تابعنا على لينكد إن

تعد القدرة على التركيز محرّكاً مهماً للتميز. فالأساليب التي نتبعها لتحقيق التركيز، كقوائم المهام، أو الجداول الزمنية، أو التنبيهات على التقويم، تساعدنا عادة على التقيد بالمهام ومحاولة إنجازها بالوقت المطلوب. وليس هنالك من يجادل بخلاف ذلك، وحتى لو وجدت أحداً ينكر هذا، فإن الأدلة تؤيد الفكرة التي ترى أن مقاومة التشتيت وتعزيز الانتباه يعود بالنفع عليك: فممارسة التأمل الذاتي لعشر دقائق كل يوم مثلاً قد يعزز من فعالية القيادة، وذلك عبر زيادة قدرتك على ضبط مشاعرك والاستفادة من التجارب التي مررت بها. لكن مهما كانت فائدة التركيز كبير، يبقى هنالك جانب سلبي للتركيز كما يتم فهمه عادة.

والإشكال هو أن التركيز المفرط يرهق دارة التركيز في الدماغ، ويمكن أن يستهلك طاقتك ويجعلك عاجزاً عن السيطرة. كما أن نفاد الطاقة هذا قد يجعلك أكثر تهوراً وأقل قدرة على المساعدة. والنتيجة هي أن القرارات تصبح غير مدروسة بالنحو المطلوب، كما أنك تصبح أقل ميلاً للتعاون مع الآخرين.

فما الحل إذن؟ هل نركز أم نتجنب التركيز؟

وفقاً لأحدث الأبحاث فإن التركيز وعدم التركيز على نفس القدر من الأهمية. فالدماغ يعمل بشكل مثالي حين يتنقل بين حالتي التركيز واللاتركيز، بحيث يتيح له تطوير قدر من المرونة، ويعزز الإبداع ويضمن قرارات أفضل أيضاً.

وحين تتوقف عن التركيز فإنك تفعل دارة في الدماغ تدعى “شبكة الوضع الافتراضي” (DMN). لقد اعتدنا النظر إلى هذه الدارة عادة بأنها تمثل حالة “عدم فعل أي شيء”، لأنها ترتبط بتوقفنا عن بذل جهد في التركيز. لكن حين تكون هذه الدارة في حالة “راحة” فإنها تستهلك 20% من طاقة الجسم (مقارنة بنسبة 5% التي يتطلبها أي جهد آخر).

وتحتاج شبكة الوضع الافتراضي هذا القدر من الطاقة لأنها أبعد ما تكون عن الراحة. فعبر رادار الدماغ الواعي تقوم هذه الشبكة بتحفيز الذكريات القديمة، وتأخذك وتعيدك بين الماضي والحاضر والمستقبل، وتعيد الدمج بين أفكار عديدة مختلفة. وعبر استخدام هذه البيانات الجديدة التي لم تكن قادراً على الوصول إليها من قبل، فإنك تطور وعياً أكبر بالذات وشعوراً بالاقتراب من شخصيتك. كما يكون بوسعك تصور حلول إبداعية أو تتوقع المستقبل، مما يجعلك تتخذ قرارات أفضل أيضاً. ثم إن هذه الشبكة تساعدك على التأقلم مع طريقة الآخرين في التفكير، مما يسهم في زيادة التفاهم والانسجام بين أعضاء الفريق.

وهنالك الكثير من الطرق البسيطة والفعالة لتفعيل هذه الدارة أثناء اليوم.

استخدام أحلام اليقظة الإيجابية البناءة. تعتبر أحلام اليقظة الإيجابية البناءة (PCD) نوعاً من الشرود الذهني يختلف عن الغرق في أحلام اليقظة أو إعادة استحضار أشكال القلق. فعندما تعتمد على أحلام اليقظة الإيجابية البناءة خلال يومك بشكل مقصود، فستجد أنها ستزيد من قدرتك الإبداعية وتعزيز مهاراتك القيادية إضافة إلى أنها تعيد النشاط إلى دماغك. وللبدء بهذا النوع من أحلام اليقظة لا يلزمك سوى اختيار نشاط ثانوي بسيط، كالحياكة أو العناية بالحديقة أو القراءة للتسلية، ثم انطلق في جولة إلى أعماق دماغك الكامنة. لكن على عكس ما يحصل عند الضياع في أحلام اليقظة العادية أو السلبية، فأنت تقوم هنا بتخيل أمر مبهج أو مرغوب- كالجري بين الأشجار أو الاستلقاء على مركب فاخر. ثم تنقل تركيزك من العالم الخارجي إلى مساحة داخلية من ذهنك وأنت تتخيل تلك الصورة، وأنت في الوقت ذاته تتمارس ذلك النشاط الخفيف كما أسلفنا.

