facebook
twitter
whatsapp
email
linkedin
messenger

شهدنا انخفاضاً متسارعاً في المشاركة في المؤسسات الأهلية خلال السنوات الأخيرة، حيث تتناقص أرقام العضوية في الجماعات الدينية والمؤسسات العمالية والمنظمات غير الربحية. ويمكن أن يفسر شخص متهكم هذه الاتجاهات بصفتها علامة على أننا جميعاً صرنا منعزلين في محراب العالم الرقمي ومنهمكين بشدة في التركيز على شاشات أجهزتنا الذكية. والحقيقة هي أن المجتمعات القوية لا تكتفي بعيش حياتها على ما يرام فحسب، بل إنها تزدهر أيضاً. وكل ما في الأمر أنها تبدو مختلفة عما كانت عليه قبل خمسين عاماً، وحتى قبل 20 عاماً. إذ إنها تتمحور حول الشركات والعلامات التجارية وتتيح فرصاً هائلة للشركات في شتى أنحاء العالم.

حمّل تطبيق النصيحة الإدارية مجاناً لتصلك أهم أفكار خبراء الإدارة يومياً، يتيح لكم التطبيق قراءة النصائح ومشاركتها.

ولنأخذ شركة "سيلز فورس" (Salesforce) على سبيل المثال، ففي حين قد تعتقد أن قيمتها البالغة 140 مليار دولار تعزى ببساطة إلى ابتكارها لبرمجيات تُقدم حسب الطلب من خلال نظام السحابة، إلا أنها أنشأت أيضاً مجتمعاً يتكون من حوالي مليونَي عضو يدعمون بعضهم البعض وينظمون الفعاليات وينتجون المحتوى ويُعدون جزءاً بالغ الأهمية من عملياتها على الصعيد العالمي. ويشكل هذا المجتمع شبكة عالمية تتكون من العقول والكفاءات والوقت، تدعم جميعها نجاح شركة "سيلز فورس". ويمثل مؤتمر "دريم فورس" (Dreamforce) السنوي الذي تنظمه الشركة، والذي يجتذب حوالي 200 ألف من المساعدين إلى مدينة سان فرانسيسكو سنوياً، وجهة لأعضاء بيئة عملها المتكاملة للاجتماع وإقامة العلاقات ودفع خططها المؤسسية قدماً.

وتتضمن الأمثلة الأخرى شركة "هارلي ديفيدسون" (Harley Davidson)، التي أنشأت أكثر من 1,400 فرع محلي في شتى أنحاء العالم لمحبّيها للالتقاء ببعضهم بصورة شخصية وخوض مناقشات بشأن درّاجاتهم البخارية. ومثال آخر هو شركة "فيتبيت" (Fitbit)، التي أنشأت مجتمعاً يتكون من 25 مليون عضو يتشاركون أنظمتهم في ممارسة الرياضة ويعملون معاً على تحسينها. ومن الأمثلة كذلك، شركة "هيت ريكورد" (HITRECORD)، التي جمعت بين أكثر من 750 ألف فنان وكاتب ومنتج أفلام للتعاون في إنتاج أعمال فنية عُرض الكثير منها في مهرجان صندانس السينمائي. والقائمة تطول.

وفي حين أن المجتمعات تؤدي إلى تحقيق قيمة ملموسة للشركة، مثل المحتوى والفعاليات والمناصرة والتسويق عبر الإنترنت والإنتاج التكنولوجي ودعم الزبائن والتعليم، إلا أن القيمة غير الملموسة التي يستمدها الأعضاء من التجربة هي التي تجعل هذه البيئات ترابطية فعلاً. إذ إن البشر، في الأساس، كائنات اجتماعية. وقد تعلمنا من أبحاث الاقتصاد السلوكي والأبحاث النفسية أننا نسعى إلى تكوين شعور بالترابط والانتماء والغاية والمغزى، لاسيما عند أداء عملنا، حيث أوضح كتاب تيريزا آمابيل "مبدأ التقدم المحرز" (The Progress Principle)، وكتاب دانيال بينك "الدافع" (Drive) على حد سواء، أن إحراز تقدم صوب تحقيق غاية مشتركة يعد العامل الأكثر تحفيزاً الذي يمكن أن يشعر به الموظف. وتحقق المجتمعات هذه المزايا مستحدثة شعوراً بالمسؤولية المشتركة ومجموعة من القيم مع الحفاظ على استقلالية الأفراد في الوقت نفسه.

