للحفاظ على المواهب، تقدم معظم الشركات مجموعة من الحوافز، والتي باتت مألوفة مثل توفير القهوة والشاي مجاناً في غرفة الاستراحة، إلى جانب رزمة استحقاقات تنافسية وعلاوات ومكافآت سخية وبرامج التعرف على الموظفين. لكن لا شيء من كل ذلك يحدث فرقاً إذا لم يشعر الموظف بالراحة في بيئة عمله. لكم أن تتخيلوا على سبيل المثال أن يضطر شخص للصلاة في سيارته لأن مكان عمله لا يؤمّن له مكاناً مناسباً لذلك، أو أن تتجنب موظفة وضع صور لأطفالها على مكتبها حتى لا تُفسح المجال لزملائها لطرح أسئلة بشأن مدى إخلاصها لعملها، أو أنّ مديراً غير متأكد من أنّ بإمكانه اصطحاب ابنه معه خلال فعاليات الشركة خارج الدوام عندما تكون زوجته خارج البلد.

الموظفون الذين يختلفون عن معظم زملائهم في توجهاتهم أو ميولهم أو ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية ومن حيث الجيل الذي ينتمون إليه، كثيرا ما يُخفون أموراً مهمة عن أنفسهم في مكان العمل خوفاً من العواقب السلبية. نحن في مجتمع التنوع والدمج نسمي هذا "إخفاء الهوية" وهو ما يجعل من الصعب على الآخرين معرفة ما هو شعور هؤلاء الموظفين وماذا يريدون، ما يجعل احتمال بقائهم في الشركة ضعيفاً.

معظم قادة الأعمال يفهمون الجزء المتعلق بالتنوع لدى الحديث عن التنوع والشمول أو الدمج. وهم يدركون أنّ تنوع الموظفين أمر مهم بالنسبة للعملاء وحاسم لتحقيق النجاح في السوق العالمية. لكن القسم المتعلق بالدمج هو الذي لا يعيرونه الاهتمام الذي يستحق بمعنى الحرص على إيجاد بيئة يكون فيها الناس على ما هم عليه، وحيث يحظون بالتقدير على مواهبهم الفريدة ووجهات نظرهم، ومن ثم يرغبون بالبقاء.

إنّ مفتاح الدمج هو فهم من هم الموظفون الفعليون للشركة. وهناك ثلاث طرق لتحقيق ذلك: استبانات التقييم ومجموعات التركيز واللقاءات الفردية. إلا أنّ نجاح هذه الطرق يعتمد على استخدامها بأسلوب يأخذ في الاعتبار أنّ معرفة الناس أصعب مما نعتقد وخصوصاً افراد المجموعات التي تمثل أقلية في الشركة. في ما يلي بعض أفضل الممارسات لمعرفة موظفيكم عن قرب وتكوين فكرة صحيحة عنهم:

تجزئة نتائج استبانة مشاركة الموظف على أساس مجموعات الأقليات

تجري العديد من المؤسسات استبانات حول مشاركة الموظفين ولكن معظمها يتجاهل تقسيم البيانات التي تُجمع على أساس معايير مثل النوع الاجتماعي والقومية والجيل والجغرافيا والأقدمية والمنصب أو الدور الذي يشغله في الشركة. من خلال الاكتفاء بالنظر إلى الأرقام الإجمالية، يفوّت أرباب العمل فرصة وضع الأصبع على قضايا مطروحة لدى الموظفين الذين ينتمون إلى مجموعات صغيرة من شأنها أن تؤدي إلى الاستنزاف، طالما أنّ وجهات نظر الأغلبية تطغى على رأي تلك الأقليات.

في عام 2015 على سبيل المثال، شكلت النساء 52% من فئة المحامين المنتسبين الجدد في شركة المحاماة العالمية بيكر ماكنزي، ولكنهم أيضاً مثلوا 23% فقط من المحامين الشركاء البالغ عددهم 1,510. لمعرفة ما الذي يمنع النساء من الترقي إلى الأدوار العليا، طلبتُ من باحثينا تقسيم نتائج استبانة مشاركة على مستوى الشركة لدراسة ردود المحاميات. على أساس تلك البيانات، علمنا أنّ العديد من المحاميات المنتسبات إلى الشركة كانت لديهن رغبة أقل في أن يكن شريكات مقارنة مع زملائهن الرجال.

وقد دفعنا ذلك إلى إجراء استبانة متابعة لمعرفة السبب، وهو ما كشف لنا أربعة أمور ستجعل الشراكة أكثر جاذبية للنساء: مزيد من المرونة في ساعات الدوام وخصوصاً ساعات العمل الإضافي وتحسين فرص العمل على ملفات كبار العملاء وزيادة الالتزام بأهداف التنوع في الشركة وتعيين مزيد من النساء اللواتي يمثلن قدوة. فكان أن اعتُمدت هذه الأمور الأربعة أساساً لخطة عمل شملت على سبيل المثال، برنامج عمل مرن على مستوى الشركة يشجع العمل عن بعد. وبحلول عام 2018، ارتفعت نسبة النساء اللواتي رُقّين إلى دور الشريك إلى 40% بعد أن كانت 26% في عام 2015.

