كيف تُعيد ابتكار نظام الإنتاج في الوقت المناسب بدلاً من التخلي عنه؟

6 دقائق
الإنتاج في الوقت المناسب
ماركوس ليندستروم/غيتي إميدجيز
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: أدت التعطيلات في سلاسل التوريد الناجمة عن الجائحة والكوارث الطبيعية والحرب والتوترات الجغرافية السياسية إلى التشكيك في جدوى سلاسل التوريد العالمية التي تعمل بنهج “الإنتاج في الوقت المناسب”. ولكن بدلاً من التخلي عنها، ينبغي للشركات إعادة تصميمها. وتقدم هذه المقالة طريقة للقيام بذلك.

 

عندما ابتكرت تويوتا نهج “الإنتاج في الوقت المناسب” (just-in-time) لإدارة المخزون، كانت مصانعها ومصانع مورديها متجاورة. وقد أدى هذا القرب إلى تقليل “الهدر” مثل وقت النقل والفائض في المخزون، وتعزيز التعاون على جميع المستويات.

وسَّعت الشركات على مر العقود مفهوم “الإنتاج في الوقت المناسب” ليشمل سلاسل التوريد العالمية. ومع ذلك، استمر النظام في النجاح بفضل الظروف التجارية المستقرة والقدرات اللوجستية حول العالم، ما جعل تسليم السلع موثوقاً للغاية ويمكن التنبؤ به. ولكن في الوقت الحالي، أدى ما أسفرت عنه جائحة كوفيد-19 من اضطراب وعدم يقين، إضافة إلى التعطيلات الناجمة عن التقلبات المناخية والتوترات الجغرافية السياسية بين الولايات المتحدة والصين والحرب بين روسيا وأوكرانيا، إلى إثارة شكوك حول الحكمة من الاستمرار في تشغيل المصانع بنهج “الإنتاج في الوقت المناسب” الذي يعتمد على سلاسل التوريد العالمية.

تغري هذه التعطيلات الشركات للتوقف عن العمل بنهج “الإنتاج في الوقت المناسب” والعودة إلى الأنظمة القائمة على نهج “فقط في حالة” (just-in-case) التي تنطوي على الاحتفاظ بالكثير من المخزون في مواقع مختلفة في سلسلة التوريد العالمية لضمان استمرارية العمل. ولكن سيكون هذا خاطئاً؛ إذ لا يزال نظام “الإنتاج في الوقت المناسب” هو نظام الإنتاج الأكثر كفاءة، والتخلص منه وزيادة المخزون بشكل عشوائي يعني الإضرار بالأداء دون أن يؤدي ذلك إلى تحسين المرونة بالضرورة، لا سيما مع ارتفاع أسعار الفائدة. لذا فإن الخيار الأفضل هو تبنّي شكل معدَّل من نهج الإنتاج في الوقت المناسب، وهذا هو ما تفعله شركات مثل تويوتا وفولكس فاغن. وهذا الشكل يستلزم إنشاء مخزون أو بناء قدرة تصنيعية لحماية عملياتك من أي تعطيلات في سلسلة التوريد.

اعتمدت تويوتا هذا النهج بعد الزلزال الذي ضرب محافظة فوكوشيما في اليابان عام 2011. فقد حددت 500 قطعة لها الأولوية تشمل رقائق أشباه الموصِّلات التي كان إنتاجها يستغرق فترات طويلة للغاية وبالتالي فهي عرضة لحدوث تعطيلات. ثم وضعت خطة لاستمرار الأعمال تُلزِم مورديها بتخزين كمية من رقائق أشباه الموصلات في أي مكان بحيث تغطي من شهرين إلى 6 أشهر، حسب فترة الإنتاج. ونتيجة لذلك، في ربيع عام 2021، لم تشهد تويوتا أي تعطُّل أو تباطؤ في العمل، بينما عانى المنافسون مثل فولكس فاغن وجنرال موتورز وفورد وهوندا وستيلانتس (Stellantis). ولكن كمية مخزون الأمان لا تزال محددة، وبسبب النقص الذي استمر لفترة طويلة في الرقائق، تأثرت تويوتا في النهاية واضطرت إلى تعليق الإنتاج في بعض المصانع بعد عام.

