تابعنا على لينكد إن

“إذا كنت لا تطيق الحرارة فاخرج من المطبخ”، كان هذا هو الجواب الحاضر لدى مايكل كلما بدأ المدراء التنفيذيون في شركته “ينهزمون تحت الضغط” ويتململون من أداء واجباتهم. حيث واجه مايكل، وهو رجل عصامي التطور في عمله حتى صار الرئيس التنفيذي لشركة نفط عالمية، كما واجه العديد من المواقف الصعبة في منصات استخراج النفط في بداية حياته المهنية، ويعتبر نفسه رجلاً صارماً لا مجال عنده للتهاون والضعف.

لكن ومع التركيز الإعلامي والرقابي المتزايد على قضية أسعار النفط، بات المشهد أكثر تعقيداً فيما يخص عمليات إعادة الهيكلة في الشركة، ووجد مايكل نفسه أمام معضلة لم تكن في حسبانه من قبل. كما وجد أنّ طريقته الفظة في التعامل مع ضعف الأداء بين أعضاء اللجنة التنفيذية لم تجد نفعاً.

في العام الماضي اختفى اثنان من أعضاء الفريق بعد أن أخذا مغادرة مرضية طويلة الأمد (أو هكذا رآها هو)، وفي يوم الاثنين أخبرته إحدى الزميلات، وكانت عادة ما تدعم الآخرين وتكمّل عملهم، إضافة إلى أنها كانت دوماً مصدراً للأفكار الخلاقة، بأنها ستأخذ إجازة هي الأُخرى لأنها تعرضت لإنهاك بسبب الضغط في العمل. لقد كان مايكل منزعجاً من نفسه في تلك اللحظة بقدر ما انزعج منها. إذ شعر بأنّ الفريق بأكمله معرض بشكل جدي للانهيار. لماذا لم يتوقع حدوث ذلك من قبل؟، ما الكارثة التي حلت به؟، في هذا الصدد، شعر مايكل بغضب شديد بعد خسارته لثلاثة من أعضاء فريقه. وكان هو نفسه أيضاً يخشى أن يكون منهكاً وعلى مشارف الانهيار، وأن يضطر لأخذ إجازة مدفوعة لعدة أسابيع.

وحين اجتمع مايكل بمدير الموارد البشرية لمناقشة الوضع معه، بدأ بلهجته الصاخبة المعتادة، ولكنه سرعان ما أدرك أنه تجاهل العديد من المؤشرات التحذيرية. وحين علم مايكل أنّ ما حدث للفريق التنفيذي بدأ يترك آثاراً أُخرى في أقسام الشركة، لم يجد مهرباً من الاعتراف بأنّ طريقته التي لا تعرف المهادنة في القيادة ربما تكون المشكلة.

الحد الأقصى من الضغط

وجدت دراسة صدرت مؤخراً أنّ الضغط الناجم عن العمل في المملكة المتحدة في العامين 2015-2016 كان مسؤولاً عن 37% من حالات اعتلال الصحة وعن 45% من أيام العمل الضائعة بسبب المرض في جميع القطاعات والمهن. كما حددت هذه الدراسة “ضغط عبء العمل” (بما في ذلك مواعيد التسليم المستعجلة والمسؤوليات الزائدة) و”نقص الدعم الإداري” باعتبارهما عاملين أساسيين، إذ قال الموظفون أنهما يرفعان من مستوى التوتر في العمل. وينشأ عن هذا الأمر معضلة معروفة منذ وقت طويل: وهي الضغط لزيادة الأداء ليس فعالاً إلا إلى مستوى ما لا يمكن تحديده تماماً. فهنالك مستوى من الضغط “الإيجابي”، أي ذلك الضغط الذي يساعد على إبقاء الموظفين متحفزين ومتيقظين للعمل، ولكن الحد الفاصل بين الضغط الإيجابي النافع والضغط السلبي الضار سرعان ما يتلاشى وينزل بساحة المدراء والموظفين دون أن يكونوا مستعدين لذلك. وعليه نستنتج، أنّ لكل منّا مستوى من التحمل يتأثر بعوامل عديدة بعضها نفسي وآخر جسدي، وحين يؤدي التوتر أو الضغط إلى ضعف الأداء ولم يتم معالجة هذا الأمر على الفور، فقد تتفاقم الحالة إلى الإعياء التام.

وعلى الرغم من كون الضغط والإعياء في مكان الأمر مسألة إشكالية، إلا أنها نادراً ما تكون موضوع نقاش في اجتماعات فرق الإدارة التنفيذية العليا. فالعديد من المدراء التنفيذيين مثل مايكل يعتقدون أنّ هذه ليست إلا مشكلة تؤثر على “الأضعف” من الناس. وكثيراً ما يميل البعض إلى ربط الإعياء بقلة النوم، وهو أثر جانبي معروف يؤثر على نمط حياة المدير التنفيذي المشغول. لكن الأمر لا يقف هنا، فوفق خبرتنا نرى تكلفة الإعياء وخيمة جداً ولا تقف عند التأثير على النوم وحسب. فالشركات تخسر مبالغ ضخمة من المال بسبب صفقات غير موفقة، وقرارات غير سليمة، أو في معالجة الأخطاء التي ترتبط بالضغط الناجم عن حجم العمل.