نموذج العمل الأفضل

إذا كان يمكن للشركة الانتقال من مجرد تقديم منتج إلى بناء مجتمع، فسيكون بوسعها إطلاق العنان لميزات تنافسية فائقة ووضع نموذج عمل أفضل ودعمه على حد سواء. وعلى وجه التحديد:

  • يساعد الأعضاء المناصرون للشركة في حصولها على أعضاء جدد، وهو ما يسفر عن تقليل تكاليف الحصول على الزبائن وإنشاء شبكة منتشرة ومتقاربة.
  • يكره الأعضاء التخلي عن المجتمع، وهو ما يسفر عن زيادة نسبة الاستبقاء، ومن ثم تحسين القيمة المتحصلة من الزبائن على مدى الحياة.
  • يدعم الأعضاء بعضهم البعض، وهو ما يؤدي إلى تحقيق هوامش ربح مرتفعة بسبب انخفاض تكلفة الخدمة.

وتتمثل النتيجة المترتبة على هذا في تأثيرات واقعية للغاية ناجمة عن الشبكات: إذ إنه بازدياد المشاركة، تصبح المجتمعات أذكى وأسرع وأكثر توافراً على الصعيد العالمي وتحقق قدراً أكبر من القيمة.

وثمة مثال آخر على الشركات التي أدركت السبل الكفيلة باستخدام المجتمع لدعم نموذج عملها التجاري، يتمثل في شركة "كود أكاديمي" (Codecademy). فمنذ تأسيس الشركة قبل تسع سنوات، التحق أكثر من 50 مليون شخص بأحد مقرراتها التعليمية. وفضلاً عن قائمتها الثرية بالمحتوى التعليمي التفاعلي، يكمن السر في نجاح شركة "كود أكاديمي" في قدرتها على الربط بين المتعلمين الذين يساهمون في هذه القائمة ويتعاونون لتحسين مهاراتهم. ويستفيد مستخدمو خدمة "كود أكاديمي برو" (Codecademy Pro)، وهي العرض المتوفر بالاشتراك المدفوع، من مجموعة متوفرة على تطبيق "سلاك" (Slack)، تتيح لهم الالتقاء والاختلاط وتبادل أفضل الممارسات مع الآخرين والمشاركة في الفعاليات مع المختصين والزملاء في هذا القطاع. ويتولى المتعلمون أصحاب المستويات المتقدمة إرشاد المتعلمين المبتدئين. وتُحدث بيئة التعلم الثرية هذه أثراً مترتباً على وجود الشبكة في نموذج العمل التجاري للشركة ربما لا يتمتع به في الأصل.

ثمة تغيير هائل يحدث

لماذا يحدث ذلك؟ يتمثل أحد الأسباب الرئيسية في أن منصات التواصل القائمة على التكنولوجيا أضحت تتخذ صبغة سلعية بقدر أكبر وتعد أيسر منالاً عما كانت عليه من قبل، موفرة جمهوراً يتزايد بسرعة ويمكن تحديده وحصره. إذ أضحى لدينا في الوقت الحالي العديد من الأجيال من الأفراد الذين ترعرعوا في كنف التكنولوجيا، لاسيما الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي، بصفتها جزءاً من حياتهم اليومية. حيث يقدّر أن يصل انتشار الهواتف الذكية على الصعيد العالمي إلى 45% في عام 2020، وهو ما يعني أن شخصاً واحداً من كل شخصين في العالم يتمتع بالقدرة على الانخراط اجتماعياً مع الآخرين عبر الإنترنت.

وفي ضوء توفر الأساس الملائم، فقد استُحدثت العديد من الأدوات الرخيصة والقابلة للقياس لبناء مجتمعات على المستويين المحلي والرقمي على حد سواء. وتشمل هذه الأدوات: "ديسكورس" (Discourse)، و"سلاك"، و"جيت هاب" (GitHub)، و"ميت أب دوت كوم" (Meetup.com)، و"وورد بريس" (WordPress)، التي تجعل جميعها من السهل عملياً الالتقاء بأشخاص ذوي تفكير مماثل والانخراط معهم، ومن ثم، أخذت في الشيوع بصورة متزايدة.

