facebook
twitter
whatsapp
email
linkedin
messenger

عندما أسأل الطلاب الذين يتخرجون من كلية هارفارد للأعمال عما سيفعلونه لاحقاً، أسمع منهم الإجابة نفسها تقريباً: "سأعمل في التمويل، ولكن…"، ثم لا يلبثون أن يشرحوا أنّ العمل في مجال التمويل مجرد محطة في طريقهم لتحقيق أهداف أنبل. ولكنّ هذه النبرة التبريرية نادراً ما أسمعها من الطلاب الذين يختارون شركات التكنولوجيا أو الاستشارات. في الآونة الأخيرة، سألت بعض الطلاب عن ردود أفعال الناس حيال اختيارهم العمل في مجال التمويل، فأجابوا بضحكة عصبية قبل أن يوضحوا أنّ معظم الناس يرون أنّ الشخص الذي يختار العمل في مجال التمويل لا يهمه سوى المال ولا يكترث للآخرين أو المجتمع.

احصلوا اليوم على آخر الإصدارات المطبوعة (الإصدار المزدوج 26-27) والاشتراك السنوي المميز الذي يتضمن إصداراتنا المطبوعة.

عندما يشرح الخريجون خياراتهم المهنية للعائلة والأصدقاء تواجههم الفكرة القائلة أنّ أفضل الأشخاص وألمعهم يهدرون مواهبهم في قطاع لا يفعل أي شيء ذي قيمة. يعكس هذا تحيزاً تاريخياً ضد التمويل، مضافاً إليه القلق الحالي بشأن خسارة الوظائف "الحقيقية" والمخاوف المبررة حيال زيادة التفاوت في الدخل. إلا أنّ هذه المشاعر المناهضة لمجال التمويل منفصلة عن واقع المهنة، وتحجب البشائر والمخاطر المرتبطة بالعمل في أي مهنة في مجال التمويل.

يُعتبر مجال التمويل من أقوى مصادر التوظيف في الولايات المتحدة الأميركية، فهو يوفّر متوسط أجور مرتفعاً ويجذب الشباب الموهوبين من خارج جامعات "رابطة اللبلاب" (Ivy League) التي تضمّ ثماني جامعات من أشهر جامعات الولايات المتحدة الأميركية وأقدمها. من الأمثلة على ذلك، في عام 2016 ذهب إلى مجال التمويل مباشرة ما نسبته 18% من طلاب البكالوريوس جامعة هارفارد و28% من طلاب الماجستير في إدارة الأعمال في الجامعة نفسها، في حين توجّه إلى هذا المجال 29% من طلاب كلية فيشر للأعمال في ولاية أوهايو.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ القلق الاعتيادي بشأن ذهاب الشباب إلى مجال التمويل يحجب مدى الفائدة التي يمكن أن توفّرها هذه الوظائف. أعرف الكثير من الأشخاص الذين يجدون في التمويل غنى ثقافياً ومصدراً للتعلّم مدى الحياة. يبدؤون في الغالب مسيرة مهنية في مجال التمويل ليس لأجل المال بل لأنهم يعرفون أنّ الكثير من الأشخاص اللامعين يشتغلون بهذه المهنة ويريدون أن يحيطوا أنفسهم بهم أو يفعلون ذلك لأنّ الكثير من المهنيين يهاجرون إلى مهنة التمويل في السنوات التالية، حتى الأطباء والمحامين، بعدما يكتشفون أنّ التفكير العميق في القيمة التي أوجدتها الشركات أمر رائع.

إنّه أمر رائع بالفعل، فلماذا تُقدّر قيمة شركة أمازون بحوالي نصف تريليون دولار أميركي تقريباً (ضعف قيمة شركة متاجر وول مارت) في الوقت الذي كانت بالكاد تحقق فيه الأرباح؟ هل ينبغي تقييم مشترك ما في خدمة موقع "سناب" (Snap.com) بالقيمة نفسها لمستخدم موقع فيسبوك؟ ما هو تأثير الطباعة ثلاثية الأبعاد المتنامية أو الذكاء الاصطناعي على مستقبل التصنيع؟ كيف ستُحلّ أزمة القروض الإشكالية في البنوك الإيطالية؟ كلّ هذه أسئلة كبيرة لا يجيب عليها أي تحليل بسيط. والأسئلة في مجال التمويل يمكن أن تكون صعبة ومثيرة للاهتمام، مثل المشاكل التشخيصية التي تواجه الأطباء والألغاز المنطقية التي تواجه المحامين والأسئلة التي ليس لها حلّ والتي تواجه العلماء والتحديات الاستراتيجية التي تواجه المدراء التنفيذيين.

وأخيراً، لقد جعلتنا الأزمة المالية العالمية ندرك مستوى الخراب الذي يمكن أن يخلّفه مجال التمويل ومدى أهمية هذا القطاع في حياتنا. فالمنطق المالي يحدد جزئياً مساراتنا التعليمية وظروف عائلتنا ونوعية حياتنا. هل أدخّر ما يكفي من المال؟ هل أدّخر أكثر مما يلزم؟ هل يستحق هذا الاستثمار في التعليم كل هذا العناء؟ لماذا أتشاجر مع زوجتي دائماً من أجل المال؟ كيف يمكنني التخلص من جبل الديون الذي أرزح تحته؟

مهما كنّا نمتعض من قوة مجال التمويل في المجتمع، فإنّ ثمة واقعاً لا مفر منه: تلعب التمويل دوراً كبيراً في حياتنا كلّها، ويجد الكثير منا أنّها مثيرة للاهتمام ومليئة بالتحديات.

