من المحتمل دائماً أن يضم أي فريق أو مؤسسة بعض الأفراد ممن يطرحون أفكاراً جديدة ومفيدة بشكل مستمر. وتعتبر هذه الأفكار بدورها بذور الابتكار، فهي الأساس الفكري لأي منتجات وخدمات جديدة تساعد المؤسسة على اكتساب ميزة تنافسية على حساب البقية. ولكن قد لا يكون لبعض المؤسسات القدرة على إنشاء الآليات الصحيحة والقيادة والثقافة المناسبتين لتحويل تلك الأفكار الإبداعية إلى ابتكارات فعلية وهو ما قد يتسبب في إضعاف أداء موظفيها الأكثر إبداعاً. ويزداد وضع إدارة الابتكار هذا سوءاً مع الحقيقة القائلة إنّ إدارة العمليات الإبداعية تتطلب اهتماماً ونظرة خاصة. وفي الواقع، تشير عقود من الأبحاث النفسية إلى أنّ للمبدعين شخصية وقيم وقدرات مختلفة تماماً عن البقية. وسنقدم لك في ضوء ما سبق ثماني توصيات برهنت عن جدواها للاستفادة القصوى من موظفيك المبدعين وللحيلولة دون أن يضعف أداؤهم:

عيّن الأدوار الصحيحة لهم: سيزداد أداء أولئك المبدعين جودة بشكل عام عندما تتمكن من تحقيق أقصى قدر من التوافق بين ميولهم السلوكية الطبيعية والعمل الذي يؤدونه وذلك بغض النظر عن الصناعة أو ما يقوم به ذاك الشخص. ويفسّر ما سبق سبب تفوق الشخص نفسه في بعض الأدوار ومعاناته في أخرى. لذلك، وفي حال كنت ترغب في أن يقوم موظفيك المبدعين بعمل جيد، عليك توكيل مهام ذات غاية وملائمة لهم. وفي الواقع، تُظهر الأبحاث أنه لدى الأشخاص المبدعين بشكل عام مستويات أعلى من الدوافع الذاتية، إلا أنّ الأداء الخاص بهم في نفس الوقت يقل بشكل ملحوظ عندما تقل دوافعهم الذاتية للعمل. وبالتالي، ستكون هناك خسارة أعلى في التكلفة والإنتاجية عندما تقل مشاركة الموظفين المبدعين، لكن في حال شاركوا بالشكل المناسب، فسيقدمون فوائد أعلى بالنسبة لك.

قم ببناء الفريق انطلاقاً منهم: يُقال دائماً أنّ "التماثيل لا تُشاد للفرق"، إلا أنّ الابتكار هو دائماً نتيجة لنشاط إنساني جماعي منسق يجمع فيه الناس بين قدراتهم ومصالحهم المتنوعة لترجمة الأفكار المبدعة إلى ابتكارات ملموسة. جرّب القيام بمحاولة إدارة فريق مليء بالمبدعين وستجد أنّ القليل فقط يتم إنجازه، لكن إذا قمت بإحاطة موظفيك المبدعين بمنفذين جيدين، وشبكات مناسبة، ومدراء مشاريع يهتمون بالتفاصيل، ستغدو قادراً على توقع نتائج مميزة تأتي بدورها كحصيلة للتنوع المعرفي. وسيزدهر المبدعون إن كانوا جزءاً من فريق قادر على تحويل أفكارهم إلى منتجات وخدمات ملموسة، سواء في مجالات الرياضة أو الموسيقى أو حتى الوظائف المكتبية العادية، ويساعد ذلك في أن يزيل من على عاتقهم عملهم بنفسهم على تطبيق تلك الأفكار على أرض الواقع.