لقد كانت أحلام اليقظة الإيجابية البناءة موضوع دراسة اهتم بها جيروم سنغر لعشرات السنوات، فهي تنشط شبكة الوضع الافتراضي، وتغير، إن صح التعبير، الأدوات التي يستخدمها الدماغ للعثور على المعلومات. ولو استخدمنا على سبيل التوضيح أدوات الطعام، فيمكن أن نقول إن الانتباه أثناء التركيز يكون كالشوكة، حيث يلتقط الأفكار الواعية الواضحة التي لديك. أما أحلام اليقظة الإيجابية البناءة فتساعد على توظيف أدوات أخرى، كالملعقة التي تجعلك تغرف من تلك النكهات المختلفة لهويتك (كرائحة جدتك، أو شعور المتعة الذي انتابك حين تذوقك أول لقمة من فطيرة التفاح في يوم خريفي بارد). أو قد تستخدم عيدان الأكل لتربط الأفكار المختلفة عبر دماغك (لتعزيز الابتكار)، أو الملعقة الطويلة لتدخل إلى دهاليز دماغك لتلتقط ذكريات بعيدة ضائعة تمثل جزءاً مهماً من هويتك. ففي هذه الحالة يكون شعورك بذاتك أكبر، وهذا كما يقول وران بينيس، هو جوهر القيادة. أما أنا فأدعوه مركز الجاذبية النفسية، وهي آلية أساسية تساعدك على زيادة مرونتك وقدرتك على إدارة التغير بشكل أكثر بفعالية.

خذ قيلولة. بالإضافة إلى تخصيص وقت لأحلام اليقظة الإيجابية البناءة، فيمكن للقادة أيضاً أن يفكروا بأخذ قيلولة أو غفوة سريعة. والقيلولة لها أشكال عديدة بالتأكيد. فحين يكون دماغك راكداً، فإنك تفقد الوضوح في الرؤية وتتراجع لديك القدرة الإبداعية. لكن الدراسات تظهر أنه بعد قيلولة سريعة لعشر دقائق يمكنك أن تستعيد نشاطك وانتباهك. لكن إن كنت تتعامل مع مهمة إبداعية، فأنت في حاجة ربما إلى إعادة تنشيط دماغك لفترة تصل إلى 90 دقيقة كاملة. فالدماغ يحتاج إلى هذه الفترة الأطول لينشئ روابط أكثر، ولينقب عن أفكار ضائعة في دهاليز عميقة من شبكة الذاكرة.

تظاهر بأنك شخص آخر. حين تكون عالقاً في عملية إبداعية، قد يساعدك اللاتركيز حين تجسد وتعيش شخصية مختلفة تماماً. في عام 2016، اكتشف اثنان من علماء النفس التعليمي وهما دينيس دوماس وكيفن دنبار، أن الأشخاص الذين يحاولون حل المسائل الإبداعية أكثر نجاحاً إن تمثلوا شخصية شاعر غريب الأطوار، بخلاف ما لو تمثلوا شخصية قيّم مكتبة صارم ومنضبط. ففي اختبار شارك به مجموعة من الأشخاص لاكتشاف أكبر قدر من الاستخدامات لأمر ما (كلبنة بناء)، نجح الأشخاص الذين قلدوا شخصية الشاعر غريب الأطوار في تحقيق نتائج أكثر إبداعاً. وقد تم التوصل للنتيجة نفسها كلما تبنى الأشخاص هوية مختلفة.

فحين تكون في مأزق إبداعي قم بتجربة هذا التمرين بتمثّل هوية مختلفة، وستجد أنك قادر على التحرر من تلك الحالة لتفكر من وجهة نظر مختلفة تماماً. وأنا أدعو هذا الأمر “الهالوين” النفسي.

لقد كان التركيز لسنوات عديدة موضع اهتمام بالغ بوصفه المقدرة الأهم التي تفوق جميع ما سواها. لكن بما أننا نقضي 46.9% من يومنا وأذهاننا شاردة بعيداً عن المهام التي بين أيدينا، فإننا نشعر بتلك الرغبة العارمة لامتلاك القدرة على التركيز أكثر. لكن في حال استفدنا من تمارين أحلام اليقظة الإيجابية البناءة (PCD)، وحاولنا أخذ غفوة تتراوح من 10 إلى 90 دقيقة، ومارسنا تمرين “الهالوين” النفسي خلال اليوم، فإننا سنكون أكثر قدرة على الاحتفاظ بالتركيز لاستخدامه متى احتجنا إليه، وأن نستخدمه بكفاءة أعلى أيضاً. والأهم من ذلك أن اللاتركيز سيتيح لنا تحديث المعلومات في أذهاننا، ويمنحنا القدرة على الوصول إلى كوامن أعمق من ذواتنا مما يعزز مرونتنا وإبداعنا وقدراتنا على اتخاذ القرارات.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz