاله. وكان الأمر صعباً بالنسبة لبعض الناس لأنهم لم يكونوا مرتاحين إلى فكرة تلقي المديح؛ فقد كانوا يريدون صدّ هذا المديح أو التقليل منه إلى الحد الأدنى.

عندما حان دوري، تحدّثت عن شهاداتي التي حصلت عليها من أرقى جامعات الولايات المتحدة الأميركية التي تسمّى (Ivy League)، ورحلاتي التجارية، وإنجازاتي، وهكذا دواليك. وقد شعرت بإحساس غامر بعدها.

ثم جاء دور الآخرين ليعبّروا عن رأيهم بما قلته. أحدهم قال بأنّ الأمر لطيف. شخص آخر علق قائلاً بأن مسيرتي ملفتة ومثيرة للإعجاب. أما أحد اليافعين والذي لا يزيد عمره عن 15 عاماً فقد ابتسم ببراءة ونطق بالكلمتين الوحيدتين اللتين قالهما لي في حياته: “بداية جميلة”.

قواعد التمرين كانت تنص على أنّه يفترض بي أن ألتزم الصمت، وأنا امتثلت تماماً لهذه القواعد. أما في أعماقي فقد فكرت: “بداية جميلة”؟ ألم يكن ذلك الطفل يصغي إلي؟ ألم يفهم شيئاً مما قلته؟ ما الذي يعنيه بـ “بداية جميلة”.

بعد ذلك، ولمرة وحيدة في حياتي أقدمت على تصرف ذكي. فقد فكرّت بيني وبين نفسي: ما الذي يعنيه هذا الشاب؟ هل كان يقصد توبيخي؟ هل كان الأمر مجرد نكتة؟ هل كانت هذه شكوى؟ عمره لا يتجاوز الخامسة عشر؛ فهل كان يفهم ما يقوله فعلاً؟

بعد ذلك قمت بشيء آخر ذكي أيضاً (مرتان خلال يوم واحد!). تساءلت عما كنت قد قلته. لقد أدركت بأنّني قضيت الدقيقة الكاملة التي يفترض أن أتحدث خلالها عن الأشياء التي أفخر بها متحدثاً عن مسيرتي المهنية. هذا ليس شيئاً سيئاً أو خاطئاً، لكن هاتين الكلمتين من ذلك الشاب الغريب الذي لا يتجاوز الخامسة عشرة من العمر جعلتاني أفكّر: هل أنا أعيش حياة تُشعرني بالفخر؟

أنا لا زلت أحب حياتي المهنية، لكنني أدخلت تغييرات عليها وعلى أجزاء أخرى في حياتي. ومن بين تلك التغييرات أنني كتبت كتاباً حول الوعي الذاتي. وقد وضعت له عنواناً مثالياً هو: “بداية جميلة”.

وقد عُرضت عليّ فرصة لأتكلّم خلال الذكرى الخامسة والثلاثين لتخرّجي أنا وزملائي من كلية الأعمال والتي يجتمع فيها الخريجون كل عام. وقيل لي بأنني أستطيع أن أتحدث عن أي شيء أريده. وقد فكرت فيما تعلمته حول استراتيجيات التنافس وفكرت أيضاً في “بداية جميلة”. واخترت الموضوع الثاني، ما أدخل السعادة إلى نفسي.

وهذا يقودني إلى تقديم وصفتي المؤلفة من خطوتين لعيش الحياة:

1- ما الذي يجعلك تبكي من الفرح؟

2- افعل المزيد من الرقم (1). أي أكثر من الأشياء التي تجعلك تبكي من الفرح.

هذه مجرّد بداية، لكنها بداية جميلة جداً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!