تقييم مؤشرات ضغط العمل

انطلاقاً من معرفتنا بأفضل الممارسات المتعلقة بالتعامل مع الأزمات في مجال الطيران والرعاية الطبية قررنا تطوير منهجية بسيطة وناجعة تساعد المدراء التنفيذيين مثل مايكل ومدير الموارد البشرية لديه على اكتشاف الحالات التي تكون على مشارف الإعياء التام. المنهجية الناجعة هي تلك التي يمكن تذكرها بسهولة وتستطيع تحديد بشكل واضح المسائل الدقيقة التي لا بد من التعامل معها. ومن الأمثلة الكلاسيكية المعروفة والمستخدمة على نطاق واسع لمثل هذه المنهجيات هو نظام “أبغار” (APGAR) الذي وضعته الطبيبة فيرجينيا أبغار عام 1952 كوسيلة سريعة لتلخيص الحالة الصحية للأطفال حديثي الولادة. إذ كان هذا النظام فعالاً وعملياً لأنه سهل التذكر والتطبيق، وصار نظاماً سارياً للتقييم الأولي السريع للحالة الصحية العامة التي تخص الرضيع في غضون دقائق.

وبناء على فعالية مثل هذه الأنواع من التقييمات السريعة قمنا بوضع مقياس “أبغار للضغط”. وبدل أن يكون لدينا اختبار أو استبيان أو أداة تقييم، فإنّ هذا المقياس يوفر إرشادات دالّة تساعد المدراء التنفيذيين على التفكير والتعاطي مع العوامل التي تؤدي إلى الإنهاك التام.

وهذا المقياس الذي وضعناه يتناول خمسة جوانب أساسية تكون مؤشراً على تزايد محتمل في الضغط الواقع على الموظفين وهي:

المظهر: كيف يبدو الشخص الذي أمامك؟، هل يبدو متعباً بشكل واضح؟، هل لاحظت عليه زيادة أم نقصاً في الوزن مؤخراً؟، هل هنالك ما يشير إلى أنه يتناول أدوية معينة؟

الأداء: يرتبط التراجع في الأداء، ولاسيما إن كان على فترة ممتدة من الوقت، بتزايد مستوى الضغط على الشخص. في المقابل، إذا لاحظت على الموظف أنه يبذل جهوداً لمضاعفة أدائه بحيث يتحول إلى “مدمن عمل” فإن هذه أيضاً تكون مؤشراً يجدر التنبه إليه.

التوتر المرتبط بالنمو: يتحقق النمو نتيجة التعلم والعمل على الأهداف الكبيرة، والناس يختلفون فيما بينهم كما هو معروف، فالبعض يتعامل مع التحديات الجديدة بثقة، والآخرون يجدون فيها صعوبات جمّة. فهل تشعر أن الموظف يشعر بالملل؟، أو هل تشعر أنه مغمور في العمل؟

السيطرة على المشاعر: كل منا يمر بأيام سيئة بين الفينة والأخرى، ولكن معظمنا يكون قادراً على التحكم بمشاعره بطريقة مناسبة لمكان العمل. ولكن التغييرات الملحوظة والمتواصلة في الحالة العاطفية، ولاسيما ما يحدث لدى الشخص من انفعالات مفاجئة أو تقلبات في المزاج تكون مؤشراً على زيادة العبء الواقع عليه من الضغط النفسي والجسدي.

العلاقات: العلاقات الشخصية جزء أساسي لا غنى عنه للصحة الذهنية، لكن في المواقف التي يكون فيها الضغط على أشدّه، ويمكن ملاحظة تدهور الأمر على صعيد جودة العلاقات في مكان العمل ربما نصل إلى حد العزلة الاجتماعية عند بعض الأشخاص.

كيف نستفيد من هذه المؤشرات؟

يمكن استخدام هذه المؤشرات التي تحدثنا عنها لتكون مقياس يدل على التغيرات في مستوى الضغط ضمن مكان العمل. وكما أنّ مقياس الضغط الجوي يقدم بيانات بالغة الأهمية للبحار في السفينة، إنّ مقياس الضغط في مكان العمل يوفر معلومات مهمة أيضاً بشأن أية مخاطر أو عواقب محتملة. فلو لاحظت لدى أحد الزملاء أو الزميلات تغييرات مثيرة للقلق في واحد أو أكثر من هذه المؤشرات، يجب حينها الانتقال إلى خطوة تالية لتحديد ما إذا كان يمكن أن تتحول هذه التغيرات إلى حالة خطرة في حال تم تجاهلها.

نكرر ونقول هنالك اختلافات بين المؤسسات والأفراد، ولذلك لا نستطيع أن نضع مقياساً ثابتاً لكافة الحالات. ولكن مقياس ضغط العمل هذا يبقى وسيلة مفيدة بوسع أي شخص أياً كان منصبه في الشركة، بالإضافة إلى أفراد الأسرة والأصدقاء استخدامه، لجمع المعلومات التي تكون منطلقاً لحوار مع الشخص المعني.