تُعد بطاريات السيارات الكهربائية مثالاً آخر. مع انتقال صانعي السيارات على نحو متزايد إلى السيارات الكهربائية، أصبح بإمكانهم الاعتماد على بعض أكبر مصنعي بطاريات الليثيوم أيون في العالم، مثل إل جي للكيماويات (LG Chem) وكونتيمبوراري أمبيريكس تكنولوجي (Contemporary Amperex Technology) وبي واي دي (BYD) وباناسونيك، لتوصيل البطاريات في الوقت المناسب. ومع توقُّع نمو الطلب على السيارات الكهربائية بسرعة، لم تعد الشركات المصنعة متأكدة من أنها ستستطيع الحصول على الإمدادات من هذه الشركات المصنعة على أساس نهج “في الوقت المناسب”، أو في الواقع إن كانت ستتمكن من الحصول عليها أصلاً. وبالتالي، تبني فولكس فاغن مخزون أمان لمصانعها التي تعمل بنهج “الإنتاج في الوقت المناسب” على مستوى العالم، ليس من خلال التخطيط لتخزين مخزون من البطاريات ولكن عن طريق بناء مصانع بطاريات في جميع أنحاء العالم لضمان الحصول على إمدادات مستمرة وفي الوقت المناسب.

كيف تعيد تصميم شبكة تُدار في الوقت المناسب؟

يمكن للشركات تجديد سلاسل التوريد التي تعمل بنظام “الإنتاج في الوقت المناسب” عن طريق تحديد الأجزاء المتجاورة التي يمكن إدارتها في الوقت المناسب ثم الربط بين “هذه الأقسام التي تُدار في الوقت المناسب” من خلال مخزون الأمان. ولا يلزم أن يكون مخزون الأمان هذا مجرد مخزون مكدَّس؛ بل يمكن أن يكون أيضاً طاقة إنتاجية فائضة أو قدرة مرنة، أو حتى موارد مثل المستودعات أو وسائل النقل المشتركة مع المنافسين والشركات الأخرى. وبالتالي، تصبح سلسلة التوريد الخاصة بالشركة شبكة من أقسام تُدار في الوقت المناسب يربط بينها مخزون الأمان. يتطلب بناء شبكة تعمل بنظام الإنتاج في الوقت المناسب اتباع 4 خطوات موضحة فيما يلي.

1. ارسم خريطة لسلسلة التوريد. في حين أن جميع الشركات تعرف مورديها المباشرين، هناك شركات كثيرة لا تعرف مورديها الثانويين، وقد يكون مصدر التأخير أو التعطيل في سلسلة التوريد هم موردو هؤلاء الموردين غير المعروفين أو حتى في المراحل الأولى في سلسلة التوريد. الحل هو رسم خريطة موسَّعة لسلسلة التوريد. فمعرفة هؤلاء الموردين ومواقعهم يمكن أن تساعد الشركة على تحديد الأجزاء أو المواد الخام الأشد تأثراً. أتت هذه الخطوة ثمارها في المراحل الأولى من الجائحة مع القلة من الشركات التي فعلت ذلك بالفعل، ومن بينها تويوتا وويسترن ديجيتال (Western Digital) ومايكرون تكنولوجي (Micron Technology) وآي بي إم.

2. حدد الأقسام التي يمكن إدارتها “في الوقت المناسب”. تتضمن الشروط المطلوبة للقسم الذي سوف يُدار “في الوقت المناسب”: الحد الأدنى من التقلبات في الطلب ومطابقة أزمنة دورات التصنيع عبر الوحدات الموجودة في القسم ومدى قرب هذه الوحدات، ما يقلل وقت النقل ويجعل التعاون الوثيق ممكناً على مستويات مختلفة من الشركات في هذا القسم. قد تتكون بعض الأقسام من مصنع واحد فقط، بينما قد يشمل البعض الآخر موردين عبر مستويين أو أكثر.

3. أنشئ مخزون أمان في نقاط التقاء الأقسام. مرة أخرى، يمكن أن يكون مخزون الأمان مزيجاً من مخزون وقدرة احتياطية أو طاقة إنتاجية فائضة وموردين بدلاء وحتى مرافق مشتركة مع شركات أخرى، بمن في ذلك المنافسون. يجب أن تحدد الاختلافات في دورات الإنتاج بالمراحل الأولى والنهائية حجم مخزون الأمان، سواء كان مخزوناً أو قدرة إنتاجية.

من الأفكار التي يمكن تطبيقها لتعزيز الفعالية من حيث التكلفة هي استخدام نوع واحد من مخزون الأمان لخدمة قسمين مختلفين يعملان “في الوقت المناسب” ويواجهان مخاطر مختلفة للغاية في المراحل الأولى. إذا كان أحد خطوط الإنتاج معرضاً لمخاطر جغرافية سياسية والآخر لكوارث طبيعية، فسيكون كلاهما أفضل حالاً بوجود نوع واحد من مخزون الأمان (بدلاً من نوعين منفصلين). إذ سيحمي مخزون الأمان الأقسام في المراحل النهائية لخطوط الإنتاج هذه من أي تعطيلات تحدث في مصادر التوريد بالمراحل الأولى. يمكن أن يكون مخزون الأمان مستودعاً يحتوي على مخزون من المكونات اللازمة لأي خط، أو مصنعاً مرناً يمكنه تصنيع المكونات.

