“الطرق التقليدية لكي يبقى التركيز مستمراً لا تعمل معي”، “أنا أعرف ما يجب القيام به لأكون أكثر إنتاجية، ولكنني فقط لا أفعل ذلك”. أسمع مثل هذه الجمل كثيراً في تدريبي للعملاء. وقرأ الكثير منهم العديد من المقالات والكتب بالفعل، وتم تدريبهم على منهجيات الإنتاجية، لكنهم لا يزالون يجدون أنّ البقاء مركّزين معركة شاقة بالنسبة لهم. لماذا الأشخاص الذين يعرفون الكثير عمّا يساعد الناس على التركيز، يعانون لكي يركّزوا؟ لقد حددت عدة أسباب، من خلال عملي، فضلاً عن استراتيجيات تساعدك على استعادة التحكم في الوضع.

على افتراض أنّ استراتيجيات الإنتاجية المفضلة للآخرين يجب أن تعمل بالنسبة لك، يمكن أن تسفر هذه الاستراتيجيات عن الإحباط والشعور بالهزيمة. ربما يدافع أحد الأصدقاء أو المؤلفين عن طريقتهم في الإنتاجية بحماس شديد إلى درجة أنها تبدو طريقة منيعة ضد الفشل إن نُفذت بشكل صحيح. لكنك إذا جرّبت الطريقة على أنها زائفة أو متكلفة فلن تكون مناسبة لك. فإذا حاولت أن تنجح من خلالها فقد تدخل حلقة مفرغة من السلوكيات اللامجدية، حيث تندب حظك لفقدانك التركيز.

على سبيل المثال، كان لدى مجموعة فرعية من عملائي الذين أدربهم كراهية لتنظيم استخدام أوقاتهم باستعمال الأدوات التي يوصي بها الكثيرون مثل جداول البيانات، والمخططات والتقويمات والقواعد الشرطية، والمؤقتات. وهؤلاء غالباً هم نفس العملاء المتوافقين بشدة مع جودة خبرتهم العملية، والذين يجدون المتعة في تدفّق العمل ويسعون إلى خلق المزيد منه، في ذات الوقت يشعرهم استخدام تقنيات الرفع من الإنتاجية التجارية بالاختناق. إذا كانت هذه الأوصاف تعبّر عنك، سينفعك الانتباه إلى ما يحدث داخل نفسك أثناء العمل واستخدام ما تلاحظه لتحسن استراتيجياتك.

إذا كنت تشعر بالهزيمة، سيساعدك أمران للمضي قدماً والشعور بالتحكُّم أكثر. أولها، قبولك لوضعك الحالي وأن تتعاطف مع نفسك. فعندما تعترف لنفسك “أنا عالق، وهذا شعور فظيع”، وتسمح لهذا الاعتراف بالاستقرار في وعيك دون أن تحاربه أو تستخدمه لتوبيخ نفسك، حينئذ يفقد قوته عن تعطيلك. تعاطف مع نفسك بالاعتراف بنقاط قوتك، وتذكّر التحديات التي تغلبت عليها فيما مضى، والتي تؤكد قدرتك على حل المشاكل.

من ثَم امض قُدُماً بالتجريب والتفكير. أقوم بتشجيع عملائي على تفحّص كيف يشعرون بعملهم في عدة نقاط مختلفة طوال اليوم وأحثّهم على إجراء تعديلات لتحسين جودة تجربتهم في العمل. فالمرونة تساعدك فعلاً. إذا لم تنجح معك إحدى الطرق، جرّب أُخرى بدلاً من الكدح فيها دون جدوى. يحبطك الجلوس في مكتبك؟ خذ عملك خارجاً أو احمل حاسوبك إلى مقهى واعمل هناك لبضع ساعات. هل شاشة حاسوبك تؤذي عينيك؟ انتقل للعمل على الأوراق أو استخدم ميزة التعرف على الصوت. لربما كنت عازماً على إكمال أمر قبل الغداء. لكن إن بدأت تشعر بالإحباط، فالخروج والقيام بنزهة، والذهاب لتناول شيء ما يكون بالتحديد ما تحتاجه لتسهيل الإنهاء السريع والسلس للعمل بعد الغداء.