ورجوعاً إلى مايكل والحالة التي استخدمناها كمثال هنا، نستطيع تحديد المشكلة التي تفاقمت، كما يحدث في معظم الحالات، بسبب التردد في مناقشة مسألة ضغط العمل مع كبار المدراء التنفيذيين. لقد كان زملاء مايكل متخوفين من الحديث معه حول المسألة ومصارحته بأنّ ضغطه المتواصل عليهم يؤثر على أدائهم.

كما سألنا كبار المدراء التنفيذيين عما يمكن إخبار مايكل به لإقناعه بالعدول عن المنهجية التي يتبعها، فأخبرنا مدير تنفيذي في شركة ضمن قطاع النفط: “من الواضح أنّ أسلوب مايكل في التعامل مع الآخرين لا يجدي نفعاً. فهو لا يستمع إلى من حوله، ويبدو أنه لا يعير اهتماماً مطلقاً بمؤشرات تزايد الضغط والتوتر بين الموظفين والزملاء. حيث أنه من المهم جداً إدراك مايكل أنّ الناس ليسوا متماثلين، ولا يفكرون بنفس أسلوبه بالضرورة. لكن بالنظر إلى ذهنية مايكل فإنه يكون بحاجة ربما إلى أن يتعرف أكثر على الجانب اللين من سمات الأشخاص القياديين”. وقال لنا مدير تنفيذي آخر: “إنّ مايكل يضيع الكثير من المهارات بهذه الطريقة، وهذا الأمر ينعكس سلباً عليه. الأمر واضح جداً: إن بدأ الموظف يكره الذهاب إلى العمل فإنه سيستقيل ولو بعد حين. والمصيبة أنه يذهب إلى شركة أُخرى ليبدأ بداية جديدة ليجد مديراً آخر مثل مايكل أو أشدّ منه”.

لو قرر مايكل أن يعالج الأثر المدمر للضغط المرتبط بالعمل مع أفراد فريقه، عليه بداية التعامل مع “المسكوت عنه” ويكون ذلك أولاً عبر الحديث معه حول مؤشرات مقياس “أبغار” لضغط العمل. فالمطلوب منهم كفريق أن يتوصلوا إلى اتفاق حول كيفية التعامل مع أي مشاكل أو تخوفات على هذا الصعيد. وعبر اتخاذ بعض الخطوات المباشرة والواضحة سيكون بوسع مايكل وفريقه أن يحدوا من فرصة وصول أي منهم إلى مرحلة الإنهاك التام في العمل خلال المستقبل، وتجنب التبعات المالية التي تترتب على ذلك عادة.

إضافة إلى ذلك، يمكن استخدام مقياس “أبغار” الخاص بضغط العمل خلال فترة من الزمن للتأكد إن كانت هنالك زيادة أو تراجع في مؤشرات ضغط العمل. ويمكن اللجوء إلى تقييم ذاتي من عشر نقاط بحيث يشير الشخص إلى وضعه فيما يتعلق بضغط العمل، وذلك لمعرفة ما إذا كانوا بحاجة لبعض المساعدة. أما إن كان الفرد متردداً في نقاش مستوى الضغط لديه حتى لو كان عرضة للإنهاك، فإنّ على الزملاء التفكير ببعض السبل غير المباشرة للتعامل مع الأمر. إذ يمكن لفريق الإدارة مثلاً اللجوء إلى الرئيس التنفيذي وإخباره بأنّ مزاجه المتقلب يؤثر على الطريقة التي يعملون بها معاً. ومن المعروف أنّ زيادة التواصل والاهتمام مع الشخص المعرض للإنهاك بسبب ضغط العمل ينعكس إيجاباً عليه، ويحد من عزلته الاجتماعية ويزيد في المحصلة من رغبته في الحديث بصراحة عما يعانيه في العمل. وبمجرد ترسيخ هذا النوع من الثقة سيكون من السهل على هذا الشخص الحديث عن ضغط العمل الواقع عليه دون الاضطرار للجوء إلى استشاريين مختصين بهذه المسائل من خارج الشركة.

نأمل أن يكون مقياس “أبغار” لضغط العمل نقطة بداية لحوارات صريحة لخلق بيئات عمل أفضل. كما أنه من الضروري إذا كنا حريصين على جانب الاستدامة في أعمالنا خلق بيئة عمل تتيح للعاملين فيها فرصة الحديث عن الضغوط التي يواجهونها. وكما قال هانز سلي رائد البحوث الحديثة في مسألة الضغط النفسي: “ليس الضغط ما يقتلنا، بل طريقتنا في التعامل معه”.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

1 تعليق على "نظام تحذير مبكر لمعرفة مستوى الضغوطات لدى فريقك"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
Sadiq Al Menhali
Member
Sadiq Al Menhali
1 سنة 2 شهور منذ

شكرا على الموضوع ,,, مهم جدا مراقبة حالة الموظفين النفسية حتى يعطوا بكفائة

wpDiscuz