استخدام ميسّرين مستقلين لإدارة مجموعات التركيز

مجموعات التركيز هي طريقة أخرى لتكوين فهم أعمق لما يهتم به الموظفون ولمعرفة القضايا التي قد تسبب الإحباط واستنفاد العزيمة.  

بيّنت استبانة واحدة لمشاركة الموظفين على مستوى الشركة أجرتها شركة أغذية قيمتها 15 مليار دولار أنّ الموظفين في مكتب كندا سجلوا درجات أقل بكثير من الرضا عن العلاقة بين الحياة والعمل من تلك الموجودة في البلدان الأخرى. بعد عقد سلسلة من مجموعات التركيز لفهم السبب اكتشفنا أنّ العديد من الموظفين يتلقون رسائل إلكترونية من مدرائهم خلال إجازة نهاية الأسبوع ويشعرون بأنّ عليهم أن يردوا حتى عندما يخبرهم مدراؤهم أن لا يفعلوا ذلك حتى يوم الإثنين، مع استئناف العمل.

وعلمنا أيضاً أنّ القادة في ذلك المكتب كانوا منشغلين في اجتماعات طوال الأسبوع ويتفرغون في إجازة نهاية الأسبوع لمتابعة البريد الإلكتروني. عندما طلبنا من الموظفين إيجاد حلول، اقترحوا منع إرسال رسائل بالبريد الإلكتروني خلال إجازة نهاية الأسبوع وعدم عقد اجتماعات في أيام الجمعة حتى يتسنى للمدراء الوقت للرد على الرسائل. بعد أن نفّذ المكتب هذه السياسات الجديدة أفاد الموظفون بأنهم أكثر سعادة ويشعرون بأنّ ضغط العمل أقل من ذي قبل، وفق مسح أجري بعد عام.

تُدار مجموعات التركيز على أفضل وجه من قبل شركة خارجية أو محترفين موثوقين في مجال التنوع والشمول ليست لديهم مصلحة مكتسبة من النتيجة بحيث يمكن للموظفين أن يتحدثوا أمامهم بحرية.

عقد لقاء فردي يتيح خوض نقاش شخصي

إجراء نقاش ثنائي مع المدير يمكن أن يكون الأداة الأقوى لمعرفة ما هي المسائل التي يهتم لها الموظف. ولكن لكي تكون هذه المحادثات فعالة، يجب أن ينتهج المدير سياسة الباب المفتوح وأن توحي شخصيته بأنه يمكن الحديث معه بصراحة. ومن الطرق التي يمكن أن يثبت من خلالها المدراء أنهم أهل للثقة هي: مشاركة أفكارهم ومشاعرهم عندما يشعرون بالتعب أو بالحزن أو عندما يواجهون صعوبات مع مسألة ما. هذا يساعد على إظهار أنهم بشر.

مايكل سانتا ماريا الذي يرأس مكتب شركة بيكر آند ماكنزي التجاري في أميركا الشمالية لا يكف عن إخبار موظفيه عن مدى حرصه على أن يحققوا النجاح في المنزل وفي العمل ويبدي اهتماماً حقيقياً بعائلاتهم. وتقوم فلسفته على أنه من الصعب أن تنجح في العمل إذا لم تكن الأمور في المنزل على ما يرام، ويتحدث بانفتاح عن عائلته مع موظفيه وحتى مع عملائه. وكونه منفتحاً حول حياته الشخصية يجعل موظفيه أكثر ارتياحاً لمشاركته تفاصيل حياتهم الشخصية حتى أولئك الذين يختلفون عن معظم زملائهم.

الطريق لاستبقاء الموظفين

في عالم مثالي، يبرع جميع القادة في فهم موظفيهم ويتأكدون أنه لا شيء يفوتهم جراء إهمال أو عدم معرفة. ولكن في العالم الحقيقي، لا يمتلك معظم القادة فهماً كافياً للعوامل التي يمكن أن تعيقهم عن معرفة ما هو مهم بالنسبة للموظفين سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. يمكن لاستخدام أدوات مثل تجزئة استبانات المشاركة وعقد مجموعات تركيز والمحادثات الشخصية أن يوجه الإدارة إلى اتخاذ إجراءات من شأنها أن تساعد في الحفاظ على مشاركة والتزام الموظفين أصحاب المواهب والكفاءات داخل الشركة أو المؤسسة. وتكمن الخطوة الأولى لاستبقاء مزيد من الموظفين في استخدام هذه الأدوات.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!