تُعتبر الاستفادة من العلاقة بين العقل والجسد مفتاح معرفة متى يمكنك إجراء التغيير. على سبيل المثال، تعلمت أنني أحتاج مغادرة الكرسي والتمشي عدة مرات في اليوم. كان ألم كتفيّ وخدر ردفيّ يدفعانني للتحرك. فإذا شعرتُ بأنني أحني ظهري أو أحس بالشدّ في فكيّ، فإني أتمشى نحو النافذة أو أخرج لأشم الهواء لبضع دقائق. كما أنني أمارس الرياضة يومياً تقريباً، وأقوم بذلك عادة قبل نهاية يوم العمل أو قبل أمر لا يتطلب مني انتباهاً شديداً لأنه لو كان ذلك الأمر يتطلب الاهتمام فإنّ التمارين تشتت تركيزي بدلاً من شحذ انتباهي. يستطيع جسدك أن يقدم لك نقاطاً هامة عن كيفية الإدارة النموذجية لتركيزك.

يحب بعض الناس أن يحتفظوا بلائحة تتبع لما يخططون لإنجازه وتوقيته. ومن ناحية أُخرى، يمثل التركيز على سيرورة العمل بدلاً من نتائجه تحولاً فعالاً في المنظور يسهّل العمل على الكثيرين. على سبيل المثال، تعلمت عميلتي نورة أنها إذا حددت الهدف الرئيسي لليوم كـ”مشروع نهائي” فإنها تشعر بالتوتر المتزايد بمرور الوقت إذا لم يكن العمل على المشروع يسير بالسرعة التي تريدها، وستكون محبطةً للغاية في نهاية اليوم إذا لم ينجز المشروع كاملاً. وساعدها كثيراً أن تنوي “العمل على المشروع” أو “إحراز تقدم في المشروع”، لاسيما عندما تحدد المهام المنفصلة والمراحل الصغيرة التي هي بمثابة مؤشرات للتقدم المحرز في العمل.

لا ينبغي على التركيز المستمر أن يكون معاناة. ومع أنه لا يكون سهلاً، إلا أنّ إدارة تركيزك يمكن (وينبغي) أن تكون معززاً للثقة بالنفس ومُرضية لك. يُعتبر إحراز تقدم في عمل هادف إحدى التجارب الأكثر تحفيزاً وإسعاداً التي يمكن للمرء أن يمرّ بها.

لذلك، من البديهي أن تخطط لأن يكون تدفّق عملك سلساً وفعالاً. توصي أستاذة جامعة مينيسوتا، تيريزا غلومب، بتنظيم عملك كـ”بداية منحدر”. يشبه الأمر ركن سيارتك على منحدر، ما الذي تستطيع فعله لضبط الوضع بحيث لا تحتاج إلا إلى رفع قدمك عن الفرامل لتتحرك السيارة؟ هل هو ترتيب مكتبك قبل أن تبدأ عملاً جديداً؟ أم هي كتابة أهم نقطتين ذات الأولوية القصوى بالنسبة لك لإنجازهما في اليوم التالي قبل مغادرتك العمل مساء؟ لربما أنت شخص ذو تفكير شمولي تعطله التفاصيل الصغيرة. إذا كنت كذلك وتسعى لتحقيق فكرتك الكبيرة، لابد عليك أن تأخذ مهمة سهلة من رؤيتك الشاملة وتقوم بإنجازها. اسأل نفسك، “ما هي الخطوة الصغيرة التي يمكنني اتخاذها؟” على سبيل المثال، إذا خطرت لي فكرة عن مقال أود كتابته، أعرف جيداً أنّ الإلهام سيتلاشى إن لم أحوّل الفكرة لفعل. أستطيع أن أكتب موجزاً أولياً للمقال في بضع دقائق (تقدم ملموس). وإذا كان لدي الوقت، سأطور الملخص إلى مخطط أكثر شمولاً (مزيد من التقدم).