ويتوقع المستهلكون في الوقت الحاضر علاقة مختلفة مع العلامات التجارية. إذ إنهم لا يريدون فحسب عنوان البريد الإلكتروني لقسم دعم الزبائن والرسائل الإخبارية التي يصدرها، بل يرغبون في تفاعل أعمق مع الشركة والمشترين الآخرين للمنتج أو الخدمة. وينبغي ألا يكون مثاراً للدهشة أن حوالي 80% من مؤسسي الشركات الناشئة، في دراسة استقصائية حديثة، أفادوا أن بناء مجتمع للمستخدمين كان مهماً لشركتهم، منهم 28% من المشاركين وصفوا مجتمع المستخدمين بأنه خندقهم التنافسي ويعد عاملاً بالغ الأهمية لنجاحهم الذي حققوه. وقد استثمرت أكبر خمس علامات تجارية – وهي "آبل" و"جوجل" و"مايكروسوفت" و"أمازون" و"فيسبوك" – بشكل كبير في الانخراط في المجتمعات الرقمية والشخصية المباشرة في مجموعة منتجاتها المتنوعة.

أنماط النجاح السبعة في بناء مجتمع للشركة

بوسع أي شركة إنشاء مجتمع لها يكون الدافع وراءه جاذبية الأفضلية التي يتمتع بها نموذج عملها التجاري والأدوات المتاحة والجمهور المتحمس والمتاح. لكن إنشاء ذلك المجتمع يشكل تحدياً من الناحيتين التكنولوجية والثقافية على حد سواء. إذ لا يعد إنشاء منصة أمراً كافياً، بل يلزمك أيضاً تهيئة بيئة تشجع السلوك الذي ترغب في رؤيته وتعرض القيمة المحققة وتُبرز المشاركة الفاعلة وتكافئها.

وتتسم المجتمعات الناجحة بسبعة عناصر أساسية، على النحو التالي:

1. الهدف والقيم المشتركة. يجب أن يكون المجتمع، كما توضح المديرة التنفيذية السابقة لشركة "إنستغرام" بيلي ريتشاردسون، قادراً على الإجابة عن السؤال الذي مفاده: "ما سبب اجتماعنا سوياً؟".
2. بساطة استهلاك القيمة وسهولة الحصول عليها. يمكن أن يرى الأعضاء الحاليون والمرتقبون بسهولة المكاسب التي تعود عليهم، والمتمثلة في: الدعم والفعاليات والتوثيق والقدرة على تنزيل التكنولوجيا واستخدامها، إلخ. إذ إن القيمة ليست مخبأة أو مطمورة، بل هي منظمة ومتوفرة بشكل واضح.
3. بساطة خلق القيمة وسهولة نقلها. يمكن للأعضاء بسهولة خلق قيمة جديدة للآخرين في المجموعة لاستهلاكها. وتتسم عملية المشاركة هذه بأنها (أ) محددة بوضوح، (ب) بسيطة وبديهية، و(ج) توفر إشباعاً شبه فوري.
4. الحوافز والمكافآت المحددة بوضوح. تجد المساهمات القيّمة (مثل المحتوى والدعم والتكنولوجيا، إلخ)، والسلوك المتمركز حول المجتمع (مثل الإرشاد والقيادة والنمو) التقدير والثناء لتعزيز الشعور بالانتماء والوحدة والرضا.
5. المسؤولية المصممة بعناية. ثمة مراجعة موضوعية فيما بين النظراء وسير العمل محدد بوضوح. على سبيل المثال، مراجعة المحتوى والنظام والفعاليات. ولا يعني ذلك تحسين الإنتاجية وتنويع النتائج بقدر أكبر فحسب، بل يعني أيضاً زيادة التعاون وتطوير المهارات.
6. المشاركة السليمة والمتنوعة المرتكزة على القيادة الرشيدة. عندما تهدف إلى تحقيق التنوع وإبداء السلوك الحميد وتحظى بقادة يجسدون هذه المبادئ المهمة ويشجعونها، فإنك تقلل بذلك من المناخ المسموم وتزيد القيمة المحققة.
7. الحوكمة والتطور المفتوحان والموضوعيان. ثمة حوكمة واضحة وموضوعية، ويمكن لأعضاء المجتمع أداء دور فاعل في إعادة صياغة هيكلها ودينامياتها التشغيلية معاً، وهو ما يمنحهم مصلحة في الأمر، ومن ثم، يعطيهم شعوراً بتولي زمام الأمور والمسؤولية.

