في يوم من الأيام، بدت صناعة الحديد الأميركية لا تقهر. وبدت صناعة السيارات الأميركية صلبة وقوية. وبدت صناعة الإلكترونيات الاستهلاكية الأميركية منيعة. في كل واحدة من هذه الحالات، غيرت المنافسة العالمية اللعبة للأبد. هل هذا ما سيحدث لقطاع الرعاية الصحية في الولايات المتحدة أيضاً؟

تخرج تكاليف الرعاية الصحية الأميركية عن السيطرة بحسب كل المعايير تقريباً، ولكن الأنظمة ترفض التغيير. ماذا لو استطعنا تقديم رعاية ممتازة بأسعار منخفضة جداً في موقع قريب من الولايات المتحدة؟ هذا ما فعلته مؤسسة نارايانا هيلث في العام 2014 عندما قامت بافتتاح مستشفى هيلث سيتي في جزر كايمان (HCCI)، والذي يقع خارج نطاق أميركا التنظيمي على الرغم من قربه منها.

وكما شرحنا في بحث (الابتكار العكسي في قطاع الرعاية الصحية)، أراد مؤسس نارايانا هيلث، الدكتور ديفي شيتي، أن يتسبب مشروعه باضطراب نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، فأسس شراكة مع أكبر شبكة مستشفيات غير ربحية في أميركا أسينشن (Ascension). يقول شيتي عن ذلك: "يجب أن تتغير أميركا لكي يتغير العالم. لذلك من الضروري أن يطلع صناع السياسة والمفكرون الأميركيون على نموذج يكلف جزءاً صغيراً مما يدفعونه وأن يروا أنه يحقق نتائج بجودة مماثلة".

جلبت نارايانا هيلث ممارسات مبتكرة صقلت في الهند إلى مستشفى هيلث سيتي لتقديم رعاية من الدرجة الأولى مقابل كلفة أقل بنسبة 25% إلى 40% من أسعار الولايات المتحدة. بالتأكيد، لم تكن بدرجة انخفاض التكلفة في مستشفيات نارايانا هيلث في الهند، حيث كانت الأسعار تساوي 2% إلى 5% من الأسعار في الولايات المتحدة، إلا أنه لا تزال أسعار مستشفى هيلث سيتي أقل بنسبة 60% إلى 75% من أسعار الولايات المتحدة. ومع ازدياد عدد المرضى تمكنت من تحقيق أرباح كبيرة على الرغم من هذه الأسعار المنخفضة. وبعد ثلاثة أعوام من افتتاح المستشفى، كان ما يقارب 30,000 مريض قد تخرج منها وأكثر من 3,500 مريض موجود فيها. وأجري فيه ما يقارب 2,000 إجراء بما فيها 759 إجراء في مختبرات القسطرة.

كانت نتائج مستشفى هيلث سيتي ممتازة على الرغم من أسعارها المنخفضة، حيث كان معدل الوفيات صفر، ما يجعلها رعاية مبنية على القيمة بحق. وقد نال مستشفى هيلث سيتي ترخيصاً من اللجنة الدولية المشتركة، ما يشكل إقراراً إضافياً لجودة خدمات هذه المؤسسة. وكانت جميع شهادات المرضى رائعة. أصيب جراح أوعية من ماساشوستس بأزمة قلبية أثناء إجازته في جزر كايمان، فأجريت له عملية قلب مفتوح في مستشفى هيلث سيتي. يقول هذا الجراح: "أرى العديد من المرضى بعد خضوعهم لعمليات جراحية في القلب، والرعاية التي شهدتها في مستشفى هيلث سيتي وفترة النقاهة التي قضيتها فيه تساوي بجودتها ما أراه في عملي في الولايات المتحدة بل تتفوق عليه. هذا النموذج هو ما يسعى قطاع الرعاية الصحية في الولايات المتحدة جاهداً لتحقيقه".

لقد حققت منشأة جزر كايمان أسعاراً منخفضة جداً عن طريق تبني العديد من الممارسات التقشفية التي استوردتها من الهند، وهي حالة من الابتكار العكسي، وهي:

  • بناء المستشفى بتكلفة 700,000 دولار للسرير الواحد، مقابل 2 مليون دولار للسرير الواحد في الولايات المتحدة. وتتمتع أبنيته بنوافذ كبيرة لاستغلال ضوء النهار والتهوية الطبيعية، ليوفر بذلك تكاليف تكييف الجو داخله. وتقع وحدات العناية المركزة فيه ضمن مساحة مفتوحة، ما يتطلب عدداً أقل من الممرضات للعمل فيها.