ومع أنّ الملخص الأولي أسرع وأسهل من كتابة مسودة كاملة، إلا أنه خطوة ملموسة نحو إنجاز العمل تشعرك بالسعادة وتسهل عليك المرحلة التالية من الكتابة. فانتظار الإلهام لإنجاز عمل كبير من الصفر أمر غير مجد، بل إنه في الحقيقة يعطلّك تماماً عن الإنتاجية. أما الأمر المجدي فهو إيجاد سبل لاتخاذ خطوات صغيرة والاستمتاع بالشعور الناجم عن إحراز التقدم.

إذا كانت استراتيجية إنتاجية شخص آخر تبدو لك مصطنعة، فهي على الأرجح لن تحفّزك. على سبيل المثال، يستطيع بعض الناس رفع إنتاجيتهم من خلال وضع سلسلة من المواعيد النهائية لأنفسهم. أما بالنسبة لآخرين، لا يعزز الموعد النهائي التركيز إلا إن كان حقيقياً، ومرتبطاً بالأشخاص المعنيين، ويترتب عليه عواقب فعليّة، ولا يساعدهم الموعد النهائي على التركيز إن اختلقوه لأنفسهم أو اختلقه لهم شخص آخر من أجل التحفيز على الإنجاز مثلاً. على سبيل المثال يمثل الموعد النهائي بالنسبة لي معرفة أنه سيكون هناك جمهور ينتظر سماعي أتحدث في وقت معين. ومع هذا النوع من المواعيد النهائية، سأكون مستعدة وسأقدم حديثاً ممتازاً.

على النقيض من ذلك، لا يساعدني على التركيز إن قلت لنفسي أو قال لي أحدهم أن أنجز شرائح العرض التقديمية قبل أسبوعين من الإلقاء.

تفقد استراتيجيات الإنتاجية أيضاً قدرتها على التحفيز عندما لا تشعر بأنها ذات مغزى. لذلك، حاول إعادة صياغة ما عليك القيام به من حيث قيمك الأساسية وذلك لكي تركّز بشكل أقوى وأكثر استمرارية. لنفترض أنني بحاجة إلى جدولة مقابلات مع الموظفين في شركة العميل. تبدو عملية إدارة رسائل البريد الإلكتروني وجدولة اللقاءات أمراً مملاً إذا اعتبرت هذه المهام تفاصيل إدارية لا جدوى منها. ولكن عندما أفكر بها كمحادثات مفتوحة تحمل حلولاً لمساعدة الناس على النمو والازدهار، حينئذ تصبح هذه المهام جذابة.

يقع الكثير من الناس أثناء سعيهم للتركيز فريسة للملهيات الخارجية والداخلية. وتُعتبر الأداة المفيدة لتجنب الملهيات هي التفكير فيما سيكلفك الأمر إن انسقت معها. ومع أنّ الانسياق مع الملهيات له مفعول مهدئ مؤقتاً، إلا أنه يولّد لاحقاً مشاعر الأسف بل وحتى انعدام الكفاءة. ومن ناحية أُخرى، يعزز إحراز التقدم المشاعر الرائعة من الاحترافية والثقة بالنفس. وعندما تواجه إغراء الملهيات، اطرح على نفسك السؤال التالي: “ماذا لو قلت ليس الآن؟” عندما تقيّم حقيقة أنّ الانغماس في صفحات الإنترنت يعني ترك زمام الأمور طليقاً والتخلي عن قضاء وقت لإنجاز أمور تريد بالفعل إنجازها، فقد تجد في نفسك القوّة على التركيز.

أخيراً، تقبّل أنّ التركيز أمر حركيّ، أي أنه نشاط قيد التنفيذ. ليس هناك أي أداة تساعدك على جعل التركيز مثل الليزر لا يتشتت أبداً. وأفضل رد فعل على بضع ساعات قضيتها في الانسياق مع الملهيات ليس تأنيب نفسك، بل التعاطف الذاتي مقترناً بالفضول. بغض النظر عمّا إذا كان تركيزك مثالياً أم لا، اقض بضع دقائق نهاية كل يوم في كتابة ما أنجزته ولإعداد نفسك للشروع في انسياب سلس لإنجاز أهداف اليوم التالي من العمل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!