على الرغم من تطبيق الرئيس الأميريكي دونالد ترامب سياسة “أميركا أولاً” للتعامل مع الشركات الأميركية التي تستثمر في الخارج، وعلى الرغم من مخططه لإدارة منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا الذي صرح عنه في خطابه المعارض للاتفاق النووي الإيراني، والذي ينص أيضاً على حظر المسافرين من العديد من الدول ذات الغالبية المسلمة من دخول أميريكا، لا تزال العديد من الشركات تتطلع للاستثمار في تلك المنطقة.

ومنذ انتخاب ترامب، افتتحت دانكن دوناتس (Dunkin Donuts) أول محل لبيع منتجاتها في جنوب أفريقيا، وتخطط شركة ماكديرموت إنترناشيونال (McDermott International) للخدمات النفطية إلى بناء ساحة تصنيع في مجمع شحن أرامكو السعودية، كما اشترت أمازون أكبر متجر للبيع بالتجزئة على الإنترنت في الشرق الأوسط، سوق.كوم. وأتمّت بوينغ صفقة قيمتها مليارات الدولارات مع إيران.

في بحثنا حول العمليات متعددة الجنسيات في الشرق الأوسط وإفريقيا، علمنا أنّ الشركات تدرك جيداً كيف يمكن للسياسات الخارجية والتجارية للرئيس ترامب أن تؤثر على أعمالهم هناك. غير أنّ المنطقة متقلّبة وغير قابلة للتنبؤ منذ وقت طويل (من الانقلابات والتغيرات الحادة في السياسات الحكومية، ونقص العملة، والإرهاب، وتشريد السكان على نطاق واسع)، لذلك، فإنّ العمل في ظل حالة من عدم اليقين ليس جديداً.

تقوم العديد من الشركات بتقييم تعرضها لقرارات سياسية محددة (على سبيل المثال، إذا انسحبت الولايات المتحدة من جانب واحد من الاتفاق النووي الإيراني)، ووضع خطط للطوارئ، وتنويع محفظتها من الأسواق. على سبيل المثال، تشير ندرة الموارد النسبية لبيانات السياسة التنفيذية بشأن جنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا (مقارنة بالمكسيك أو الصين) إلى أنّ أسواق جنوب صحراء أفريقيا قد تكون قادرة على انتزاع الركود إذا ما أدت السياسات الجديدة إلى انخفاض الطلب في الشرق الأوسط ومناطق أخرى. ولا تزال المنطقة جذابة، حيث قُدم ثاني أسرع نمو اقتصادي بعد آسيا والمحيط الهادئ الناشئة (أباك APAC) في العام 2017. هذا يجعل (إلى جانب عدد سكانها وهو 1.5 مليار نسمة) المنطقة فرصة توسع مثيرة للشركات متعددة الجنسيات في جميع الصناعات. وعلى الرغم من انخفاض أسعار النفط، وانخفاض قيمة العملة، وارتفاع الضرائب، وعدم اليقين الجيوسياسي، ما تزال المنطقة غنية بالفرص، من بيع تكنولوجيا تعزيز الكفاءة إلى الحكومة السعودية لتقديم المنتجات الغربية إلى 100 مليون مستهلك إثيوبي.

ولاقتناص هذه الفرص وتحقيق نمو مربح في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تحتاج الشركات إلى تكييف أعمالها مع احتياجات العملاء المتغيّرة (على سبيل المثال، أسعار أكثر تنافسية ومنتجات أكثر محلية)، وتحسين إدارة المخاطر والكفاءة العملية. وقد حددنا ثلاثة مجالات رئيسية تحتاج إلى التغيير:

إنشاء الطلب

لتعجيل النمو، تحتاج الشركات متعددة الجنسيات إلى إيجاد مصادر جديدة للطلب بشكل أكثر منهجية من مجرد التطلع لبيع المنتجات الغربية أو إطلاق منتجات جديدة. وتحتاج الشركات إلى تعزيز علاقاتها مع الشركاء المحليين وصانعي القرار في الحكومة، بالإضافة إلى الاستثمار في وجودها على أرض الواقع من أجل اكتشاف مشاكل واتجاهات وعملاء وفرص جديدة.

على سبيل المثال، تعمل العديد من شركات الرعاية الصحية متعددة الجنسيات التي نتعاون معها على توسيع فرقها المحلية في المملكة العربية السعودية بشكل نشط، وتعمل على الاستثمار في تحسين مهارات موظفيها في مبيعات الحلول والخدمات ذات القيمة المضافة والمشاركة الحكومية، حتى يتمكنوا من تقديم عطاءات أكثر فعالية لتقديم عطاءات لتجهيز مستشفيات جديدة. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى رسم خريطة لبرنامج الحكومة السعودية لعام 2030 وخطتها الوطنية للتحول إلى تحسين كفاءة القطاع العام.

وفي مصر، تؤدي التخفيضات في الدعم (جزء من برنامج إصلاح مالي أوسع يدعمه صندوق النقد الدولي) إلى إعادة تشكيل المشهد المحلي وتغيير سلوك المستهلك، حيث تساعد شركة الخدمات التي نعمل معها الحكومة على إنشاء بنية تحتية جديدة لتوزيع المعونات إلكترونياً للمجموعة المخفضة من الأفراد الذين يحق لهم الحصول عليها. وبهذه العملية، تكتسب الشركة منفذاً ثميناً إلى ملايين المستهلكين الجدد وتأمين حصة في السوق.