  • استفادت مؤسسة نارايانا هيلث من علاقاتها مع مورديها في الهند، حيث تتمتع بأسعار منخفضة نظراً للحسومات المرتبطة بالحجم، فحصلت على أسعار مماثلة لمستشفى هيلث سيتي في جزر كايمان. مثلاً، تم شراء جميع العقاقير المرخصة من إدارة الغذاء والدواء بعشر تكلفة بعض العقاقير في الولايات المتحدة. وتمكن مستشفى هيلث سيتي من شراء المعدات بثلث تكلفتها في الولايات المتحدة.

  • استعان مستشفى هيلث سيتي بموارد خارجية لتأمين أعمال المكاتب الإدارية، كالموارد البشرية والمحاسبة والقسم المالي وأعمال التدوين الطبي والأشعة، بتكلفة منخفضة وبالاستعانة بموظفين أصحاب مهارات عالية في الهند.

  • تم نقل أطباء على مستوى عال من الكفاءة من الهند إلى مستشفى هيلث سيتي. وعملوا كموظفين بدوام كامل بأجور ثابتة، تساوي 70% من الأجور في الولايات المتحدة، من دون حوافز ضارة تحثهم على القيام باختبارات أو إجراءات غير ضرورية.

  • تمكن مستشفى هيلث سيتي من توفير التكاليف عن طريق اتخاذ قرارات ذكية بالصنع بدلاً من الشراء. على سبيل المثال، كان المستشفى يصنع الأوكسجين الطبي بدلاً من استيراده من الولايات المتحدة بتكاليف مرتفعة. وكذلك كان يوفر مستشفى هيلث سيتي حوالي 40% من تكاليف الطاقة عن طريق بناء حقله الشمسي الخاص لتوليد الطاقة باستطاعة 1.2 ميغاواط.


ربما يسبب نموذج مستشفى هيلث سيتي اضطراباً كبيراً لقطاع الرعاية الصحية في الولايات المتحدة. إذ ستكون تكاليف سفر مريض ومرافق واحد له للعلاج في هيلث سيتي لمدة تتراوح بين أسبوع واحد لأسبوعين أفضل كثيراً نسبة لشركات التأمين، التي ستوفر الكثير من النقود حتى إن لم تكن هناك مدفوعات مشتركة ولا مبالغ قابلة للخصم ولا سفر مجاني.

راقبت شركات التأمين وأرباب العمل في أميركا مستشفى هيلث سيتي بكل اهتمام، وعلى الرغم من ذلك لا يعد هذا المستشفى خياراً متوفراً لمرضاهم حتى الآن. ولكن هذا الأمر قابل للتغيير، بالأخص مع سجل مستشفى هيلث سيتي الحافل واستمرار التزايد الكبير في تكاليف الرعاية الصحية في الولايات المتحدة. قالت مجموعة من الأطباء الأميركيين الذين قاموا بزيارة المستشفى: "قد يكون مستشفى كايمان هيلث سيتي أحد الأمور المسببة للاضطراب التي ستتمكن أخيراً من دفع النظام الأميركي عالي التكلفة نحو الابتكار".

ونحن نقول أنه يجب على موردي الرعاية الصحية في الولايات المتحدة الانتباه لمستشفى هيلث سيتي لسببين. الأول هو أنه بإمكانهم التعلم منه كيفية تقديم رعاية عالية الجودة بتكاليف مخفضة جداً. والثاني، هو أنّ عليهم التفكير بافتتاح منشآت مشابهة قرب الشاطئ لمعالجة بعض مرضاهم والاستفادة منها كمختبرات للابتكارات.

الخلاصة: يمكن لموردي الرعاية الصحية في الولايات المتحدة تحمّل تكلفة التغاضي عن تجارب كمستشفى هيلث سيتي على مسؤوليتهم. يعبّر روبيرت بيل، الرئيس التنفيذي لمجموعة بيرمانينت ميديكال وأستاذ مادة الجراحة في جامعة ستانفورد، عن ذلك ببلاغة في قوله: "اسأل معظم المواطنين الأميركيين عن حصولهم على الرعاية الصحية التي يحتاجونها خارج الولايات المتحدة، وسيجيبونك بازدراء وسلبية، فهم يعتبرون الخبرات الطبية خارج الولايات المتحدة من الدرجة الثانية. بالطبع هذا هو تماماً ما كانت تفكر به شركة يلو كاب بشأن شركة أوبر، وكوداك بشأن التصوير الرقمي، وجنرال موتورز بشأن تويوتا، وبوردرز بشأن أمازون".

نأمل ألا يستهين قطاع الرعاية الصحية في الولايات المتحدة بخطورة تهديد الوافدين الجدد إليه.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!