تتمثّل المعضلة الحقيقية التي تطرحها المهن في مجال التمويل في سبب سوء تصرف بعض الأشخاص الذين يعملون في هذا المجال، بما في ذلك بعض أفضل المهنيين وألمعهم. ولكن الذين يستمتعون بالتفكير في التمويل يمكنهم أن يروا أنّ هذه الممارسة قد انتهت.

ردود الفعل المعتادة حيال سوء السلوك في مجال التمويل تتسم بالغضب أو التنظيم. يُعتبر التنظيم جزءاً من الإجابة غير أنّه ليس حلاً سحرياً، لأنّ الأدوات التنظيمية الفظة تترك عواقب غير مقصودة يمكن أن تُحدث الكثير من الخراب بقدر ما تهدف إلى الحل، كما أنّ الكثير من الجهات التنظيمية والمشرعين يُفتنون بالقطاع بحيث لا يمكن أن نأمل الكثير منهم. أما الغضب من مجال التمويل فيمكن أن يعود بنتائج عكسية، لأنّ السمعة المهنية السيئة تعني ربط الأشخاص في مجال التمويل بمستوى أدنى دائماً.

ينتج سوء السلوك في مجال التمويل جزئياً عن الطريقة الفريدة التي يفهم بها المشاركون أداءهم، وخصوصاً المستثمرون. يختلف مجال التمويل عن المجالات الأخرى بطريقتين: توفر الأسواق التمويل ردود فعل شبه فورية يمكن قياسها كمياً بسهولة؛ كما أنّ عواقب القرارات يمكن أن تستفحل بفعل الرفع المالي. في العادة، يفسر الناس من أي مجال كانوا ردود الفعل منطقياً عن طريق نسب النتائج الإيجابية لأنفسهم والنتائج السلبية للعوامل الظرفية، ولكن هذا منتشر أكثر وعلى نطاق أوسع في مجال التمويل من أي مجال آخر. ونتيجة لذلك، ليس من المفاجئ أن يُتّهم مجال التمويل بأنّه يضمّ، أكثر مما هو عليه فعلاً، شخصيات بغيضة تعززها النرجسية والحصانة. وقد أدى الارتفاع الحاد في التعويضات التمويل مقارنة بالسوق، مثل الحوافز الكبيرة للمدراء الماليين والتعويضات المقدمة لكبار الرؤساء التنفيذيين الشركة على شكل أسهم ملكية إلى تعميق هذه الأخطاء وتوسيعها.

المفارقة هي أنّ الاختصاص في مجال التمويل يحذر من هذا النمط تحديداً. يعلمنا التمويل أنّ تحييد آثار الحظ والمهارة في الأسواق المالية أمر مستحيل تقريباً، ناهيك عن أنها تلّمنا التواضع أيضاً: تنتشر المخاطر  في كل مكان وقياسها وتسعيرها أمران صعبان، ولذلك من الصعب تحييد المهارة الحقيقية. وهذه الأخيرة، إن وُجدت، لا يمكن فهمها ومعرفة من هم الأشخاص المهرة فعلاً إلا على المدى الطويل.

هذا جزء من نمط أكبر يفيد بأنّ ممارسة مهنة التمويل أصبحت منفصلة عن أفكارها الأساسية. ولكي تستعيد المهنة سمعتها يجب أن يُعاد ربط الممارسة بالأفكار الأساسية، فالأفكار المركزية في مجال التمويل نبيلة للغاية. يرتبط كلّ من التأمين، والرفع المالي، وإدارة المخاطر، وخلق القيمة، والتفاوت في المعلومات، والخيارات الاستثمارية، بالسؤال الفلسفي نفسه الذي يراود الكثير منا: ما هو الشيء الأهم بالنسبة لنا وكيف يمكن لنا إنشاؤه وقياسه.

في المحصلة، تتضمّن الأفكار الأساسية للمالية إنسانية ونبلاً في داخلها. لنأخذ مجال التأمين على سبيل المثال، يرى معظمنا أنّ التأمين أمر عادي وغير مهم، ولكن مؤسس الفلسفة البراغماتية، تشارلز ساندرز بيرس، أصبح مهتماً بشركات التأمين، وكان يلقي محاضرات يقول فيها "نحن جميعنا شركات تأمين"، فقد فهم أنّ المشكلة التي تواجه البشر وشركات التأمين هي المشكلة نفسها: نعيش في عالم مليء بالعشوائية والفوضى ويجب أن نقرّر بشأن المخاطر التي نتخذها. وبالتالي، رأى أنّ ثمّة حلّاً واحداً ينطبق على شركات التأمين والبشر في آن، وهو يتمثّل في جمع البيانات وعيش الدنيا والاطّلاع على ما تقدمه وفهم الأنماط في الفوضى حتى يتمكّن المرء من تصفح الحياة العشوائية في الظاهر. إذا فكّرت في الأمر بهذه الطريقة ستجد أنّ التأمين ليس رائعاً فسحب ولكنّه عميق أيضاً.

هل يمكن تجنّب فضيحة التداول من الداخل التالية بواسطة الوصفات البسيطة التي يجب أن يطبقها العاملون في المجال على أفكار التمويل؟ ربما لا، ولكن على المدى البعيد، يمكن أن نتوقع من العاملين في القطاع أن يتصرفوا بطموح إذا ربطوا الممارسات المهنية بالأفكار النبيلة.

أيها الخريجون الذين تريدون خوض غمار مجال التمويل خذوا نفساً عميقاً. ستواجهون في مسيرتكم المهنية مشاكل كبيرة مع أشخاص لامعين جداً. ولذلك نأتمنكم على الأسئلة التالية: كيف ندّخر، وكيف نتعامل مع المخاطر، وكيف يمكننا كاقتصاد أن نوزع رأس المال؟ ارفعوا رؤوسكم، وتذكروا دائماً أنّ تصحيح القطاع المعطوب هو مسؤوليتكم.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!