تكيف المنتج

إنّ تكييف عروض المنتجات مع التحولات في احتياجات العملاء والقوة الشرائية – الناجمة عن انخفاض قيمة العملة وزيادة حساسية الأسعار – هو التغيير الأكثر أهمية الذي تحتاجه الشركات متعددة الجنسيات لضمان الاستدامة طويلة الأجل لأعمالها الإقليمية. وقد قوضت القدرة التنافسية للمنتجات باهظة الثمن والمستوردة إلى حد كبير بسبب انخفاض قيمة العملة وقيود التكاليف في الأسواق من نيجيريا إلى مصر ومن جنوب أفريقيا إلى تركيا. ولمواصلة الوصول إلى المستهلكين، تحتاج الشركات متعددة الجنسيات إلى تسويق منتجات تقدم قيمة محسنة لتكلفتها أو عروض قيمة متميزة للغاية عبر مجموعة من شرائح العملاء.

من بين الشركات التي استطلعناها في اجتماعنا التنفيذي الأخير في مدينة جوهانسبرغ في جنوب أفريقيا، يتعامل 30 في المئة مع أسواق النمو البطيء مثل جنوب أفريقيا من خلال تقديم منتجات جديدة، أرخص، تساعدها على تأمين حصتها في السوق. وقال 45 في المئة منهم أنهم بحاجة إلى جلب ابتكارات جديدة إلى جنوب صحراء أفريقيا لدعم أهدافهم الاستراتيجية.

لقد رأينا طرقاً إبداعية للغاية للقيام بذلك. على سبيل المثال، قامت إحدى شركات الأجهزة الطبية التي عملنا معها بإنشاء مجموعات من المعدات المتنقلة التي يمكن تكرارها بسهولة (بدلاً من المعدات المصنعة خصيصاً للمستشفيات الفردية)، يتم تشغيلها بواسطة البطاريات الشمسية، للعمل في المناطق الريفية من جنوب صحراء أفريقيا الكبرى. وقد أنشأت بشكل أساسي سوقاً جديداً لمنتجاتها في غياب مباني المستشفيات التقليدية. وبالمثل، بدأت شركة للمواد الكيميائية التي تعمل في أسواق مجلس المؤسسة الخليجية، حيث أصبحت حساسية التكاليف أولوية كبيرة بالنسبة للعملاء، وذلك بتقديم حلول الصيانة والتصميم التي تشدد على تحسين الكفاءة.

في بعض الحالات، يتطلب تكيف المنتج جعل التصنيع محلياً في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، ولكن في كثير من البلدان الأخرى، يتطلب تغييرات في كيفية عمل الشركات مع قنوات البيع وشركاء التوزيع.

قدرات أفضل للموزع

يتطلب إنشاء الطلب المنهجي وعرض منتجات أكثر تمايزاً وجود شركاء ماهرين على أرض الواقع. وتجد الشركات متعددة الجنسية أنّ العديد من تجارها وموزعيها بحاجة إلى تطوير مهاراتهم ومسؤولياتهم، والانتقال من اتخاذ الأوامر والتعامل مع الخدمات اللوجستية لمساعدة الشركات المتعددة الجنسيات على تحديد مصادر جديدة للطلب، وتطوير استراتيجيات نمو السوق، وبيع الحلول المعقدة. وهذا مهم خاصة في سياق النمو البطيء والمنافسة المتزايدة، لأن الشركات تحتاج إلى العمل بجد للعثور على عملاء جدد والتنافس ضد الشركات الأقل تكلفة. وعندما استطلعنا عملائنا في جنوب صحراء أفريقيا الكبرى، صنفوا مهارات تطوير الأعمال ومهارات التسويق المبنية على المنتجات لتحديد المواقع كأفضل القدرات التي يحتاجونها من شركاء قنواتهم لتحقيق الأهداف في العام الماضي.

نتيجة لذلك، نرى أنّ الشركات متعددة الجنسيات تتخذ نهجاً أكثر شمولية لإدارة شركائها المحليين وإعادة إكسابهم المهارات. على سبيل المثال، كانت شركات تبادل الأعمال التجارية والتعاون (B2B) مثالاً عن الشركات التي تحدثنا معها والتي تستثمر في التدريب على المهارات المتخصصة لموزعيها لدعمهم في إجراء مبيعات معقدة لعملاء أكثر. فقد أرسلوا فريقاً للتعقب سراً وتدريب الموزعين الكينيين لمدة شهر، قبل الانتقال إلى سوق أخرى للقيام بنفس الأمر ثم واصل المدير العام الكيني الإشراف على تنمية مهارات الشركاء ومراقبة تقدمهم كجزء من مراجعات الأعمال الفصلية.

مع التركيز على الكشف عن الفرص الجديدة غير المستغلة، وعروض المنتجات القوية، وشركاء قنوات أكثر مهارة، لا يمكن للشركات متعددة الجنسيات فقط تحسين أدائها في المنطقة، ولكن أيضاً بناء القدرة على التكيّف مع الاضطرابات التي تواجهها على مدى السنوات المقبلة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!