حاول مكافأة الابتكار: ستحصد ما تزرع، فلن يكون هناك جدوى من تمجيد الإبداع والابتكار إذا كنت بعد ذلك تكافئ الأشخاص على فعل ما يقال لهم فقط. ومن شأن عدم تنفيذك لأقوالك أن يحبط موظفيك المبدعين، حيث سيشعرون بأنه لا يتم الاستفادة منهم بأفضل شكل ممكن في حال أظهرت عدم اكتراثك بأفكارهم وخيالهم المبدع. وعلى النقيض، إذا قمت حقاً بتحفيز الناس على طرح أفكار جديدة، والتفكير غير التقليدي، وتكريس بعض طاقتهم لتحسين العمليات والمنتجات والخدمات القائمة، ستلاحظ أنّه حتى أولئك الذين ليسوا عادة بهذا الإبداع يحاولون القيام بالأشياء بشكل مختلف ويبتكرون.

تسامح مع الجوانب السلبية لذلك (ولكن فقط إلى حد ما): لدى كل شخص جانب مظلم يُعرف بأنه ميول سلوكية غير مرغوبة أو سامة. وقد أظهرت الأبحاث أنّ الأفراد المبدعين يكونون بشكل طبيعي أكثر نزقاً ومزاجية وصعوبةَ إرضاء. علاوة على ذلك، وبسبب نزعتهم الخيالية، فقد تصادف تصميمات تبدو لك غير تقليدية وغريبة الأطوار. كما يتخصص المبدعون غالباً في تعقيد الأشياء البسيطة لا العكس، ولكن تمثل تلك الميول غير المثالية والفردانية في الوقت نفسه اللبنات الأولية للإبداع، إذ عادة ما يميل المبدعون إلى التشكيك في الوضع الراهن وتحدي الأعراف والتقاليد القائمة لكي ينتجوا تلك الابتكارات. وكما قال الفنان روبرت بانكسي مؤخراً على إنستغرام عندما جعل أحد أعماله الفنية يدمر نفسه ذاتياً في مزاد حصل مؤخراً (وفقط بعدما دفع المشتري أكثر من 1.3 مليون دولار للحصول عليه): "الرغبة في التدمير هي أيضاً حاجة إبداعية". وفي المقابل، إذا كنت توظف فقط من يتصرفون بشكل جيد وينفذون تعليماتك، عليك ألا تتوقع تلقي أي ابتكارات. لكن علينا القول هنا إنّ على إبداع الموظفين ألا يكون مبرراً لسوء التصرف أو الإضرار بالموظفين الآخرين أو بالمؤسسة.

قم بتحديهم: لا يوجد أسوأ من أن تطلب من شخص ما القيام بعمل سهل جداً وغير محفّز، ويزداد الأمر سوءاً بشكل خاص عندما يكون هذا الموظف مبدعاً. وتشير البيانات إلى أنّ 46% من الموظفين في الولايات المتحدة يرون أنّ قدراتهم أعلى من الوظائف التي يعملون فيها، الأمر الذي يؤدي إلى وجوب قيامك بدفع موظفيك للقيام بما هو أبعد مما يقومون به تقليدياً. وسيتسبب عدم قيامك بذلك في قلة رغبتهم في المشاركة وضعف مستوى عملهم واعتلال صحتهم النفسية. وقد وجد الباحثون خلال تقصيهم للمسألة، أنه يمكن القيام ببعض الأمور للتخفيف من هذه التأثيرات، حيث يمكن للمؤسسات التي تقدم لأعضائها الموهوبين خطط تطوير شخصية وفرص توجيه تعزز ثقافة الدعم والإدماج أن تزيد من الأداء المبدع لديهم. وقد يكون توفير مثل هذه الفرص بمثابة حمل ثقيل على بعضها، إلا أنّ عدم القيام بذلك سيجعلها تخسر موظفيها المبدعين لصالح المنافسين.