وتعد شركة "تشيف" دراسة حالة مهمة لمجتمع جديد يبحث عن تجسيد أنماط النجاح هذه. إذ إن هذه الشركة بمثابة شبكة خاصة صممت لدعم النساء المهنيات المميزات بمجموعة أساسية من الخدمات مثل التوجيه والتعلم من الأقران وإنشاء شبكات التعارف المهني. ومنذ تأسيسها في يناير/ كانون الثاني من عام 2019، شهدت الشركة توسعاً سريعاً ولديها أكثر من 5 آلاف اسم على قائمة الانتظار، حيث إن استهلاك القيمة (إسداء المشورة المتعلقة بالارتقاء بحياتك المهنية)، وخلق القيمة (التوجيه فيما بين الأقران) واضحان وجليّان، شأنهما شأن المشاركة السليمة والمتنوعة لأعضاء المجتمع التي تضفي شعوراً بالمسؤولية المتبادلة تجاه نجاحهم على الصعيدين الفردي والجماعي. ومع توسع الشركة في المدن على امتداد الولايات المتحدة، يمثل مجتمعها خندقها التنافسي المنيع الذي يتمحور حول غاية الارتقاء والدعم المهنيين للمديرات التنفيذيات العضوات في المجتمع.

قياس النجاح

في حين أنه لا يوجد حل سحري لبناء مجتمع للشركة، إلا أن النجاح يتحقق بتتبع مجموعة بسيطة ومركزة من المقاييس وإجراء عمليات تقييم وتعديلات، بصورة منتظمة، بناء على هذه التقييمات. وتعد هذه العملية عملية تطورية، حيث ينبغي للفريق المشترك بين الأقسام الوظيفية المختلفة أن يطرح باستمرار أسئلة بشأن النتائج التي يرونها ويقترح تغييرات في سبيل السعي إلى إجراء تحسينات. ومن ثم، تطرأ هذه التغييرات في شكل مجموعة من التجارب الصغيرة التي من شأنها إحداث الفرق وبناء الخبرات الداخلية على حد سواء.

وينبغي، بالنسبة لشركة تبني مبادرة مجتمع ينتمي لها، أن تكون المجالات التي تتبّعها كما يلي:

1. القيمة التي يستهلكها المجتمع ويخلقها. وهذا يعني تتبّع المشاركة الفاعلة والقيمة التي يستهلكها الأعضاء وينتجونها. على سبيل المثال، قياس الحركة على الموقع الشبكي للمجتمع والاشتراكات والمساهمات الفردية (مثل الإجابة عن الأسئلة وتنظيم الفعاليات وتحسين المحتوى)، والمجالات الأخرى.
2. تقديم العمل وتنفيذه. ويعني هذا النظر إلى مدى براعة الشركة في وضع استراتيجية مجتمعها وتقدير حجم العمل وتنفيذه بشكل فاعل. وهذا ضروري لضمان التوافق بين التخطيط والتنفيذ وتجنب إضاعة الوقت سدى.
3. الخبرة المؤسسية. وتتضمن هذه متابعة تبني مهارات المجتمع وخبراته وتطويرها في شركتك (مثل قراءة البيانات والاستجابة لها، والإرشاد وتقديم الحوافز، إلخ). وهذا ضروري لتوفير ما تحتاج إليه الشركة لتعزيز المجتمع وتنميته، لاسيما عند توسع نطاقه.

نحن في المراحل الأولى من التسخير الحقيقي لقدرات المجتمعات المثمرة والمصممة بعناية. ويمكن للمجتمعات، إذا ما نُفذت على نحو سليم، وارتبطت ارتباطاً وثيقاً ببنية الشركة، أن تمنحها ميزة تنافسية مستدامة وتدفع الوعي بالعلامة التجارية وإنتاج القيمة، ومن ثم، تعزيز إجمالي القيمة التجارية (وبالطبع، تقديم تجربة شخصية ممتعة ورفيعة المستوى لأعضاء المجتمع).

وحيث إن مستقبل الأعمال التجارية سيكون أكثر انفتاحاً وترابطاً وتفاعلاً، فإن مجتمعات الشركات ستغيّر طبيعة تفاعلنا مع العلامات التجارية والمنتجات والأشخاص الآخرين.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!