هناك فكرة أخرى تتمثل في التأكد من أن خطوط الإنتاج المختلفة في الأقسام المتجاورة يتوفر لها أكبر عدد ممكن من الأجزاء المشتركة، وإنشاء مخزون أمان لهذه الأجزاء، سواء كان مخزوناً أو قدرة على إنتاج تلك الأجزاء.

4. ضع في اعتبارك طبيعة العلاقة بالمورّد. تفترض أنظمة الإنتاج في الوقت المناسب أن الموردين متعاونون، ولكن في سلاسل التوريد العالمية تتراوح العلاقات بالموردين من علاقات تعاملية بحتة إلى علاقات تعاونية عميقة. يمكن أن يساعد مخزون الأمان على حماية الأقسام التي تُدار في الوقت المناسب من العلاقات غير التعاونية: في حالة المورّد البعيد وغير المتعاون، يجب بناء مخزون أمان أكبر للتغلب على القلق بشأن الإمدادات لاستمرار عمل القسم الذي يُدار في الوقت المناسب.

ومع ذلك، فإن بناء مخزون أو مصنع قد لا يكون دائماً عملياً أو ضرورياً حتى. إذ يمكن لمؤسسة مختصة بعمليات الشراء وتابعة لجهة خارجية، مثل لي آند فونغ (Li and Fung)، ولديها العديد من الموردين في بلدان مختلفة، ضمان تسليم الإمدادات بانتظام.

التكنولوجيات الرقمية يمكن أن تجعل الشبكات التي تُدار في الوقت المناسب أكثر مرونة

إحدى ركائز نهج الإنتاج في الوقت المناسب هي استخدام نظام “كانبان” (kanban) وهو نظام ينقل المعلومات بين العمليات ويطلب الأجزاء تلقائياً بينما يتم استخدامها. استخدم نظام تويوتا الأصلي البطاقات. عند استخدام صنف (أو صندوق أصناف) للإنتاج في محطة عمل معينة، يتم إرجاع البطاقة المصاحبة له إلى محطة العمل السابقة لطلب صنف آخر. وقد حلّت التكنولوجيات الرقمية محل البطاقات وجعلت من الممكن تجميع معلومات حول تدفق جميع الأصناف عبر جميع محطات العمل، ما يسمح بالتحكم والاستجابة بشكل أسرع لأي مشكلات أو عجز.

يمكن أيضاً استخدام التكنولوجيات الرقمية، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والتحليلات المحوسبة والبلوك تشين وإنترنت الأشياء، لتصميم الشبكة المجدَّدة التي وصفناها أعلاه وتشغليها. فالتحليلات المحوسبة، على سبيل المثال، يمكن أن تساعد أعضاء سلسلة التوريد على تحديد الأجزاء المشتركة عبر خطوط الإنتاج وتصميم مخزون الأمان الأمثل. ويمكن للتوائم الرقمية (Digital twins)، وهي نماذج رقمية لسلسلة التوريد، تنبيه المصانع في المراحل النهائية بشأن أي تعطيلات تحدث في المراحل الأولى بشكل أسرع حتى تستفيد من مخزون الأمان بسرعة أكبر. ويمكن استخدام البلوك تشين لمساعدة شركاء سلسلة التوريد على تبادل المعلومات بأمان. وأيضاً يمكن أن تساعد تكنولوجيا إنترنت الأشياء، مثل أجهزة الاستشعار وعلامات تحديد الهوية بموجات الراديو أو أكواد المنتجات الإلكترونية، أعضاء الشبكة على معرفة المخزون بشكل دقيق وآني. ويمكن أن يوفر التصنيع التجميعي (الطباعة الثلاثية الأبعاد) قدرة تصنيعية على درجة عالية من المرونة. (تستخدم مرسيدس-بنز تركس (Mercedes-Benz Trucks) ودايملر بصز (Daimler Buses) طابعات ثلاثية الأبعاد لتصنيع قطع الغيار البلاستيكية لشاحناتهما وحافلاتهما حسب الطلب).

إن الاستجابة للمشكلات التي تعصف بسلاسل التوريد العالمية ليست بالتخلي عن نهج “في الوقت المناسب” إزاء المخزون والإنتاج، بل بتغيير النظام حتى يتمكن من التعامل على نحو أفضل مع عدم اليقين. ونموذج الشبكة التي تُدار بنهج “في الوقت المناسب” الذي وصفناه أعلاه يمكن أن يساعد الشركات على القيام بذلك.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!