طبّق مقدار الضغط المناسب: غالباً ما يقال إنّ الحاجة أم الاختراع، وإذا كانت هناك مشكلة يجب حلها في إطار زمني معين، سيتم حلها فيه. ولكن تُظهر الأبحاث أنّ العمل في بيئات ذات ضغوطات مرتفعة يمكن أن يضر برفاه الموظف وبالتالي يقلل من إنتاجيته. ومع ذلك، وعندما يتعلق الأمر بزيادة الإنتاج الإبداعي، يمكن أن يكون تطبيق بعض الضغوطات أمراً جيداً، إذ تشير الأدلة العلمية في الواقع إلى أنّ هناك مقداراً مثالياً من الضغط كاف لتحفيز الإبداع. وستتسبب قلة الضغط الكافي في نقص الحافز، أما الضغط المبالغ فيه فسيثبط قدرة الشخص على التفكير بشكل خلّاق؛ بالتالي، يجب على المدراء تحقيق التوازن الصحيح وإجراء ضغط معتدل (مثالي) عبر تحديد حدود الموارد والإنتاج المتوقع أولاً، ومن ثم توصيل دعمهم للعملية الإبداعية بشكل واضح.

تعزيز التنوع المعرفي: عندما تتطلع المؤسسات إلى توظيف موظفين جدد، يكون "تناسبهم" مع ثقافة المؤسسة في الغالب معيار اختيار مهم، وهناك سبب وجيه لذلك (عُد إلى النقطة 1 من جديد)، حيث تشير الأدلة إلى أنّ الموظفين الذين تتناسب مهاراتهم ونفسياتهم مع ثقافة المؤسسة ومهمتها هم الأكثر إنتاجاً وتحفيزاً. ومع ذلك، وإذا كانت المؤسسات تسعى إلى الابتكار، عليها في الواقع تعزيز التنوع المعرفي بين فرقها. وعلى وجه التحديد، يجب على القادة بناء فرق مع أعضاء ذي شخصيات متوافقة مع بعضها إنما مختلفة فيما بينها. ويرجع ذلك إلى أنّ الفرق المتنوعة معرفياً أكثر عرضة لرؤية المشاكل بشكل مختلف وإنتاج قرارات أفضل. وتنطبق هذه القاعدة أيضاً على القادة: إذا كنت ترغب في أن يقود القادة أي نوع من أنواع التحول أو النشاط الريادي، من الأفضل أن توظف أشخاصاً تناسبهم مع الوظيفة معتدل بدل توظيف المثاليين جداً لها!

كن متواضعاً: بات التواضع إحدى الفضائل النادرة في مجتمعنا اليوم مع ازدياد النرجسية، إذ غالباً ما يصبح النرجسيون قادة بفضل جاذبيتهم وسحرهم وثقتهم، ما يساعدهم على جذب الأتباع وإقناع الآخرين بأنهم أكثر كفاءة مما هم عليه في الواقع. إلا أنّ هؤلاء القادة نادراً ما يكونون أكثر إبداعاً حتى عندما ينجحون في الظهور كمبدعين أمام الآخرين. وفي الواقع، يجب على القادة الراغبين في إنتاج فريق مبدع أن يكونوا متواضعين، إذ كشفت دراسة حديثة أنّ تواضع القادة كان مؤشراً مهماً لنتائج الفريق المبدعة نظراً لكونها تثير مشاعر السلامة والثقة والتعاون بين أتباعهم. ولممارسة التواضع، على القادة أن يكونوا أكثر استعداداً للاعتراف علناً بأخطائهم وقيودهم وأن يكونوا أكثر صراحة في إظهار التقدير وإعطاء الامتنان متى كان ذلك مستحقاً (ويجب على إيلون ماسك التعلم من هذا بدوره).

مع تحول الأفراد بشكل متزايد إلى العمل الحر وريادة الأعمال، تواجه المؤسسات خطر فقدان المواهب اللازمة لدفع عجلة نموها ودرء الاضطراب. بالتالي، تعتبر القدرة على إدارة المواهب الإبداعية والاحتفاظ بها بنجاح أمراً بالغ الأهمية. وفي الوقت الذي تتحدث فيه قصص الاختراقات المبتكرة والثورية عن بداياتها الطبيعية والأسطورية، يشير الواقع إلى أنّ تحويل الأفكار الإبداعية إلى واقع فعلي أمر صعب ويتطلب قيادة عظيمة. ولحسن الحظ، هناك ما يكفي من الأدلة لمساعدة القادة على تطوير استراتيجية فعالة ليس فقط للإدارة، ولكن أيضاً للاستفادة من موظفيهم المبدعين.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!